Beirut weather 15 ° C
تاريخ النشر January 19, 2019 09:13
A A A
الرجل الذي حدَّد جوهر الصحافة: “فهمتوني غلط”!
الكاتب: عربي بوست

قال الأكاديمي الذي كان أول من حدَّد معايير الصحافة وجوهر الصحافة الإخبارية، إنَّ وسائل الإعلام أساءت فهم عمله، وأصبحت شديدة السلبية والإثارة والتخاصمية. وأشار إلى الأخبار لو استمرت في عكس العالم بهذه الطريقة العدائية، فإنها سوف تُولِّد سلبيةً قصوى و»توتراً متزايداً بين المركز والأطراف عالمياً ومحلياً على حدٍّ سواء». وهو ما أكدته الدراسات الأكاديمية الحديثة التي خلصت إلى أنَّ الأخبار التشاؤمية تجعل المستمعين يشعرون بالعجز، ويكونون أقل احتمالاً للمشاركة في حل المشكلات العالمية. وأوضح يوهان غالتونغ، الأستاذ الجامعي النرويجي الذي كتب بحثاً علمياً رئيساً منذ أكثر من 50 عاماً مضت، أدرج فيه عدداً من العوامل، منها الصراع والآنية، بوصفها سمات مميزة للتقارير الإخبارية، إنَّ عمله كان المقصود من ورائه أنه يكون تحذيراً لا مرشداً. وأشارت صحيفة The Guardian البريطانية إلى أن دراسة غالتونغ أدرجت، عام 1965، معايير الصحافة التي يبدو أنها تُشكِّل أساس التقارير الإخبارية، واكتشفت أنه على الرغم من أهمية عاملي الأهمية والحداثة، فإنَّ الإثارة والصراع كانا مهمَّين بالقدر ذاته. ومنذ ذلك الحين ودراسة غالتونغ هذه يُنظَر إليها على أنها المعيار الذهبي للصحافة الإخبارية.
طريقة معالجة الأخبار تولِّد مزيداً من السلبية والتوتر
لكنَّ غالتونغ قال في مقابلة صحفية، إنَّ تعريفاته كانت تهدف إلى إظهار خطأ الأخبار. وشدَّد على أنَّ ورقته قالت إنَّ الأخبار لو استمرت في عكس العالم بهذه الطريقة العدائية، فإنها سوف تُولِّد سلبيةً قصوى و»توتراً متزايداً بين المركز والأطراف عالمياً ومحلياً على حدٍّ سواء». وقال غالتونغ من منزله في جنوبي إسبانيا: «هذا سوء فهم كامل. إنَّ عملنا منذ بداية الستينيات كان مقصوداً به أن يكون تحذيراً من عواقب الانتقائية التي تتعامل بها وسائل الإعلام الإخبارية مع العالم. لكنَّ صناعة الأخبار الغربية اعتقدت أنني كنت أصف الطريقة التي ينبغي أن تسير بها الأمور، لا وصف ما كان يجري». وقال غالتونغ، الذي ألقى خطاباً أمام مؤتمر الصحافة البناءة السنوي بجنيف في الـ18 من كانون الثاني 2019: «كنت أقول: ما تفعلونه غير مكتمل. أنتم تفوتون جزءاً رئيساً من صورة العالم». لكنَّه قال إنَّ المحررين والصحفيين، لا سيما في الولايات المتحدة، فسّروا عمله على أنه «المعيار الذي يقوم من خلاله جيلٌ بعد جيل بتقديم العالم بانتقائية إلى الجمهور من خلال الأخبار».
وتجعل المستمعين يشعرون بالعجز
وقد أدت السلبية الساحقة للأخبار، خلال السنوات الأخيرة، إلى جدل حول أثرها في النفسية العامة. واكتشفت الدراسات الأكاديمية الحديثة أنَّ الأخبار التشاؤمية تجعل المستمعين يشعرون بالعجز، ويكونون أقل احتمالاً للمشاركة في حل المشكلات العالمية. وأجرى معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أوكسفورد دراسةً عام 2017 عن تراجع أعداد المشاهدين العالميين لمصادر الأخبار التقليدية. وأظهرت هذه الدراسة أنَّ 48% من الناس الذين يغادرون وسائل الإعلام الإخبارية فعلوا ذلك، لأنَّ للأخبار أثراً سلبياً في حالتهم المزاجية. وقال 37% إنهم توقفوا عن استهلاك الأخبار، لأنهم لا يثقون بالمحتوى، في حين قال 27% إنهم توقفوا عن متابعة الأخبار، لأنه «لا شيء يمكننا فعله حيالها على كل حال». ونشرت شركة The Eldman Trust Barometer، المعنيَّة بإعداد الدراسات الاستقصائية، بحثاً عالمياً أواخر عام 2017، يُظهر أنَّ 53% من الناس عالمياً، في المتوسط، كانوا يشعرون بأنَّ النظام الذي يعيشون فيه كان فاشلاً. وعبَّر المُستطلِعون عن «شعورٍ بالظلم» و»انعدام الأمل»، و»انعدام الثقة» و»الرغبة في التغيير». ووصفت نسبة بين 56% و72% من السكان في بلدان مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة وإسبانيا والمملكة المتحدة وهولندا، انهيار ثقتهم بالمجتمع الديمقراطي.
وهو ما توقعه متخصصون قبل عقود سابقة
وقال هانز هنريك كنوب، الأستاذ المساعد بمعهد علم النفس في الدنمارك: «وسائل الإعلام الإخبارية الآن ملأى بقصص عن التعاسة. تتحكم السلبية في تدفق الأخبار، ومن ثم فإنها تتحكم أيضاً في السياسة والنقاش العام. ونتيجة ذلك هي اللامبالاة أو الخوف. ولا يقتصر الخطر على أنَّ الناس سوف يتجاهلون وسائل الإعلام بوصفها مصادر للأخبار، وإنما أنهم سوف ينسحبون من النقاش العام». وكان غالتونغ قد توقع هذا الأمر عام 1965، إذ نشر غالتونغ وزميلته ماري هولمبو روج مقالاً بعنوان «هيكل الأخبار الأجنبية» في شهر آذار ذلك العام، بمجلة أبحاث السلام. فحص الباحثان تغطية النزاعات الدولية في 4 صحف نرويجية، وأدرجا 12 معياراً بدت حاضرة من أجل اعتبار حدث ما جديراً بالنشر. وكان من بين أكثر هذه العوامل هيمنة «الإشارة إلى شيء سلبي». وحتى يومنا هذا تستشهد ويكيبيديا بمقال غالتونغ وروج، بوصفه أساس كيفية بناء الأخبار. وكما نص معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أوكسفورد عام 2013، فإن «أكثر الأعمال اقتباساً حول القيمة الإخبارية هو عمل غالتونغ وروج… فمعظم الأبحاث منذ الستينيات استخدمت بحث غالتونغ وروج بوصفه نقطة البدء». وتُدرَّس مكتشفات هذين الأكاديميين في المدراس وكليات الصحافة بجميع أنحاء العالم.
وهو ما قد يزيد من حدة الصراعات القائمة عوض البحث عن الحلول
واختتمت هذه الورقة الأكاديمية بتحذير من التبعات على المجتمع لو استمرت المنظمات الإخبارية في الترويج للمواجهة والتوتر والإثارة بدلاً من التعاون والحل والتعاطف. وجاء في الورقة البحثية: «إنَّ تبعات كل ذلك صورة للعالم لا تعطي الكثير من الاستقلال للأطراف، وإنما تراها بوصفها موجودة بالأساس من أجل المركز. سوف يجري التشديد على الصراع لا المصالحة». وقال غالتونغ: «وهذا هو ما حدث بالضبط. تعطي وسائل الإعلام الإخبارية صورة إجمالية منحازة للواقع. وكذا فقد أصبح إدراك الجمهور للواقع سلبياً للغاية». ولسنوات، كان غالتونغ، مؤسس دراسات السلام والصراع ورئيس معهد أبحاث السلام بجامعة أوسلو، ممانعاً الكلام للصحفيين، إذ كان يشعر بأنَّ صناعة الأخبار أساءت تقديمه. وكان غالتونغ واضع معايير الصحافة واضحاً حول عواقب سوء قراءة وسائل الإعلام الإخبارية بحثه، فقال: «العواقب هائلة. هائلة للغاية». وقال غالتونغ: «تشكل هذه القراءة ما يفعله الناس، وتشكل السياسيين وتجعلهم سلبيين بدلاً من التشديد على ما هو جيد في المجتمع الذي يريدون بناءه. يصبحون تنافسيين بلا ضرورة بدلاً من أن يكونوا متعاونين».

(Visited 80 times, 1 visits today)