Beirut weather 16.25 ° C
تاريخ النشر July 14, 2016 04:00
A A A
أغنياء يهود إلى «أرض الميعاد» واثرياء عرب إلى «وطن بديل»
الكاتب: عماد المرزوقي - الراي

رأس المال «جبان»، يبحث عن الأمان وبيئة اقتصادية مشجعة وأفق مفتوح. ويبدو ان انعدام الأمن وتدهور البيئة الاقتصادية في دول كثيرة خصوصاً في العالم العربي، وفي أوروبا بدرجة أقل، أكثر المناطق تضرراً بالعمليات الارهابية وخطر تنظيم «داعش»، دفعت لهجرة رؤوس الأموال والأثرياء منهما… هجرة الأغنياء حول العالم كانت لمصلحة اسرائيل مقابل زيادة خسارة الدول العربية للعديد من أثريائها. فآلاف اليهود من اصحاب الملايين حول العالم تركوا الدول التي يعيشون فيها من أجل تلبية نداء «أرض الميعاد»، فيما الآلاف من الاثرياء العرب يبحثون عن الآمان في «وطن بديل».

فهل ولاء اليهود للدولة العبرية اكبر من ولاء العرب لأوطانهم؟ وهل أن المشكلة لا تكمن فقط في الأشخاص ام في أنظمة عربية طاردة للأغنياء والفقراء على حد سواء؟

فقد كشفت دراسة لمؤسسة «نيو وورلد ويلث» أو «العالم الجديد للثروة» لهجرة اصحاب الملايين العام 2015 ونشرت في آذار 2016، المفاجأة التي قد تربك العرب، حيث حلت الدولة العبرية في المركز الرابع لأكثر الوجهات المستقطبة لتدفقات اصحاب الملايين وأصبحت وجهة مزدهرة للباحثين عن الثروة باعتبارها مركزاً تكنولوجيا جاذباً ليهود أوروبا، ولا سيما من فرنسا.

480 ألف مليونير في الشرق الأوسط يملكون ثروات تقدر بـ 2.5 تريليون دولار

فقد ترك أكثر من 2500 مليونير يهودي فرنسا في 2015 إلى اسرائيل. ورجحت مصادر اسرائيلية ان الهجمات الارهابية وتصاعد عمليات «داعش» في أوروبا كان الدافع الرئيسي لهجرة الأثرياء وعلى رأسهم اليهود. ومنذ 2007 خسرت فرنسا نحو 7000 مليونير. وحسب «تايمز أوف اسرائيل» تعتبر «هجرة المليونيرية الفرنسيين من اصل يهودي الى اسرائيل غير مستغربة خصوصا ان العديد من الباريسيين اليهود الذين يقدر عددهم نحو 350 ألف يتطلعون لترك باريس».

وحسب المصدر نفسه، فقد مثل النزوح الجماعي لليهود مع أموالهم خبراً ساراً لإسرائيل على حساب فرنسا. وبرر المهاجرون رحيلهم بتفاقم الركود المالي وارتفاع الضرائب، مع العنف المعادي للسامية. ولم تكن فرنسا الوحيدة التي خسرت مئات الأثرياء لمصلحة اسرائيل، حيث كشف التقرير الجديد عن الثروة العالمية أن 4000 من أصحاب الملايين من انحاء العالم انتقلوا الى اسرائيل العام الماضي، وكان ذلك سبباً في تزايد عدد أصحاب الملايين بنسبة 6 في المئة ليصل عددهم إلى نحو 72 ألفا.

وفي حين ذكرت تقديرات «بنك كريدي سويس»، ان هناك نحو 90 الف مليونير في إسرائيل في 2015، أكدت ان نحو نصف الأثرياء الجدد استقروا في تل أبيب.

وفي هذا الاطار، يقول المحلل السياسي المرشح السابق لمجلس الأمة الكويتي عبد الواحد خلفان في تصريح لـ«الراي»، ان «المستثمر العربي والخليجي لا يثق كثيرا ببيئة الاستثمار في الدول العربية». حتى ان بيئات اقتصاديات عربية وخليجية، صنفتها وكالات التصنيف العالمية، حسب خلفان، بـ «نظرة سلبية». وأضاف أن «المنظمات الدولية تنظر الى مستقبل المنطقة نظرة سلبية في ظل عدم الاستقرار السياسي والصراعات الأهلية والحروب الطاحنة… هناك الكثير من التجار الخليجيين استثمروا في الوطن العربي وتكبدوا خسائر لعدم استقرار الأوضاع السياسية». ورجح خلفان ان «90 في المئة من الاستثمارات العربية اصابها الفشل والانكسار».

وأوضح خلفان أن «القاعدة الاقتصادية مهزوزة في الدول العربية في ظل مجتمعات غير انتاجية وتعليم هش وجامعات تجارية»، مضيفا ان «المحيط العربي الكبير يعج بانماط اقتصادية هشة غير تنافسية تحكمها قوانين قديمة وغير حديثة وغير متوائمة مع القوانين العالمية للأسواق الحرة، كما ان قوانين حماية المستثمر المحلي او الأجنبي، لا تزال محدودة ولا تستجيب لمعايير الاقتصادات العالمية والقانون الدولي».

وأرجع خلفان «عدم تطور البيئة الاقتصادية نظراً لمحدودية العدالة الاقتصادية بسبب تعثر المسار الديموقراطي في الوطن العربي وعدم ترسخ دولة القانون والمؤسسة في ظل الهيمنة السلطوية. وكل هذه العوامل تخيف المستثمر العربي، ولا تجعله يراهن على المستقبل ويتجه الى استثمار امواله في بيئة الغرب الجاذبة حيث يجد قوانين تحميه ومستقبلا اقتصاديا واعدا واستقرارا سياسيا وقوانين واضحة مع ديموقراطية وموجدة ترسخ العدالة الاقتصادية».

من ناحيته، بيّن المحلل الاستراتيجي عايد المناع في تصريح لـ «الراي»، ان «رأس المال يبحث عن الاستقرار والبيئة المشجعة ويريد ان يتحرك بحرية وان تحكمه القوانين وليس المزاجيات الشخصية ولا التسلط التسلط التعسفي لنظام اداري أو سياسي». وألمح إلى أن «البيئة العربية غير مستقرة وغير آمنة للاستثمار، وهو ما دفع الكثير من الخليجيين خصوصاً، الى توجيه أموالهم واستثماراتهم الى حين يكون الاستقرار في وجهات غربية».

وأضاف المناع انه «في ظل الوضعية الفوضوية التي تشهدها دول عربية كثيرة، فحتماً ليس هناك من يغامر باستثمار أمواله في بلده»، لافتا الى ان اغلب استثمار الخليجيين في العالم الغربي «مرده إلى ان القانون هو الحاكم وليس مقدار الولاء للنظام». وأوضح أن «القوانين في الدول العربية لا تملك صفة تطبيقية او لديها استمرارية بعكس قوانين العالم المتقدم التي تحمي حقوق الآخرين». لكن في دول عربية يؤكد المناع «يمكن أن تلغى كل القوانين في لحظة».

لماذا يهجر الأثرياء العرب بلدانهم بينما يتوجه اليهود الأغنياء إلى إسرائيل؟

وفي مقابل عدم تطور البيئة الاقتصادية الحاضنة، وفي ظل دولة المؤسسات المزاجية في معظم أنحاء الوطن العربي، استطاعت اسرائيل، ان تخالف مسار دول الشرق الأوسط، وان تصبح دولة جاذبة للاستثمارات».

ويؤكد المناع انه «سابقاً كان اليهود يتخوفون من البقاء في اسرائيل بسبب هاجس تحرير فلسطين، ولكن بعد غرق الوطن العربي في فوضى الحروب والصراعات الدموية، فان اليهود والاسرائيليين باتوا يشعرون اكثر من اي وقت مضى بالأمان في الدولة العبرية، اكثر من دول اخرى خصوصا في أوروبا، التي باتت تنتشر فيها ظاهرة الاسلامفوبيا».

ويستبعد المناع، من ناحية اخرى، حرباً عربية – اسرائيلية «بعد دخول الوطن العربي برمته في مواجهة مع الاسلاماوية التي شجعت نمو الحركات المتطرفة التي لا تعترف بالقوانين ولا بالدساتير وتعتبر حتى نسبة الفائدة من الربح، حرام. وهذه الفوضى التي تشهدها بعض الدول العربية على عكس الاستقرار في اسرائيل، يدخل المستثمرين في متاهة تجعل الكثيرين يأتمنون على اموالهم في ديار الغرب وليس في ديارهم. وعلى عكس الدول العربية تكاد اسرائيل ان تكون الدولة الوحيدة في الشرق تحكمها ديموقراطية كاملة وقوانين حديثة. وهو ما جعلها كأهم وجهة هجرة للاثرياء».

أغنياء يهود إلى «أرض الميعاد» واثرياء عرب إلى «وطن بديل»

وقد بينت معلومات عرضها التقرير العالمي الجديد لهجرة الثروات وصحف اسرائيلية، أن إجمالي القادمين الى الدولة العبرية ارتفع سنويا بمعدل 10 في المئة، من دول أوروبية وروسيا. فقد خسرت الدولة الروسية العام الماضي، نحو 6600 ثرياً، بينهم عدد من اليهود مقابل 4900 في العام الذي سبقه، وسط الأزمة المالية التي خفضت إلى النصف قيمة الروبل مقابل الدولار في عام واحد فقط، ناهيك عن قلق متزايد ازاء سياسات الرئيس فلاديمير بوتين. كما ارتفع عدد الوافدين الجدد الى اسرائيل من اصول اوكرانية، إلى نحو 7 الاف.

وحسب الدراسة، فان لندن، التي طالما اعتبرت ملاذاً آمناً للأثرياء، خسرت نحو 500 ثرياً العام 2015، فيما خسرت روما 5000 وأثينا 2000، وسط الظروف الاقتصادية السيئة والأوضاع المالية المحفوفة بالمخاطر في بلدانهم.

وفيما تهلل الصحافة الاسرائيلية باستقبال اليهود الأغنياء، تؤكد تقارير زيادة ظاهرة نزوح الأموال والأثرياء من دول عربية من دون تحديد احصاءات دقيقة. فوفق دراسة لموقع «أميركان رونيسانس»، فان النسبة الأكبر من «رؤوس الأموال الهاربة»، هي من آسيا والشرق الأوسط، وخصوصا الدول العربية، نحو وجهات جديدة.

وحسب موقع تصنيف الثروات العالمي «نيو ورلد ويلث»، فان هناك نحو 480 ألف ثري في الشرق الأوسط، يملكون ثروات تقدر بـ 2.5 تريليون دولار. وهناك اكثر من 300 مليار دولار قيمة اموال وضعها الأثرياء في شركات أجنبية لإدارة الثروات. وافاد تقرير سابق لوكالة «رويترز»، بإن هناك «موجة هجرة جديدة لأثرياء من الشرق الأوسط إلى السوق العقارية النشطة في لندن على سبيل المثال، بسبب الاضطرابات السياسية والمالية».

وبسبب الحروب في سورية واليمن وليبيا، تراجعت جراء نزوح أصحاب المال العرب والأجانب معدلات الاستثمار في الدول العربية. وكشف تقرير اقتصادي حديث عن تراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الدول العربية بنسبة 8 في المئة، أي إلى 44 مليار دولار عام 2014، مقارنة بالعام 2013، لتمثل ما نسبته 3.6 في المئة من الإجمالي العالمي البالغ 1.23 تريليون دولار، و6.4 في المئة من إجمالي الدول النامية البالغ 681 مليار دولار.

وكانت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات (ضمان)، رجحت أن حركة رؤوس الأموال والاستثمارات في المنطقة العربية ستتأثر سلباً حيث تراجع صافي الحساب الرأسمالي لموازين مدفوعات الدول العربية من 4387 مليار دولار في 2013 إلى 1632 مليار دولار في 2014 مع توقعات باستمرار تراجع الاستثمارات الإجمالية الحكومية والخاصة المحلية والأجنبية في المنطقة إلى 558 مليار دولار في 2016.

وعلى الرغم من ذلك توقعت المؤسسة في تقريرها هذا العام ان يرتفع الناتج العربي إلى أكثر من 2.5 تريليون دولار. واذا أضفنا قيمة ثروات الأفراد في الشرق الأوسط لوحده المقدر بنحو 2.5 تريليون دولار، فيصبح هناك نحو 5 تريليونات دولار قيمة ثروات الأفراد والدول في العالم العربي وخصوصا في الشرق الأوسط. ويقدر حجم الأصول المدارة إسلامياً بـ 4 تريليونات دولار بحلول عام 2020. وفي مقابل هذه التريليونات تستمر معدلات الفقر والبطالة مرتفعة. وقد أشار تقرير البنك الدولي إلى أن هناك 11 مليون شخص في العالم العربي يعيش الواحد منهم على أقل من دولار يومياً.

وحسب تقرير لمركز كارنيغي للسلام، فقد زاد ارتباط المستثمرين العرب بالمؤسسات والأسواق الأجنبية هرباً من ارتفاع نسبة المخاطرة في الأسواق العربية،نظراً لعدم الاستقرار السياسي والأمني وازديادة معدلات خطر الارهاب. وفي حين يزيد نقص الاستثمار وتراجع التنمية يزيد من لهيب عدم الاستقرار، بشر البعض بـ«انتفاضة الجياع العرب».