Beirut weather 19.88 ° C
تاريخ النشر May 21, 2019 07:05
A A A
لماذا هذا الضياع التركي في جميع الملفات الحساسة؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

من يسمع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عن حتمية استلام صورايخ اس 400 من روسيا، رغما عن واشنطن ويقارنها بتصريحاته السابقة عن حتمية دخول وحداته الى منبج، وايضا رغما عن واشنطن، يستطيع ان يلمس خلو كلام الرئيس التركي من اية مصداقية، وحيث ما زالت منبج تحت سيطرة الوحدات الكردية، برعاية وتواجد عسكري وسياسي اميركي، فمن المرجح ايضا ان تركيا لن تجرؤ على استلام صواريخ اس 400 الروسية، وبالرغم ايضا من ” تأكيده ” عن ان وحداته سوف تستلم ايضا اس 500 المتطور وستشارك في تصنيعه.
هذا الضياع الرسمي التركي والذي يظهر من تصريحات الرئيس اردوغان، في ملف الصورايخ الروسية اس 400، يتواكب ايضا مع ضياع تركي رسمي آخر، حول ملف يوازي ملف اس 400 لا بل يضاهيه حساسية واهمية، وهو ملف اتفاق سوتشي مع روسيا ، والمنبثق عن ملف استانة الثلاثي مع ايران ايضا، والذي لغاية اليوم، لم تنفذ تركيا التزاماتها فيه، وبالرغم من مرور حوالي عامين على استانة وعام على اتفاق سوتشي او الذي ترجم الاتفاق الاول ( استانة ) الى اجراءآت عملانية وعسكرية وسياسية، فما هي اسباب الضياع التركي في الملفات الحساسة التي تضطلع فيها حاليا بشكل عام وخاصة في ملفي الصورايخ الروسية والاتفاقات مع الروس والايرانيين حول الشمال السوري؟
– ملف صورايخ اس 400
قالها الرئيس ترامب وبكل بساطة، لا يمكن لانقرة ان تستلم من الروس صورايخ اس 400 المضادة للصورايخ وللقاذفات، اولا لان تركيا عضو في الناتو ( حلف شمال الاطلسي )، وصورايخ اس 400 الروسية صنعت لمواجهة القاذفات والصواريخ الحلف اطلسية ( الاميركية والاوروبية )، وثانيا لان الصفقة سوف تؤمن لموسكو مبالغ مالية غير سهلة، بمعزل عن فوزها المعنوي كإختراق لحلف الناتو عبر احدى اقوى دوله ( تركيا ) بعد الولايات المتحدة الاميركية.
تداعيات مضي انقرة بتنفيذ الصفقة حسب الاميركيين، لن تقتصر على منع استلامها قاذفات ( الجيل الثالث المتطورة ) اف 35 الاميركية، بل امتدت الى الموضوع الاقتصادي، والذي اعطى مفعوله فورا، تدهورا حادا في العملة التركية وانكماشا اقتصاديا واضحا، واليوم يُتَوَّج بانهاء الرئيس ترامب، وفي لحظة اقتصادية حساسة ، اتفاق المعاملة التفاضيلية مع الاتراك، والذي كان يسمح باستيراد بعض البضائع التركية دون رسوم جمركية.
صحيح ان الرئيس التركي لم يتوقف عن الصراخ ليلا ونهارا، بان الاميركيين غدروا به عندما تركوه يمضي بترتيبات صفقة ال اس 400، ماليا وادرايا، ليتفاجأ بعد ذلك بمعارضتهم للصفقة، بعد ان صعب عليه التراجع، على الاقل معنويا، وكأنه لم يكن يعلم شيئا عن اسلوب الاميركيين الذين يبرعون فيه دائما بتغطيس حلفائهم قبل خصومهم.
– ملف الاتفاقات مع الروس حول سوريا
من يتذكر ابتسامة الثقة التي علت وجه الرئيس اردوغان عند توقيعه اتفاق سوتشي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اعتبر وقتها ان الاتفاق انتهى وتم تنفيذه بحذافيره، وان تركيا ستبرهن انها شريك صادق وقادر على الوفاء بالتزاماته، خاصة ان ما هو مطلوب منها سهل، فهي الراعية الدائمة لمسلحي وارهابيي الشمال السوري، وحدودها الجنوبية مع سوريا هي الشريان الوحيد لهؤلاء، ماليا ولوجستيا وعدديا وارتباطا خارجيا، وبامساكها هذا الشريان، تدير لعبتهم كما تريد ومتى تريد وكيفما تريد .
مع مرور بعض الوقت على مُهل تنفيذ مراحل الاتفاق، والتي بررتها انقرة حينها بتعقيدات ميدانية وسياسية ظهرت عند التنفيذ، وبانها ستعمل على تجاوزها عاجلا ام آجلا، وان الاتفاق سارٍ وعلى الطريق للتنفيذ، لامتصاص الصدمة الروسية من التأخير، ولمحاولة التخفيف من ضغوط السوريين والايرانيين على الروس لاجبار انقرة على الالتزام، يبدو ان الاتفاق المركب (استانة – سوتشي ) اصبح فارغا من مضمونه، بفضل تقاعس او تواطؤ انقرة، واصبحت اليوم تركيا، عبر نقاطها العسكرية في ادلب كنقاط لمراقبة تنفيذ اتفاق سوتشي، تسهل للارهابيين الانتقال من درع الفرات نحو شمال حماه وجنوب شرق ادلب، وفي نفس الوقت، تشكل بنقاطها العسكرية هذه عِقَداً ميدانية امام اي تقدُّم مرتقب لوحدات الجيش العربي السوري .
في الحقيقة، حيث لا يمكن ان يكون هذا الضياع التركي – حول الملفين المذكورين – مرتبطا بتعقيدات تركية داخلية، لان الرئيس اردوغان كما يبدو، مسيطرا على القرار الداخلي بالكامل دون اية تأثيرات، لا من المعارضة التركية ولا من الجبهة الكردية الداخلية، كما وانه من غير المنطقي ان يكون مضغوطا من قبل مسلحي وارهابيي الشمال السوري، فمصير هؤلاء متعلق بشكل واسع بقراراته، حيث تخلى اغلبهم عن ارتباطاته الاقليمية السابقة، بعد ان تمركز في حضن تركيا وعلى حدودها ….
وحيث يعود السبب الرئيس لهذا الضياع التركي في الملفات المذكورة الى الصراع او الاشتباك بين الروس والاميركيين حول الفوز بتركيا، إذ لموقع تركيا الاستراتيجي في هذا الاشتباك دور فاعل ومؤثر في تفوق طرف على آخر، في عدة ملفات حساسة، ليس اقلها ملفات الناتو بمواجهة روسيا واهمها ملف اوكرانيا والقرم والبحر الاسود، او ملف سوريا وانهاء الازمة كما هو ظاهر طبيعيا لمصلحة الدولة السورية، او ملف العلاقة مع ايران، الاقتصادية والسياسية، خاصة في ظل هذا الاشتباك الايراني -الاميركي …
لكل ذلك ، لتركيا الحق بان تكون ضائعة ومترددة في هذه الملفات، اولا لانها تعلم جيدا حرص واشنطن على عدم التخلي عنها، اي عن ثباتها وتموضعها ضمن التوجهات الاستراتيجية الاميركية، وما يمكن ان تفعله الاخيرة سلبا للمحافظة على انقرة، وبنفس الوقت لان الاخيرة تعلم قيمة ما يمكن ان تستفيد من العلاقة الاستراتيجية مع موسكو ومع ايران فيما لو تطورت وتوسعت .

(Visited 158 times, 1 visits today)