Beirut weather 31.53 ° C
تاريخ النشر February 18, 2019 06:21
A A A
حلف شمال الاطلسي “الناتو” والاتحاد الاوروبي … مَنّ يَتَفَكَّك قبل الآخر؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

بعد انسحاب روسيا والولايات المتحدة الاميركية من معاهدة خفض الصواريخ، وبعد إطلاق صفارة البداية لعودة سباق التسلح، وحيث ظهر واضحا الخوف الاوروبي من تداعيات العودة الى هذا السباق الخطر والى الحرب الباردة، خاصة وان معاهدة خفض الصواريخ التي (إنتهت مبدئياً)، كانت لحماية اوروبا، لانها تتعلق بالصواريخ بين 500 و 5500 كلم ، اي عمليا من اوروبا وعلى اوروبا ، تداعى الاتحاد الاوروبي الى مؤتمر الامن في ميونخ لبحث الاجراءآت الكفيلة للحماية ولإبعاد الخطر عنه.
الاهم في نتائج المؤتمر يتمحور حول نقطتين فقط والتي اثارها الرئيس الاميركي دونالد ترامب عبر نائبه مايك بنس وهي : الاولى انه على الاوروبيين او عمليا على اعضاء الناتو من الدول الاوروبية الدفع وزيادة نسبة تمويلهم في موازنة حلف شمال الاطلسي، والنقطة الثانية والتي هي الاكثر صراحة وقساوة عليهم، بان عليهم السير بركاب واشنطن والانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران والانخراط بمناورة مواجهتها ومعاقبتها اقتصاديا.
بالنسبة للتمويل، صحيح ان الاميركيين يدفعون اكثر نسبة في موازنة الناتو ( حلف شمال الاطلسي ) والتي هي عمليا بحدود 3،5 % من موازنة الدولة للانفاق العسكري، مقابل 2% تدفعها كل دولة عضو في الحلف من الاوروبيين، وحيث أن الولايات المتحدة الاميركية قد زادت موازنتها العسكرية مؤخرا على عكس الدول الاوروبية، من هنا ظهر هذا الفارق في الالتزام المالي بين الاميركين والاعضاء الاوروبيين، والذي دفع بالرئيس ترامب لاثارته والتصويب عليه.
صحيح ايضا ان فكرة حلف الناتو ( تأسس عام 1949 ) كانت بالاساس لحماية اوروبا، بناء على معاهدة شمال الأطلسي التي وقِّعت في واشنطن في العام نفسه حيث كان دور الحلف في فترة التأسيس تولي مهمة الدفاع عن أوروبا الغربية ضد الاتحاد السوفياتي والدول المشكلة لحلف وارسو آنذاك في سياق الحرب الباردة، وهذا يدخل ظاهريا ضمن تصويب الرئيس الاميركي في طلبه من الاوروبيين المساهمة اكثر في حماية انفسهم …
و صحيح ايضا ان الاوروبيين لم يجاروا الرئيس ترامب في انسحابه من الاتفاق النووي مع ايران، لا بل ساعدوا الاخيرة على مواجهة العقوبات وتابعوا استيراد نفطها، وعندما فرض الاميركيون قيوداً مالية على تحويلات الدولار والتبادل مع ايران، لجأت بعض الدول الاوروبية الى آلية مالية خاصة مشتركة مع طهران لتجاوز القيود الاميركية، وهذا ايضا ممكن ان يكون مبرراً لهجمة الرئيس ترامب على الاتحاد الاوروبي وسبباً رئيساً لإستيائه منه…
وايضا، اذا كانت تركيا والتي هي عمليا الدولة الثانية في الناتو عسكريا، تعيد تموضعها حاليا نحو الحضن الروسي، كما انها تعارض واشنطن تقريبا في اغلب ملفات المناورة الاميركية في الشرق او بمواجهة روسيا، بالاضافة الى انها ( انقرة ) تطور علاقاتها مع موسكو بشكل واسع في كافة المجالات، وايضا تتفاوض للحصول على صواريخ اس 400 الروسية المضادة للطائرات والصواريخ، في الوقت الذي تم تصنيع وتطوير تلك الصواريخ الروسية بالاساس لمواجهة اغلب طائرات الناتو وصواريخه …
كل ذلك في الظاهر وتبعا للمعطيات المذكورة، يدفع ترامب لاتخاذ موقف قاسٍ او متشدد من الاتحاد الاوروبي ومن تركيا ومن الاعضاء الاوروبيين في الناتو، ولكن في الحقيقة، يوجد الكثير من المعطيات التي لا تبرر للرئيس الاميركي هذا الموقف المتشدد من الاوروبيين وهي :
ان الناتو خلقته الولايات المتحدة اساسا لمواجهة الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة ولزرع التوتر الاقتصادي والسياسي والامني والعسكري في اوروبا، و دول الاخيرة بالاساس لم تكن في صدد مواجهة الاتحاد السوفياتي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل من خلق هذه المواجهة والعداء هم الاميركيون لاسباب تتعلق باستراتيجيتهم للتوسع وزرع نقاط ارتكاز ونشر قواعد عسكرية وجوية، وهنا الفكرة الرئيسة التي يجب على الجميع العمل من ضمنها :
اولاً : لناحية تمويل الناتو، حتى لو كان باساسه وبأغلبه اميركي المصدر فهذا خدمة لاستراتيجية الاميركيين وقرارهم، وربما اوروبا ودولها لو خُيَّرت لما واجهت الاتحاد السوفياتي او روسيا اليوم .
ثانيا : لقد رأى الاوروبيون ان مصلحتهم الاقتصادية والاستراتيجية هي في عدم الانسحاب من الاتفاق النووي وفي عدم نقض تعهداتهم مع ايران ومع المجتمع الدولي، كما انهم رأوا من غير المناسب ان يظهروا في موقع التابع للولايات المتحدة الاميركية، حيث ان الاخيرة لم تكن تحميهم اقتصاديا، وما اتخذته ادارة ترامب مؤخرا لناحية رفع الرسوم الجمركية على البضائع الاوروبية، في مخالفة واضحة وتجاوز لمعاهدات التجارة العالمية، الثنائية او الواسعة، كان ذلك بمثابة اطلاق رصاصة الرحمة على الاقتصاد الاوروبي.
من هنا، يأتي الطلب الاميركي اليوم لناحية التمويل للناتو ولناحية الانسحاب من الاتفاق مع ايران، ويأتي الضغط الاميركي الحساس في الانسحاب من معاهدة خفض الصواريخ ودفع الساحة الدولية والاوروبية خاصة الى سباق تسلح خطير ومحموم …
فهل يستطيع الاوروبيون اليوم الوقوف بموقف الدول القوية بعد ان يتَّحِدوا بوجه الولايات المتحدة الاميركية، معلنين انسحابهم من الناتو ومن التزاماته المكلفة، وعمليا تفكيكه والغاء الاشتباك التاريخي مع روسيا والخروج نهائيا من حضن الولايات المتحدة الاميركية، ام ان الاخيرة وكعادتها، ستناور من خلال اغراء البعض وتخويف البعض الآخر وزرع الشقاق بين تلك الدول، فيكون الثمن تفكيك الاتحاد الاوروبي وشرذمة دوله، والذي هو عمليا يتوقف على المانيا كقوة اقتصادية وفرنسا كقوة إدارية وديبلوماسية؟

(Visited 119 times, 1 visits today)