Beirut weather 11 ° C
تاريخ النشر January 8, 2019 08:53
A A A
إشهار الدولة المدنية
الكاتب: الأب البروفسور فادي ضو - الجمهورية

فيما يُقلق تغيير الأعراف السياسية في تشكيل الحكومات بعض المسؤولين، ويرتاب آخرون من محاولات غير مباشرة لتغيير النظام اللبناني برمّته والدخول في دولة ما بعد الطائف وتوازناتها الطائفية الجديدة، يبدو الجميع غافلاً أو متواطئاً مع ما هو برأيي أخطر من ذلك بكثير، أعني تراجع مفهوم الدولة المدنية وتنامي الممارسات السياسية التي تضرب أساساتها. فإذا كان تعديل الأعراف والتوازنات السياسية تغيير في الصيغة اللبنانية للحكم، فإنّ التعرّض لمدنية الدولة هو ضرب للميثاق وللعقد الاجتماعي الجامع للبنانيين.

تستمدّ الدولة المدنية مشروعيّتها من الشعب مجتمعاً، الذي هو مصدر السلطات وصاحب السيادة التي يمارسها عبر المؤسسات الدستورية («الفقرة – د» من مقدمة الدستور). بينما تستمدّ الدولة الدينية مشروعيتها من المرجعية الدينية التي تستند إليها وإلى نصوصها. فبينما تهدف الدولة المدنية إلى تحقيق مصلحة الشعب على مختلف انتماءاته، عبر خياراته الديمقراطية، تهدف الدولة الدينية إلى تطبيق شريعة دينية خاصة، التي بذاتها تُعتبر الخير الأسمى للناس وفق معتقد البعض بأنها وحي إلهي، وتفسيرها من قبل المؤتمنين عليها. لهذا السبب إنّ أيَّ دولة دينيّة هي حكماً فئوية وعاجزة عن تحقيق المساواة بين المواطنين. بينما تحقّق الدولة المدنيّة اجتماع المواطنين على خيرهم المشترك، وتعزّز التضامن فيما بينهم.

وضع الدستور اللبناني الصادر عام 1926 أسس الدولة المدنية في لبنان، دون أن يستكمل إنجاز هذا البناء بشكل كامل. فأبقى على مسألتين عالقتين هما توزيع السلطة السياسية على أساس الكوتا الطائفية، وقانون الأحوال الشخصية. فاعتبرت المادة 95 من دستور 1926، المعدّلة في 1943 ثمّ في 1990، بأنّ تدبير توزيع السلطة بين الطوائف التماساً للعدل والوفاق، هو موقّت.

وأكّد اتفاق الطائف على ذلك بتضمينه للمادة 95 الآلية المطلوبة لإلغاء الطائفية السياسية. أما المادة 9 من الدستور فاعتبرت نظام الأحوال الشخصية جزءاً من حرية المعتقد المطلقة التي تحترمها الدولة وتكفل تحقيقها. لكن ذلك يقتضي أن يأتي منسجماً مع المادة 7 التي تؤكد على مساواة كل اللبنانيين أمام القانون، و«الفقرة ب» من مقدمة الدستور التي تعلن التزام لبنان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فاعتراف الدولة بأنّ حرية المعتقد تمتد إلى نظام الزواج والعائلة والإرث وإمكانية تحقّق ذلك بشكل متعدّد وفقاً للطوائف، لا يعفيها من مسؤوليتها وضع قانون مدني جامع وموحّد يضمن من ناحية انسجام هذه الممارسات مع مبادئ حقوق الإنسان، ويؤمّن من ناحية أخرى العدالة والمساواة بين المواطنين، إن انتموا أو لم ينتموا إلى إحدى الطوائف المعترف بها قانوناً.

لقد ترك المفوّض السامي في قراره رقم 60 عام 1936 حول «نظام الطوائف الدينية» الباب مفتوحاً أمام المشرّع اللبناني لاستكمال عمله في هذا المجال، عبر كلامه عن النظام الشخصي للطوائف وعن القانون العادي (العام) للأحوال الشخصية.

لم ينجح السياسيون في استكمال بناء الدولة المدنية، لا بل أنتجوا عبر ممارساتهم المنحرفة دولة المحاصصة الطائفية، التي أصبحت اليوم تُهدد الكيان الوطني. والدولة المدنية لا تعني انصهار جميع المواطنين والمكوّنات الاجتماعية قسراً بثقافة آحادية تُهمّش انتماءاتهم الخاصة. فالتعددية الدينية والثقافية سمة أساسية في المجتمع اللبناني، لا بل هي ثروته وميزته الحضارية.

ودولة المواطنة وميثاق العيش المشترك يُفترض أن يكونا الإطار الحاضن لهذا التنوّع والمحفّز للتفاعل الخلّاق بين مكوّناته. أما اليوم فنحن أمام مشهد خطير، أنزل قيمة الميثاقية إلى مستوى التنافس على الحصص، واستبدل العيش المشترك الصادق بين المواطنين بعصبيّات مذهبيّة جماعويّة ائتمنت الأشد تعصّباً فيها على تحديد شكل هوياتها المتصارعة.

إنّ أسوأ ما جرى أخيراً مع النائبة رولا الطبش جارودي بعد مشاركتها في الاحتفال الكنسي باليوم العالمي للسلام هو رضوخ التكتّل السياسي الذي تنتمي إليه إلى صوت «الشارع الافتراضي» وإلى ما أشبه «بمحاكم التفتيش الدينية»، ما جعلها تعتذر لله عن هذا الأمر وتعيد إشهار إسلامها، بينما كان رئيس العراق المسلم يحتفل في الكنيسة بعيد الميلاد مع المسيحيين، وبابا الأقباط تواضرس يلقي كلمة من داخل مسجد الفتاح العليم في مصر لمناسبة افتتاحه.

لقد انقضّت في لبنان الطائفية على الميثاقية، وها هي تُفقدنا ثقافة العيش المشترك وقيَمه، ولم يتبقَّ لنا سوى إعلان حال طوارئ وطنية لاستكمال بناء الدولة المدنية على أساس المواطنة الحاضنة للتنوّع، كرهان غير مضمون لإنقاذ لبنان قبل فوات الأوان.

(Visited 123 times, 1 visits today)