Beirut weather 8.21 ° C
تاريخ النشر July 14, 2016 04:20
A A A
شباب اليوم يروون ذكرياتهم عن تموز 2006
الكاتب: ساري موسى - السفير

تتعدّد القصص عن حرب تمّوز 2006 بعدد مَن عاشوها. جعلت الفترة بين 12 تموز و14 آب من العام 2006 لكلّ منّا حكايةً ليرويها مع الحرب التي عاشها جيلنا في مرحلة الطفولة. تختلف الحكايات وتتغيّر، لكنّها في النهاية تبقى قاسية ولا تخلو من الشعور بالظلم.
***

كانت ديما (18 عاماً) في سنّ الثامنة حين أخذها والدها مع أشقائها إلى بلدتهم الجنوبية كفرملكي لقضاء يوم عطلة في بيت جدهم. كان ذلك صباح يوم 12 تمّوز 2006 قبل ساعاتٍ قليلة على إعلان “حزب الله” أسر جنديين إسرائيليين.
عمّت الاحتفالات بالقرية، كما في باقي القرى الجنوبية، بعد انتشار الخبر. مفرقعات، توزيع الحلوى، رشّ الأرز، إطلاق الزغاريد. كان كلّ ذلك كافياً لجعل ديما تتمسّك بقرار البقاء مع عمّتها وجدتها في القرية، ليعود والدها مع إخوتها وحدهم إلى بيروت.
بقي الجو مبهجاً كما أرادت ديما لساعات قليلة فقط. إذ لم يستمرّ اللعب والمزاح والتنزّه في الضيعة سوى لفترة قصيرة قبل أن تبدأ إسرائيل عدوانها.
لم تكن ديما في حينها تفهم معنى الموت، ولا ما تفعله الحرب. تقول: “كنت أسمع صوت الانفجار، دون أن أفهم ما الذي يسبّبه”. لم تشعر الطفلة إلّا بالضجر من مجالسة عمّتها وجدّتها طوال الوقت، وتناول البندوة مع البرغل يومياً. تقول ممازحة: “من يومها وأنا أكره تناول البرغل مع البندورة. كما سئمت ارتداء الملابس نفسها. بدلت فستانيين فقط خلال 18 يوماً من الحرب”.
فوّتت عمة ديما الكثير من الفرص للذهاب إلى بيروت، فقد كانت تخاف أن تقصف السيارة التي ستقلهم. بقي الثلاثة في الضيعة إلى أن قرّر والد ديما دفع 500 ألف ليرة لسائق أجرة لينقل والدته وابنته الصغيرة وشقيقته إلى بيروت. تقول ديما: “كان مبلغاً ضخماً، في العادة ندفع خمسة آلاف ليرة فقط للشخص الواحد”. امتدت الرحلة من كفرملكي إلى بيروت لست ساعات بدل الساعة ونصف الساعة التي تأخذها في الأحوال العادية. إذ سلك السائق طرقات غير معتادة واضطرّ للتوقف مرات عديدة. تقول ديما: “بقيت جالسةً في حضن عمتها، أسمع جدتي وهي تقرأ القرآن، فيما أنظر إلى الدمار المحيط بنا من كلّ الجهات. وما إن وصلنا إلى بيروت حتى أخذنا والدي إلى عاليه، حيث استأجر بيتاً هناك”.
***

بعد 10 سنوات على حرب لبنان الثانية

وصلت لين (21 عاماً) مع عائلتها إلى لبنان في العاشر من تموز من العام 2006، أي قبل يومين من اندلاع الحرب.
كانت العائلة تنوي تمضية عطلة الصيف في لبنان والبقاء لثلاثة أشهر، لكنها لم تمض سوى ثلاثة أيام، يومين في قريتها الجنوبية العديسة واليوم الثالث، وهو يوم اندلاع الحرب ورجوعهم إلى بيروت. في طريق العودة كانت الجسور في المدن والقرى الجنوبية هدفاً للعدو. بدا الأمر كما في الأفلام الهوليوودية، كلّما عبرت السيارة جسراً يتمّ قصفه بعدها بدقائق قليلة. تقول لين: “شعرت كما لو أنّ الطائرات تطاردنا”.
وصلت العائلة في النهاية إلى بيت جدّتهم القريب من المطار. تقول لين: “قصف مدرج المطار، وبقي الدخان منتشراً لمدة ثلاثة أيام. تُوفّيت عمتي بسبب ذلك إذ كانت مصابة بالسرطان ولم تتمكّن من تحمّل هذا الكم من التلوث”. تضيف: “لم أخف الحرب أعلم أن هناك أبنية تقصف وأناس يُستشهدون. لكنّ أهلي لم يتحمّلوا الوضع مع أنّنا انتقلنا إلى جونيه. قرّرنا الذهاب إلى سوريا وهناك أقمنا بأحد الفنادق في دمشق، حيث بقينا عشرين يوماً”.
سافرت العائلة بعدها إلى بريطانيا عبر مطار دمشق، ومن ثم إلى كندا، وكان يسيراً عليهم لكونهم من حملة جواز السفر الكندي. كل ذلك كان على نفقتهم الخاصة لأنّ “السفارة الكندية لم تعمل بوتيرة مناسبة تلائم كمّ الناس الهاربين من الموت”، حسب قول لين.
***

خلال الحرب كان حسن (23 عاماً) يقضي يومه باللعب مع رفاقه في الشارع حيث يقع بيتهم في الشياح.
الشاب الذي كان في الثالثة عشرة من العمر وقتها هو الأكبر بين أخوته، لذا كان الذهاب إلى الدكان من مسؤوليته، وبسبب إقفال الغالبية الساحقة من المحال في المنطقة كان يضطرّ للذهاب إلى عين الرمانة المحاذية للشياح. يقول: “أذهب لشراء الخبز واللبنة والمارتديلا والبطيخ من هناك، وأدفع ضعف المبلغ الذي تساويه أو أكثر. يبيعني صاحب الدكان ربطة الخبر بأربعة آلاف ليرة لذا كنت أحرص على جلب ما هو ضروري فقط”.
كان حسن يقضي يومه في اللعب مع من بقي من أطفال الحي الذي صار فارغاً، ليتحوّل الشارع بأكمله ملعباً لهم. يقول حسن: “إذا حدا مشغّل غنيّة بالحي الكل بيسمعها من شدّة الهدوء”. يضيف: “كأنّ جميع مَن بقي في الشياح يعيشون في بيت واحد”.
في أوقاتٍ أخرى كان الأطفال يجتمعون في منزل أحد أصدقائهم الذي يملك مولّداً لمشاهدة التلفاز. يحكي حسن: “اجتمعنا في ذلك اليوم عند حسين، لكن المولّد يومها توقف عن العمل بسبب نفاد الوقود. شعرت حينها بخيبة الأمل، وبدا أنّ كل شيء موجود ليخذلنا. لكنّنا لم نستسلم، وذهبنا إلى محطة غادرها صاحبها، وقمنا بسحب الوقود منها بمساعدة شبّان الحيّ. غمرتْنا الفرحة يومها”.
بقي الوضع على حاله لوقتٍ طويل. لم يكن يكترث حسن بالحرب، يتجوّل، يلعب، يذهب إلى الدكان. لكن، وفي الأسبوع الرابع من العدوان، قصف الطيران الإسرائيلي شارع الحجاج القريب من بيتهم بالصواريخ. رأى حسن أثناء عودته من الدكان مع ربطة خبز حجارة الأبنية تتطاير، أشبه بالزوبعة في الرسوم المتحرّكة، حسب تعبيره. ما إن وصل إلى بيتهم حتّى وجد أهله في انتظاره مع أمتعتهم. اضطر العائلة للاستسلام لقرار مغادرة الضاحية الجنوبية إلى منزل أقارب لهم في منطقة سليم سلام.

***

شباب اليوم يروون ذكرياتهم عن تموز 2006

عائلة مهجّرة في حديقة الصنائع اتّخذت من الفان مسكناً لها (أرشيف السفير)