Beirut weather 20.76 ° C
تاريخ النشر February 11, 2019 05:26
A A A
قصة إحراق مواطن نفسه هكذا تتوزَّع المسؤوليات
الكاتب: الهام سعيد فريحه - الأنوار

الواقعة التي تُدمي القلب:
جورج زريق له ولدان، لم يعد يقوى على دفع قسط المدرسة لابنته سيلين، إبنة الثمانية أعوام، طلب من إدارة المدرسة إفادة مدرسية تتيح له نقل ابنته إلى مدرسة أخرى، رفضت الإدارة إعطاءه الإفادة قبل أن يسدد القسط، ويُقال إنه خمسمئة ألف ليرة، كرر المحاولة أكثر من مرة لكن محاولته باءت بالفشل فقرر ان يُحرق نفسه أمام مدخل المدرسة، وهكذا كان، والنتيجة: سيلين، مع شقيقها الأكبر منها، أصبحا من دون أب، الأم تعجز عن توفير الحياة لهما، وهي أصلًا كانت تعمل في المدرسة لكنها توقفت عن العمل، ويُقال إنها باعت خاتم الزواج لتستطيع توفير أحد الأقساط للإبن الأكبر.
هذه قصة حقيقية حصلت في لبنان، ولو خرجت إلى العلن كل الحالات المشابهة لكان بالإمكان إحصاء عشرات الآلاف من العائلات اللبنانية التي تعيش واقع عائلة جورج زريق.
وبعيدًا من العواطف، تُطرَح الأسئلة التالية:
مَن يتحمل المسؤولية عما جرى؟
ما هو دور الدولة؟
هل المشكلة في الواقع المعيشي الراهن أم في النظام التربوي القائم؟
لماذا يبتعد الأهل عن المدارس الرسمية إذا كانت هي الحل لأصحاب الدخل المحدود الذين لا تكفيهم رواتبهم لكل مصاريف الحياة؟
المسؤولية ليست على طرف، بل تتوزع على الأطراف الآنفي الذِكر.
بالدرجة الاولى تقع المسؤولية على السلطة القائمة فهي السلطة التي تدير البلد ويدفع لها المواطن الضريبة، وهي التي تضع القوانين وتسهر على تطبيقها، وأي كلام آخر هو كلام “خارج عن الموضوع”.
السلطة هي التي تضع التشريعات حتى للمدارس الخاصة، وهي التي تُشرف على الأقساط، وهي التي توافق على البرامج والمناهج المدرسية، وهي التي تحاسب المدارس.
في موضوع الأقساط، حصلت الأمور التالية:
تمَّ إقرار سلسلة الرتب والرواتب، أي زيادة الرواتب، هذه الزيادة هي للقطاع العام لكنها لحقت أيضًا بأساتذة القطاع الخاص، ومنهم اساتذة المدرسة التي تتعلَّم فيها ابنة جورج زريق.
زيادة الرواتب للاساتذة دفعت المدارس الخاصة الى زيادة الأقساط لتأمين زيادة الرواتب، معظم الاهل لا يعملون في القطاع العام الذي لحقته الزيادة، بل في القطاع الخاص حيث لا زيادة، فمن أين يؤمنون أموالًا إضافية لدفع الإضافات؟ ألم تتنبَّه السلطة لهذه المعضلة قبل ان تُقر الزيادة أي سلسلة الرتب والرواتب؟
للتاريخ، فإن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كان جمَّد أكثر من مرة توقيعه على القانون مطالبًا بالمزيد من التوضيحات، وكانت التوضيحات تأتيه مطمئنة لجهة تمويل السلسلة ولجهة إيجابيتها في تحريك العجلة الاقتصادية. مَن أعطى التطمينات هو الذي يتحمّل المسؤولية، ولكن مَن يحاسِب؟
والمسؤولية تقع أيضًا على النظام التربوي، هناك الكثير من موظفي القطاع العام ومن الأَسلاك الرسمية يقبضون قيمة أقساط ابنائهم من خزينة الدولة. تدفع خزينة الدولة اقساطًا لابناء الموظفين أكثر من نصف مليار دولار في السنة، لماذا لا يُصرَف هذا المبلغ لتحسين مستوى المدرسة الرسمية ويُصار إلى توجيه الموظفين لتعليم أبنائهم في المدارس الرسمية؟ ومَن يريد تعليمهم في المدارس الخاصة فليدفع هو الأقساط وليس خزينة الدولة.
هذه هي المعضِلة: القطاع العام يستنزف خزينة الدولة من زيادات واقساط، ومعظمه غير منتج.
والقطاع الخاص تستنزفه الدولة ولا يستطيع إعطاء زيادات.
هل تريد الطبقة الحاكمة والسلطة التنفيذية ان ترى الحقيقة أو ان تتغاضى عنها؟
إذا لم تكن تريد ان تراها، فستتكرر قصة جورج زريق ولو بأشكال مختلفة.