Beirut weather 25.17 ° C
تاريخ النشر February 2, 2019 06:12
A A A
هل يصل مصرف لبنان إلى الحائط المسدود؟

ولدت الحكومة بعد مخاض تسعة أشهر. وقد تكون فقدت زخمها قبل ولادتها بعدما سئم الناس الحديث عنها، وباتوا غير مؤمنين بقدرتها على اجتراح عجائب تنتشلهم من أسوأ الأوضاع التي يعانونها.
المهم أكثر من الولادة هو القدرة على العمل. والبلد في هاوية اقتصاديّة، تصير مالية، إذا لم يعِ المسؤولون هول الكارثة التي نُقبل عليها بوتيرة سريعة. والخطير في الأمر أن مسار التدهور الذي بدأ خلال الحرب، واستمرّ بعد اتفاق الطائف، يواصل الخطى باطّراد في غياب أي رؤية أو خطّة إنقاذيّة، وما المؤتمرات الدوليّة لاستدرار بعض الدولارات إلّا محاولات “ترقيع” سلّة لا قعر لها. فما يجري منذ ربع قرن هو إخضاع السياسة النقديّة في لبنان للسياسة المالية وأهدافها، منذ الاعتداء على حاكم المصرف إدمون نعيم على يد “ميليشيا” وزارة الداخليّة لانه رفض تحويل المصرف أداة لتمويل عجز الدولة باستمرار.
لكن المؤسف أن الدولة حالياً لا تملك سياسة ماليّة، أي خططا للإصلاح وخفض العجز. تملك فقط مزايدات كلاميّة. ففي موازنة 2018 حُرم التوظيف. لكن الانتخابات النيابية “حشرت” نحو 5000 موظّف ومتعاقد في الإدارات. والمجالس الموازية للوزارات حافظت على وتيرة الإهدار نفسها. ولم يتحقّق شيء من محاربة الفساد وصولاً إلى إلغاء الوزارة بعدما حقّقت أهدافها السامية.
مراجعتي لكتاب الدكتور غسان العيّاش “وراء أسوار مصرف لبنان. نائب حاكم يتذكّر 1990 – 1993” زادت قلقي من “الفاجعة” وفق وصفه لأن عجز الدولة كان “مفهوماً” زمن الاقتتال الأهلي والتقسيم الفعلي، لكنّه استمرّ اليوم بعد ثلاثة عقود من انتهاء الحرب، بأبعاد وأحكام أكبر من السابق بما لا يُقاس”.
في قراءة العياش للظروف التي سبقت الانهيار المالي الكبير عام 1992، الآتي: “أوّل الأسباب هو عدم الثقة بالإدارة السياسيّة للبلاد، حيث القسم الأكبر من الحكومة ينتمي إلى القوى التي تقاتلت سنوات في الشارع ورفعها الدعم السوري إلى السلطة. كفاية هذه القوى في إدارة الدولة والسياسات العامّة موضع شكّ. السبب الثاني أن المالية العامّة لم تتحسّن عمّا كانت عليه خلال الحرب، وإن تحسّنت أرقامها بعض الشيء. فالدولة التي استعادت مصادر دخلها بقيت ترزح تحت عجز مالي كبير، واستمرّ الدين العام في صعوده، ولم يكن هناك أيّ أمل بإصلاح مالي يعيد التوازن المفقود إلى مالية الدولة.
وجاءت زيادة رواتب القطاع العام لتقضي على الأمل بتوازن الموازنة، ولكي تُعطي رسالة للأسواق بأن العجز سوف يتفاقم وأن التضخّم لا بُدّ أن يلتهم المداخيل والمدّخرات بالليرة اللبنانية”.
في العام 2019 لا تختلف الأمور كثيراً. فالثقة بالإدارة السياسيّة للبلاد تراجعت أكثر، والمالية العامة في انحدار والديون في ازدياد، وأعباء سلسلة الرتب والرواتب قضت على كل أمل بتوازن الموازنة، أضف إلى كل ذلك الفساد الذي زاد استشراء.
هل يعني ذلك أن الأمور متّجهة إلى كارثة؟ الأمر ليس حتمياً إذا تجرّأت الحكومة الجديدة بغطاء سياسي واسع على التصدّي لمسبّبات الانحدار السريع، لأن مصرف لبنان لن يبقى قادراً أبداً على تغطية العجز الذي لا سقف له، وستصل هندساته المالية إلى حائط مسدود، ولو بعد حين.