Beirut weather 21.41 ° C
تاريخ النشر December 17, 2018 08:53
A A A
ما هي أسباب وتداعيات حركة اصحاب السترات الصفراء في فرنسا؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

للاسبوع الخامس على التوالي، ينفذ اصحاب السترات الصفراء في فرنسا تظاهرتهم الاحتجاجية، والتي تتركز تقريبا في شوارع العاصمة باريس المحيطة لمنطقة الشانزليزيه، وحيث كانت تظاهرة السبت الاخير الاضعف شكلاً لناحية العدد الاخف او لناحية اعمال الشغب البسيطة، بدت بانها الاعنف لناحية مضمون الخطاب ونوعية المطالب، والتي تحولت من معيشية الى سياسية بامتياز.
في الحقيقة، اخذت هذه الحركة المطلبية النشأة والاساس، والتي تمددت بشكل لافت بسرعتها وبقساوتها وبغرابتها عن الجو العام السائد في فرنسا منذ فترات طويلة، اخذت بُعداً غير مفهومٍ، لناحية حقيقة اسبابها وتطورها، او لناحية خطورة وحساسية تداعياتها، وحيث يمكن حتى الان إرجاعها لسبب او لِأكثر من الاسباب الممكنة التي سوف نستعرضها، لا بد من التطرق الى تداعياتها المفترضة، على صعيد الداخل الفرنسي، على صعيد الاتحاد الاوروبي، وحتى على الصعيد الدولي، وذلك على الشكل التالي :

  • الاسباب
    مطالب اقتصادية:
    تحت شعار المطالب المعيشية وبأساسها: رفع الحد الادنى للاجور وتخفيف الضريبة عن محدودي الدخل والفقراء، ورفعها او مساواتها على الأقل مع اصحاب الدخل المرتفع او الاغنياء، انطلقت تظاهرات واحتجاجات اصحاب السترات الصفراء، مع المطالبة بتحفيز قطاع الاعمال وتخفيض نسبة البطالة .. الخ من مطالب لها طابع معيشي ومالي.
    مطالب سياسية داخلية:
    بعد أن فرضت نفسها المطالبُ المعيشية في بداية حركة اصحاب السترات الصفراء، تبين لاحقاً ان لها امتدادا ً وطابعاً سياسياً، حيث تحولت مؤخراً الى سياسية بالرغم من خطاب الرئيس ماكرون الأخير حول عزمه زيادة المعاشات وتخفيف الضريبة على ساعات العمل الاضافية، فطالبت باستقالة ماكرون والحكومة ومجلس النواب، وتَثبَّت هذا الطابع السياسي لها مع دخول اليمين على الخط من خلال المطالبة بالنسبية في تعيين السلطة التنفيذية، حيث يعتبر انه بذلك قد يملك الفرصة للدخول في الحكومة، او مع دخول اليسار على نفس الخط مطالباً بالذهاب نحو انتخابات جديدة.
    نتيجة تدخلات اجنبية خارجية:
    لا يمكن استبعاد التأثيرالاجنبي في تحريك وتوجيه هذه التظاهرات، أوعلى الاقل في إستغلال ما تطالب به، وحيث لا شك بوجود مصلحة لكل من روسيا او الولايات المتحدة في ذلك، يمكن تحديد أطر تدخل كل من الدولتين كالتالي:
    لروسيا مصلحة بالتدخل بهدف إضعاف الاتحاد الاوروبي من خلال إضعاف الحكم الفرنسي، وهذه المصلحة تكمن في اتجاهين، اولاً بتخفيض فعالية دول الاتحاد الاروبي في الملفات المشتركة مع روسيا، وخاصة في ملفي اوكرانيا وجزيرة القرم حيث حتى الان، لم تعترف اية دولة من دول الاتحاد بشرعية ضم شبه الجزيرة الى الاتحاد الروسي، وثانياً لناحية إضعاف حلف شمال الاطلسي حيث فرنسا من الدول الاساسية في منظومته الادارية والسياسية.
    تستطيع روسيا ايضاً، ومن خلال وجود حكم ضعيف في فرنسا و توتر سياسي وأزمة إقتصادية، ان تستغل الموضوع لناحية إستمالة هذا الحكم، حيث علاقات الاخير مع الاميركيين ليست على ما يرام، وخاصة بين الرئيس ترامب والرئيس ماكرون.
    للولايات المتحدة الاميركية ايضاً مصلحة واسعة في الضغط على الحكومة والرئيس في فرنسا، وذلك لاسباب عدة، أهمها:
  • رداـ على موقف الاتحاد الاوروبي وفرنسا خاصة من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، حيث لعب الاتحاد والرئيس ماكرون بالاخص دوراً اساسياً في تثبيت الاتفاق ومساعدة ايران على تخفيف تداعياته الاقتصادية والسياسية قدر الامكان، وطبعاً لانه في ذلك مصلحة وحاجة استراتيجية ومالية فرنسية في استمرار العقود التي ابرمتها مع ايران بعد الاتفاق المذكور .
  • رداً على محاولة الاتحاد الاوروبي وخاصة فرنسا الاستقلال او التمايز عن القرار الاميركي في عدة ملفات دولية.
  • رداً على وقوف اغلب دول الاتحاد الاوروبي صفاً واحداً بمواجهة السياسة الاميركية الاخيرة بموضوع تعديل الرسوم الجمركية وتعديل أعراف وانظمة التجارة العالمية لمصلحة مالية الولايات المتحدة الاميركية.
  • التداعيات :
    لا شك ان إضعاف الساحة الفرنسية، سياسياً ومالياً ، سوف يؤثر سلباً على موقع فرنسا وعلى تضامن وتماسك الاتحاد الاوروبي، والذي يعاني حالياً من الضياع البريطاني في موضوع انسحابه او بقائه في الاتحاد.
  • هناك خطر من انكشاف الساحة الامنية الفرنسية المستنفرة اصلاً امام الارهاب حالياً ، خاصة وانها ساحة هشة امنياً، نظرا للعدد الكبير من المواطنين الفرنسيين من اصول افريقية اسلامية من اصحاب الافكار المتشددة، الذين سوف سيستغلون الوضع المعيشي للتسلل والتأثير امنياً.
  • تغيير في سياسة الدولة المالية لان تأمين الاموال التي وعد بها ماكرون لزيادة المعاشات يجب ان يكون لها مصدر، ومع صعوبة واستحالة فرض ضرائب جديدة، لان الغاء بعض المشاريع او تخفيف او اقتطاع بعض الموازانات، سيؤثر ذلك سلباً على الاوضاع الاجتماعية التي من جديد سوف يتظاهر بسببها الشعب.
  • تداعيات على النظام الديمقراطي القائم حالياً في فرنسا، حيث لو تم تأمين كافة المطالب المعيشية والسياسية كما طالب بها الشعب مباشرة، سيُعتبر هذا عملياً وكأنه إلغاء لوكالة النائب التي حصل عليها عبر الانتخاب، وهذا يعتبر ضرب لاسس الديمقراطية التي تقوم على الانتخاب وتمثيل الشعب، فهل هذا نظام جديد سوف ينبثق عن حركة السترات الصفراء؟
  • لقد سببت الحركة حتى الان خسائر اقتصادية ومالية بمليارت اليورو للقطاع العام وللقطاع الخاص في فرنسا، وقد ضربت الموسم السياحي وموسم الاعياد في باريس بشكل خاص، بالاضافة لما خسرته مالية الدولة من ضرائب كانت مُقَدَرَة.