Beirut weather 21.33 ° C
تاريخ النشر February 4, 2019 07:04
A A A
ما الاهداف الحقيقية لانسحاب الاميركيين من معاهدة الحد من الصواريخ؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

لم يتأخر الروس كثيرا للرد على تعليق الاميركيين مشاركتهم في معاهدة الحد من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، وحيث كان الاعلان الاميركي قد ترك فرصة ستة اشهر إضافية لتأكيد انسحابهم، وكأنها مهلة ثانية للروس غير الاولى التي سبقت القرار، تجاوزها الروس ولم يبالوا بها معلنين فورا وعلى لسان الرئيس بوتين شخصيا، انسحابهم من المعاهدة كمعاملة بالمثل، مع موافقته الفورية على اقتراح وزير الدفاع شويغو بالبدء بتطوير وانتاج صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وبالتحديد تسريع انتاج وتطوير صاروخ كاليبر فرط صوتي متوسط المدى، يُطلق من منصات ارضية ثابتة.
هذه المواصفات التي يتميز بها الصاروخ كاليبر الروسي، يمكن ان تُعتبر بحد ذاتها، بديلا لرزمة حساسة وفعالة من القدرات التي تؤثر على أمن اغلب الدول الاوروبية وخاصة دول الناتو، حيث ان مبدأ الصاروخ الفرط صوتي يعني انطلاقه بسرعة هائلة تتجاوز سرعة الصوت بخمس مرات ( 5 ماخ ) ، مع قدرة على تجاوز اغلب منظومات الدفاع الجوي الموجودة لدى حلف الناتو، والاهم في ذلك كله هو انطلاقه من منصات ارضية ثابتة، وهذه الميزة كانت الاخطر في مباحثات اغلب المعاهدات المتعلقة بالاسلحة خلال الحرب الباردة، والسبب العسكري العلمي ان ذلك يمنح لمالك هذه المنصات الثابتة قدرة ضخمة على نشرالمئات منها وتمويهها وتخبئتها على البر، على عكس المنصات العائمة في البحار والتي يمكن مراقبتها والدفاع ضدها بسهولة.
هذا لناحية نموذج بسيط من قدرات أكبر سوف تطورها روسيا، فكم بالحري عن النماذج التي ستطورها الولايات المتحدة الاميركية والتي تقول معلومات وزارة الدفاع الروسية عنها حسب موقع سبوتنيك الروسي العربي : ” بدأت واشنطن تصنيع صواريخ متوسطة وقصيرة المدى المحظورة منذ سنتين قبل اتهام روسيا بخرق المعاهدة، ولدينا معلومات ( حسب وزارة الدفاع الروسية ) ان هناك برنامجا لتوسيع وتحديث الصناعات العسكرية الأمريكية في مدينة توسان بولاية أريزونا انطلق من حزيران عام2017 ،وذلك بهدف إنتاج صواريخ متوسطة وقصيرة المدى تحظرها المعاهدة المذكورة “.
كما يبدو من مسار هذا الملف، ان الروس والاميركيين يفهمان مخططات بعضهما البعض لناحية التسلح وتطوير القدرات الاستراتيجية، وحيث كان ينتظر الاميركيون ردة الفعل الروسية حكماً، لان موسكو وبقيادة بوتين طبعا، لن تفسح المجال لان تتأخر دقيقة واحدة في هذا السباق الحساس، والذي تعتبره حاجة ملحة وجد ضرورية لامنها القومي والاستراتيجي، فلماذا ذهب الاميركيون نحو الانسحاب من هذه المعاهدة التي كانت بالنسبة للطرفين ضمانة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها ؟ في الوقت الذي كانت تستطيع واشنطن عبر الخداع، متابعة نشاطاتها في تطوير القدرات المحظورة دون الانسحاب العلني، واطلاق العنان المشروع او المُبَرَّر للروس، للمضي بسرعة وعلناً نحو التطوير الاخطر لقدراتهم ؟ وهل يمكن القول ان للاميركيين اهدافا بعيدة من وراء ذلك ؟.
في متابعة لمسار الاشتباك الديبلوماسي والاستراتيجي بين روسيا ودول الناتو بشكل عام، او بين الروس والاميركيين بشكل خاص، والمتعلق بالاشتباك بالتحديد حول نشر الاميركيين منصات الدرع الصاروخي في دول اوروبا الشرقية وخاصة في بولونيا ورومانيا، بشكل مخالف للاتفاقيات السابقة التي كانت تقيِّد نشر هذه المنصات في امكنة قريبة من الحدود الغربية لروسيا، حيث تصبح مؤثرة وفاعلة وخطيرة على امن الاخيرة …
وفي متابعة ايضا لمسار الاشتباك بين الروس والاميركيين، والمتعلق بموضوع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وامتلاكها من خلال ذلك نقطة ارتكاز متقدمة وخطيرة على تخوم دول اوروبا الشرقية التابعة للناتو، بشكل تسمح لها بتجاوز ما قيَّدته معاهدة الصواريخ المذكورة، اي تصبح موسكو مؤثرة على تلك الدول بصواريخ متوسطة غير محظورة تحت مدى ال1000 كلم …
وفي متابعة ايضا للاشتباك الديبلوماسي الذي اثاره الرئيس ترامب مؤخرا بينه وبين دول الناتو، حول طلبه من تلك الدول زيادة تمويلها لموازنة الحلف، حيث تدفع واشنطن الكثير لحمايتهم، مع تهديده بالانسحاب من الحلف او بوقف مشاركته بتمويل نشاطاته …
وايضا في متابعة للدور الذي لعبته اغلب دول الناتو ومنها المانيا وفرنسا، حول عدم مسايرتها للرئيس ترامب بموقفه ضد ايران بعد انسحابه من الاتفاق النووي، واثارته موضوع خطر الصواريخ الباليستية الايرانية، كمخالفة غير مباشرة للاتفاق من قبل طهران …
واضف على ذلك كله، الريبة الاميركية من الصواريخ الصينية القصيرة والمتوسطة المدى، والتي تطورها بكين بشكل متسارع، في الوقت الذي هي ( الصين ) ، غير منخرطة بمعاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى موضوع الخلاف الاميركي الروسي، و خطورة هذه الصواريخ ( بالنسبة للاميركيين ) على حلفاء واشنطن في شرق آسيا ( اليابان وكوريا الجنوبية والفليبين وماليزيا وغيرها )، بالاضافة لخطر هذه الصواريخ الصينية على القواعد الاميركية في تلك الدول المذكورة وفي المحيط الهادىء …
كل هذه الاسباب والمعطيات، تذهب بنا للتحليل ان الاميركيين يهدفون من وراء إنسحابهم من المعاهدة المذكورة الى ما يلي :

  • الضغط على الدول الاوروبية من خلال تأزيم الوضع نحو حرب باردة وسباق تسلح جديد، تكون فيه اوروبا في دائرة الخطر، فتهرع الى رفع نسبة تمويلها في موازنة الناتو اولا، وتعود اكثر الى الحضن الاميركي في اكثر من ملف، كانت ابتعدت فيه مؤخراً.
  • توسيع وتعديل معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى بحيث، تُدخِل بها كل من ايران والصين وربما دول اخرى، للتمويه واعطائها صفة الشمولية اكثر، وتقييد الدولتين ( الصين وايران ) بموضوع تصنيع وتطوير تلك الصواريخ ضمن معاهدة دولية مُلزِمة.
  • اخيرا ، سيكون الهدف الاميركي ايضا من ذلك، اعادة ضبط وتحديد قدرات روسيا، والتي كما يبدو لديها معلومات حساسة عن خطورة وفعالية تلك القدرات، من خلال الزام موسكو بمعاهدة اخرى او معدلة عن الاولى، والاهم من ذلك، إخراج الاخيرة ( روسيا ) من أحادية الالتزام امام واشنطن وسحبها من موقعها كطرف موازٍ لها، ووضعها كغيرها في خانة مجموعة من الدول الاخرى التي تماثلها تقريبا، في القدرات وفي الالتزام الدولي.
(Visited 169 times, 1 visits today)