Beirut weather 28.46 ° C
تاريخ النشر May 21, 2019 06:28
A A A
«أشتاق لحياتي السابقة».. ألمانية تروي رحلة الرعب مع «داعش» حين فكرت في الهروب
الكاتب: هديل عرجة - الشرق الأوسط

قالت لـ «الشرق الأوسط» إن عناصر التنظيم هددوها بقطع رأسها إن غادرتهم
لم يكن الوصول إلى مخيم الهول للنازحين في الحسكة، شمال شرقي سوريا، بالأمر السهل. إذ بعد رحلة شاقة من الحدود التركية والتنقل من سيارة لأخرى، كان الوصول إلى المخيم الذي لجأت إليه أشهر نساء «داعش» وأطفالهن.
لا يحتاج الصحافي لإذن دخول من «قوات سوريا الديمقراطية» كي تتجول في المخيم؛ بل يجب أن يعرف عشرات اللغات واللهجات، وربما أكثر من ذلك، في حال أراد الزائر التحدث مع قاطنيه الهاربين من «داعش».
ولكن هذه المرة جرى بالإنجليزية، على الرغم من أنها ليست اللغة الأم لجنيفير (24 عاماً) التي جاءت من ألمانيا لتركيا ومنها لسوريا قبل 4 سنوات، وانضمت لتنظيم «داعش».
القصة مع جنيفير بدأت برغبة منها في جمع التبرعات للسوريين المتضررين من حرب بلادهم. بحثت على «فيسبوك»، وهناك وجدت صفحة من أجل ذلك، ولم تكتف بجمع الأموال؛ بل سافرت إلى الحدود السورية – التركية، وعملت مع منظمة «الصليب الأحمر» في مجال المساعدات الإنسانية.
كان ذلك قبل 4 سنوات، عندما سمعت بتنظيم «داعش». تقول جنيفير لـ«الشرق الأوسط»: «قالوا لي: في هذه المناطق مسلمون فقط، وهناك يهود ومسيحيون؛ لكنهم يعيشون بسلام».
كان الأمر مغرياً بالنسبة لها ويستحق المغامرة، والتعرف من الداخل على مناطق «داعش». وهذا ما حصل!
بينما كان الفضول يعتري جنيفير بانتظار سيارة كي تصطحبها للرقة، جاءتها امرأة من «داعش» قدمت لها خماراً بنفسجياً، وقالت لها: «النساء العربيات لا يخرجن بشعورهن مكشوفة». وبالفعل ارتدت جنيفير الخمار وغطت شعرها ووجهها.
وهنا بدأت تتسارع الأحداث، وضعوها في «منزل النساء»، أخذوا منها كل ما تملكه من أشياء خاصة. وبعد 4 أيام نقلوها للرقة عاصمة التنظيم حينها، وهنا بدأت تشعر بالرعب من المجهول الذي تذهب إليه. حاولت العودة والهرب؛ لكن «كل من حولي حذروني، سيقولون إنك جاسوسة! ويقيمون عليك الحد».
كانت تلك العبارات كفيلة ببث الرعب بقلب جنيفير التي لم يكن يظهر لنا غير عينيها الغاضبتين، وهي تروي لنا تفاصيل قصتها. توضح: «قالوا لي إنني سأعمل في المجال الإغاثي براتب 70 دولاراً شهرياً، وكل ذلك مجرد وعود. هددوا بوضعي في مركز السبايا، وهنا استطعت التواصل مع صديقي الألماني، الذي لحقني لسوريا وانضم للتنظيم وتزوجني».
ومر عام ونصف، قضتها مع زوجها، وأنجبت طفلتها في منزل لا تعرف من كان يقطنه قبلها؛ لكن الصور المعلقة على جدرانه تقول إنها كانت عائلة سعيدة تعيش بأمان.
كل شيء في هذا المنزل شبه المدمر كان بدائياً، فقد تعلمت الطبخ على نيران الخشب المحترق، والاستحمام بأوانٍ بلاستيكية، والنوم على إسفنج مهترئ، وتحويل ملابس قديمة لأخرى جديدة لطفلتها. بينما كان زوجها يقاتل مع التنظيم، ينتظران اللحظة المناسبة للهروب.
كانت لديها حياة طبيعية في ألمانيا، تعمل وتملك سيارة، تخرج من المنزل وقتما تشاء، كل ذلك اختصرته في منزل صغير لا تستطيع الخروج منه.
تقول: «كلما ذكرت ذلك لزوجي كان يجن جنونه؛ لأنها تعني العقاب لدى التنظيم». وهذا ما حصل، فقد تسرب الخبر للتنظيم، فقاموا بسجنها، ووصل لزوجها خبر يقول إنهم سيقيمون الحد عليها. وهنا قام زوجها بتهريبها من الرقة إلى مدينة الشدادي جنوب الحسكة، والتي تبعد نحو 200 كيلومتر عن الرقة.
مرت ستة شهور وهي تتنقل من منزل سوري لآخر مختبئة من «داعش». وفي (تشرين الأول) 2017، لملم «داعش» بقاياه وهرب من الرقة بعد سنوات من سيطرته عليها وإعلانها عاصمة لمناطقه، الخبر الذي جعل جنيفير تتنفس الصعداء.
توالت الأحداث، ولاحقت التنظيم الخسائر تلو الأخرى، بينما كانت جنيفير تبحث عن مأوى آمن لها، حتى وصلت لمخيم الهول الذي يضم نحو 3400 شخص من زوجات وأطفال «داعش». تقول: «ما يرعبني أنني محسوبة على التنظيم، ولا أحد يصدقني، ولا ألوم (قوات سوريا الديمقراطية) ولا غيرها إن لم يصدقوني… معهم كل الحق للخوف من التنظيم».
حياتها اليوم اختصرتها داخل خيمة مهترئة، تنام على الأرض، تتقاسم الطعام مع نساء «داعش»، كلهن متشابهات، بلباسهن الأسود، وعيونهن متربصة لخيط يوصلهن لبلادهن التي ترفض استقبالهن.
وعندما سئلت: هل كل النساء هنا في مثل وضعك؟ قالت: «أرفض الكلام عنهن. كل واحدة تعرف نفسها، وماذا اقترفت مع التنظيم، وماذا تخبئ».
الاكتئاب وصل بها إلى درجة تمنيها الانتحار. تقول: «لو كنت مع محاصري الباغوز قبل هروب التنظيم، لعرضت جسدي لرصاص القناص لأموت. لم أعد أحتمل هذا الوضع».
وفي (آذار)، وصل جنيفير خبر سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» على الباغوز، آخر معقل لتنظيم «داعش» شرق نهر الفرات بمحافظة دير الزور السورية، ولم تصلها أي معلومة عن مصير زوجها. تقول: «أنا مجرد امرأة أوروبية جاءت لسوريا». تتنهد وتختم: «أشتاق لحياتي السابقة!».