Beirut weather 8.44 ° C
تاريخ النشر July 12, 2016 03:52
A A A
منبج حقل ألغام مثلث الأضلاع: «داعش» والعشائر وتركيا
الكاتب: عبدالله سليمان علي - السفير

تتواصل فصول معركة منبج بين «قوات سوريا الديموقراطية» من جهة، وبين مقاتلي تنظيم «داعش» من جهة ثانية، وسط تغييرات سياسية، لم تتضح مآلاتها بعد، طرأت على مواقف بعض الدول المعنية، ووسط مخاوف من أن يفتح حسم معركة منبج الباب أمام احتمالات تشعب الصراع خصوصاً في ظل الغضب المكتوم للعديد من العشائر العربية إزاء الهيمنة الكردية، وكذلك في ظل ما يعنيه طي صفحة منبج من فتح صفحة ريف حلب الشمالي وعاصمته إعزاز حيث الحلقة الأخيرة التي لا يكتمل بدونها «الحلم الكردي» في إنشاء الفدرالية.

ومنذ افتتاحها معركة منبج قبل اثنين وأربعين يوماً، دخلت «قسد»، ومن ورائها حزب الاتحاد الديموقراطي»، في حقل ألغام مثلث الأضلاع. فمن جهة، هناك تنظيم «داعش» الذي قرر خوض المعركة حتى النهاية وبأقصى قوة ممكنة لديه، وهو ما منع حسم المعركة بسرعة وعرّض بالتالي قوات «قسد» لحرب استنزاف قد تطول أكثر مما كان متوقعاً. وهناك موقفُ العشائر العربية وبعض الأحزاب السياسية التي برغم رفضها لحكم «داعش» إلا أنها لا تقبل باستبداله بحكم «كردي». ويتمثل الضلع الثالث بالرفض الإقليمي لإقامة دويلة كردية تحت أي مسمى سواء الحكم الذاتي أو الفدرالية أو غيرها من المسميات؛ ولا يقلل من أهمية هذا الرفض أن يكون تمدد «قسد» وسيطرتها على ما يقارب ثلاثين ألف كيلومتر من الأراضي السورية قد حازا على غطاء دولي متمثل بالدعم الأميركي وغض الطرف الروسي.

ميدانياً، علمت «السفير» من مصدر تمكن من الخروج من منبج في الساعات الأخيرة، أن السمة العامة للمعارك الدائرة في المدينة هي الكر والفر، مشيراً إلى أن التقارير التي تحدثت عن تقدم قوات «قسد» في حي الحزاونة وباتجاه مستشفى الباسل ودوار السبع بحرات صحيحة، لكنه أشار إلى أن «قسد» اضطرت للانسحاب من نقاط عدة إثر هجوم معاكس قام به التنظيم ليلاً استعاد بموجبه نصف حي الحزاونة ونقاطاً أخرى، ما جعل نسبة سيطرة «قسد» أقل مما يجري تداوله إعلامياً. وتوقع المصدر الذي كانت «السفير» تتواصل معه على رقم هاتفه التركي قبل أن يخرج من المدينة، أن يطول أمد المعركة لأسابيع عدة، خصوصاً أنه يملك معلومات موثقة حول دخول صواريخ مضادة للدروع إلى مقاتلي التنظيم داخل المدينة عن طريق تهريبها عبر طرقات فرعية يتم عبورها سيراً على الأقدام. واشار إلى أن تدمير بعض عربات «قسد»، أمس الأول، لم يكن ممكناً لولا دخول هذه الصواريخ.

وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار حالة المراوحة في المكان باستثناء بعض التقدم لقوات «قسد» في نقاط غير حاسمة، ويبدو أن كلا الطرفين يسابق الوقت لإحراز تقدم كبير يكون له وقع الصدمة على خصمه. فتنظيم «داعش» يركز هجماته على الجهة الشمالية بهدف فك الحصار عن المدينة من محور الدادات وصولاً إلى جرابلس، وقد شن أمس هجوماً جديداً هو الثالث من نوعه، لكنه فشل فيه. بالمقابل فإن «قسد» تركز هجماتها على الجهتين الغربية والجنوبية في محاولة لاختراق تحصينات التنظيم والوصول إلى مركز المدينة لتحقيق نصر إعلامي يهز معنويات «داعش»، لكن التنظيم يتصدى لهذه الهجمات بشراسة.

وقد يكون المتغير الأهم الذي حصل على المشهد السياسي الإقليمي منذ انطلاق المعركة هو الانعطافة التركية تجاه الموقف من الأزمة السورية. وبالرغم من أن معالم هذه الانعطافة لم تتضح كلياً بعد، إلا أنه من المتوقع أن تؤدي على الأقل إلى تبريد الأجواء وعدم خروج أنقرة عن الإجماع الدولي حول الإطار الذي وضعته اجتماعات فيينا لحل الأزمة السورية. ومما لاشك فيه أن هذه الانعطافة ستترك تأثيرها على الملف الكردي، خاصة في ظل ما جرى تسريبه حول اجتماع سوري تركي، لم يؤكد رسميا، جرى في العاصمة الجزائر لتبادل وجهات النظر حول الملف الكردي في سوريا، والتباحث حول الإعلان الأخير عن نظام فدرالي شمال وشمال شرق سوريا، وذلك حتى قبل الانعطافة التركية بحوالي شهرين. ما يشي، في حال صحة التسريبات، أنها قد تتطور أكثر بعد تراجع الموقف التركي تجاه الحكم في دمشق.

وبالرغم من أن أنقرة لم تستطع التمسك بأيٍّ من الخطوط الحمراء التي وضعتها منذ بداية الأزمة السورية، وكانت تسارع إلى تجاوزها وإعادة رسمها وفق التطورات الميدانية والسياسية، حتى لم يعد لهذه الخطوط أي معنى في جوهرها السياسي، إلا أن ذلك لا يعني أن أنقرة ستكف عن محاولة عرقلة تحقيق الحلم الكردي بإقامة دويلة على حدودها الجنوبية. وقد بدأ بعض المعارضين السوريين في مجالس خاصة يبدون مخاوفهم من أن تضطر أنقرة في سبيل منع المشروع الكردي إلى «الانقلاب» على مصالحهم، في إشارة إلى التقارب مع العاصمة دمشق. وما يعزز هذه المخاوف إدراك المعارضين أن أنقرة، ومهما كانت الظروف، لن تُقدِم على خطوة التدخل العسكري لمنع الأكراد من الوصول إلى كانتون عفرين عبر عاصمة ريف حلب الشمالي، مدينة إعزاز، وذلك بسبب علاقاتها مع الحليف الأميركي الذي هو في الوقت نفسه الداعم الأكبر عسكرياً لتقدم «قسد» على الأرض.

ولا يخفى أن أنقرة أصبحت مؤخراً أكثر تفهماً لتوجهات التحالف الدولي ضد الإرهاب وأكثر قرباً من الأجندة التي يقوم بتنفيذها فوق الأراضي السورية والعراقية. وهو ما يجعل الخيارات التركية لعرقلة المشروع الكردي منحصرة بالطرق السياسية. ويبدو التنسيق مع دمشق وطهران أحد أهم هذه الطرق.

ولا تقتصر التحديات التي توجهها قوات «قسد» على التداعيات المحتملة للانعطافة التركية. إذ لا يخفى أنه وراء ضجيج المعارك الجارية في منبج ثمة قلق وغضب مكتومين لدى العديد من العشائر العربية إزاء الهيمنة الكردية التي بدأت تخرج حتى عن الحدود المفترضة لمشروع الفدرالية، وتضم إليه مدناً ومناطق لم تكن تعد جزءاً منه. وتساهم بعض التصرفات المنسوبة إلى «قسد» في تعزيز الرفض العشائري لمشروعها السياسي، وقد دفعت قصة اختطاف فتاة من قرية الجات بريف منبج واختفائها إلى وقوف واحدة من كبريات عشائر المدينة وهي عشيرة البوسلطان المعروفة بتشددها في القضايا التي تمس المرأة، ضد التقدم الكردي. وما زال مصير عشيرة العون التي هُجِّر أبناؤها من منازلهم في قره قوزاق والجعدة وعدم السماح لهم بالعودة، ماثلاً أمام عشائر منبج التي تتخوف من مصير مماثل في حال سيطرة «قسد» على المدينة. كذلك فإن إطلاق الرصاص على «سيمو» وهو شخص معاق جسدياً معروف لدى أبناء مدينة منبج، بعد أسره وتقديمه من قبل «قسد» على أنه أحد عناصر «داعش» ساهم في رفع درجة المخاوف من أن يوجِّه المهاجمون لأي شخص يعارض تواجدهم تهمة «الدعشنة» وما يستتبع ذلك من تشريع أي اعتداء عليه أو على أملاكه.

ومع ذلك، من المستبعد أن تلجأ العشائر بما فيها الأكثر رفضاً للأكراد إلى القوة لمواجهتهم. وقد يكون أحد أهم أسباب ذلك أن «الجيش الحر» ومن ثم «داعش» ساهما بالتناوب في إضعاف دور العشائر خلال سيطرتهما على المدينة، كما أن الأخير صادر معظم السلاح الذي كان بحوزتها، وهو ما ترك الأخيرة لقمة سائغة أمام أي قادم جديد. وقد نجح تنظيم «داعش» باستغلال مشاعر الخوف هذه لاستقطاب عشرات الشبان للقتال في صفوفه ضد «قسد»، من دون مبايعته. وأهم العشائر التي أعلنت موقفها ضد مشروع الانفصال من جهة وضد ممارسات «قسد» من جهة ثانية، خلال تضامنها مع البوسلطان في قضية الفتاة المختطفة هي: عشيرة العون، البوعيسة، الخراج، بني عصيد، بني سعيد، وتجمع التركمان في منبج. في المقابل، تعد عشيرة البوبنة من أكثر العشائر التي ترحب بدخول «قسد» إلى منبج كون فاروق الماشي أصبح من قيادات «قسد» بعد تحالفه معها، علماً أنه إبن عم ذياب الماشي الذي كان يعتبر أقدم عضو في مجلس الشعب قبل رحيله في العام 2009، لكن هذا الموقف لا يشمل كل العشيرة. كما أن بعض القوى السياسية المعارضة لا تمانع في دخول «قسد» إلى المدينة، ولكنها تشترط لذلك أن يتم التنسيق معها لتقاسم كعكة السلطة في المدينة.

في غضون ذلك، يبقى التحدي الأهم حالياً أمام «قسد» هو إتمام السيطرة على المدينة بأقل خسائر ممكنة في ظل المقاومة العنيفة التي يبديها تنظيم «داعش» مستخدماً كل التكتيكات التي تساعده في عرقلة تقدم المهاجمين بما فيها كثافة المفخخات أو تفخيخ منازل المدينة أو الاعتماد على شبكة من الأنفاق والخنادق لتجنب الطيران أو غير ذلك من التكتيكات العسكرية، لأن إطالة أمد المعركة سوف يكون لها تداعيات سلبية سواء بالنسبة لموقف العشائر التي لن تستطيع تحمل الحصار المفروض على المدينة طويلاً، أو بالنسبة للمواقف الإقليمية التي تتأرجح بين الفينة والأخرى، ومن غير الواضح أين يمكن أن ترسو.
***

52c06843-ca8d-401a-8395-7b503ad288f8

جنود اسرائيليون يتخذون مواقع في مرتفعات الجولان المحتلة كما يبدون من قرية بئر عجم السورية في محافظة القنيطرة أمس الأوّل (رويترز)