Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر July 4, 2016 05:08
A A A
ذعر لبناني من التوطين التركي
الكاتب: البناء

يواصل الأميركيون والروس على مستويات عدة مفاوضات إعداد بنود الاتفاق الخاص بالتعاون العسكري في الحرب على تنظيم داعش وجبهة النصرة، وسقفه السياسي والأمني الخاص بكيفية ترتيب الحدود التركية السورية من جهة، والتعامل مع فصائل المعارضة المنضوية في جماعة الرياض من جهة أخرى، وكيف سيكون مسار محادثات جنيف لتخطي الخلاف على مصير الرئاسة السورية واعتبارها أمراً متروكاً للسوريين، ما دامت المفاوضات السورية السورية عاجزة عن بلوغ توافق بهذا الصدد، ولم يبق إلا التسليم باعتبار صناديق الاقتراع الطريق الوحيد ليضع السوريون يدهم على هذا الشأن السيادي في بلدهم بعد التوافق على دستور جديد، والتخلص من الظروف التي تفرضها الحرب على الإرهاب وتستدعي وجود حكومة موحدة يجمع على شرعيتها المجتمع الدولي، وتكون ضمن الحلف الدولي الإقليمي لهذه الحرب.

في قلب هذه اللحظة السياسية كان الموقف التركي اللافت الدعوة التي أطلقها الرئيس التركي رجب أردوغان لتجنيس السوريين اللاجئين إلى تركيا، بصورة تضمنت تسليماً بوصول الرهان على تغيير الوضع العسكري والسياسي في سورية لصالح الفصائل التي تحتضنها تركيا إلى طريق مسدود، ولم يبق ما تقدّمه تركيا لهؤلاء سوى الجنسية التركية.

من جهة مقابلة قدّمت الخطوة التركية رأس جسر لمشروع تجنيس اللاجئين السوريين في دول الجوار، بينما كان الوضع في سورية يشهد مزيداً من الخطوات التي يتقدّم عبرها مشروع الدولة سياسياً وعسكرياً، فصدرت مراسيم تشكيل الحكومة الجديدة، التي حافظ فيها وزراء الحقائب السيادية وفي مقدّمتهم وزير الخارجية وليد المعلم على مواقعهم، بينما سجل الميدان العسكري إنجازات متتالية تمثلت بالإمساك بجبهة الملاح الحلبية وإحكام الطوق على الأحياء الشرقية لمدينة حلب التي يسيطر عليها المسلحون، وخروج المسلحين من مدينة جيرود في القلمون بعدما خرج الأهالي بتظاهرات ضدّهم وأنجزت فاعلياتها تفاهماً مع الجيش يسمح بخروج المسلحين مقابل تسليم جثة الطيار الذي قاموا بقتله بعدما سقطت طائرته بسبب عطل فني.

لبنانياً، فعلت كلمات الرئيس التركي فعلها بإصابة الوسط السياسي بالذعر لمخطط توطين النازحين السوريين، الذي بدأ يصبح واقعاً فعلياً، بعدما كان حتى الأمس بنظر الكثيرين مجرد فزاعة، بينما سجل الميدان أيضاً إنجازاً نوعياً للمقاومة في جرود لبنان الشرقية تمثل باستهداف أحد قادة داعش بصاروخ موجّه أدّى إلى إصابة مقرّه القيادي ومقتله.

الحسابات التركية تختلف عن الحسابات اللبنانية

أثار القرار التركي تجنيس النازحين السوريين الريبة والشكوك عند السياسيين اللبنانيين وما مدى انعكاساته على لبنان بعد التقرير الذي أعده الامين العام للامم المتحدة بان كي مون وما سُمّي بالعودة الطوعية.

وفيما أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مساء السبت في خطاب القاه في محافظة كيليس ان الحكومة تعمل على مشروع من شأنه ان يسمح في نهاية المطاف للراغبين من اللاجئين السوريين الحصول على الجنسية التركية، تؤكد مصادر مطلعة لـ «البناء» ان الحسابات التركية تختلف عن الحسابات اللبنانية فقرار الرئيس التركي له علاقة بحسابات تركية داخلية فأردوغان مأزوم داخلياً. لديه مشكلة كبيرة مع شرحيتين اثنيتين كبيرتين العلويين والأكراد تشكلان مع بعضهما أقل من نصف تركيا، لذلك ذهب بخياراته مع هؤلاء لدرجة أن فريقاً يحاربه سياسياً عبر احزاب المعارضة بصمت وعلمانية ضمن الأطر الشرعية للصراع، وفريق يرفع في وجهه السلاح اعتراضاً. وأشارت المصادر الى ان اردوغان احدث نتيجة خطابه الطائفي والمذهبي منذ ست سنوات شرخاً عمودياً في قلب المجتمع والدولة وصل حد ان كل جنوب الهضبة منتفض ضده، وهناك شبه حرب أهلية غير معلنة مع الاكراد وخلاف كبير مع العلويين في كل مناطق وجودهم، خاصة في المناطق المحاذية لسورية، لذلك يفكر اردوغان جدياً بأن يوطّن السوريين السنة في مناطق يهجّر منها الأكراد مبدئياً واذا اضطر في مرحلة لاحقة ان يهجر العلويين من إقليم الاسكندرون وغيرها. ولفتت المصادر الى أن اردوغان لا ينظر الى المسألة من زاوية علاقتها بالأمم المتحدة واللاجئين»، معتبرة أنه لا يمكن مقارنة وضع تركيا بوضع لبنان الذي يشكل النزوح السوري فيه أكثر من نصف سكانه، لذلك هذه الخطوة صحيح أن لها انعكاسات على مبدأ مقاربة قضية اللاجين في كل العالم، لكن إعلان اردوغان السياسي على هذا القرار يأتي لاسباب تركية داخلية ولفشل كل اتفاقاته مع اوروبا في الأشهر الماضية التي وصلت الى طريق مسدود.

«السّنّة» الخاسر الأول
وقالت المصادر إذا نظر «السنة» الى هذا الموضوع مذهبياً فسيكونون الخاسر الاول والدليل على ذلك، التجربة الواقعية في مناطق الوجود السني لاستقبال النزوح خاصة في المناطق الفقيرة الحدودية الأكثر احتكاكاً مع هذا النزوح عكار عرسال – البقاعين الغربي والأوسط ، يسمح بالاكتشاف أن اصواتاً عالية بدأت تخرج اعتراضاً على المنافسة التي يمثلها هذا الوجود للبناني «السني» في لقمة عيشه، في البنية التحتية، في قدرة السوريين الهائلة على التكيّف مع واقعهم. وشددت على نتائج انتخابات البلدية في عرسال وعكار أحد اسابها التململ الذي يعيشه الجمهور «السني» الفقير بالتحديد من هؤلاء الذين يغيرون في الواقع الديمغرافي لهذه المناطق السنية.

ورأت المصادر أنه اذا كان التفكير الديني المتطرف لبعض الزعماء «السنة» الذين يتحركون من خلال عصبياتهم، بأن هؤلاء النازحين سيحولون اكثرية لبنان الديمغرافية باتجاه آخر فهم يتعمّدون التغاضي عن أن «سنة» لبنان هم الخاسر الأول من هذا الواقع في حال تكريسه وتحويله الى حقيقة.

الى ذلك شكّل الخطاب التركي تململاً وزارياً، وأشارت مصادر وزارية ضرورة مسارعة الدولة اللبنانية الى فتح قنوات اتصال رسمية مع الحكومة السورية لبحث ملف النازحين والى مقاربة الملف بعيداً عن الكيديات ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم. وشدّدت المصادر على ان مصير النازحين السوريين في لبنان رهن الموقف اللبناني والمبادرة بالاتصال بالحكومة السورية والتنسيق معها، لا سيما أنه بموجب العودة الطوعية لن يعود أحد».

تجنيس النازحين لعبة دولية
وأكد وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس لـ «البناء» «أن تصريح أردوغان يعتبر مؤشراً من أسوأ المؤشرات، ويعني أن الحكومة التركية بدأت تتكيّف مع هذه الحالة المستدامة». وشدّد على «أن ما يحصل خطير للغاية، وما يحصل جزء من لعبة دولية لا يمكن أن تُنزه عن كل المجزرة التي تحصل في سورية». وقال درباس «إذا كان لدى الحكومة السورية خطة لعودة آمنة وطوعية للنازحين السوريين فنحن جاهزون لتسهيل الأمور».

تهجير الشعب السوري
وقال وزير العمل سجعان قزي لـ «البناء» «عندما أبدينا قلقنا من تقرير بان كي مون، وقلنا إنه خطير سارع الجميع للقول إننا نعظم الأمور وهو تقرير كوني لا يعني لبنان والمنطقة، واذ يتبين مع الوقت أنه تقرير يعنينا». وشدّد على ضرورة أن يتخذ لبنان كل الاحتياطات لكي يمنع تجنيس السوريين او حتى تثبيت وجودهم في لبنان وأياً يكن يعرض تجنيس السوريين يعني أنه يدعو الى تهجير الشعب السوري لتصبح سورية أرضاً لغير شعبها.