Beirut weather 17 ° C
تاريخ النشر November 5, 2018 08:04
A A A
ما مدى فعالية العقوبات الاميركية على ايران؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

تدخل اعتباراً من اليوم الحزمة الثانية من العقوبات الاميركية على ايران حيز التنفيذ، والتي تتمحور حول حظر تصديرها للنفط الخام، وهي بالمبدأ ستكون عقوبات قاسية ومؤذية على ايران، والسبب ان كامل مدخولها القومي تقريبا يعتمد على تصدير النفط، وسيكون لذلك تأثير سلبي مباشر على القدرة الاستهلاكية وعلى الاقتصاد من ناحية، ومن ناحية اخرى على حركة المجتمع الايراني بشكل واسع، والتي من الممكن ان تتطور امتداداتها الى الجانب السياسي الداخلي وربما الامني .
في حين اعتمدت العقوبات في الرزمة الاولى على التوجه مباشرة الى وقف التعامل الاقتصادي والمالي الايراني الاميركي، والذي كان اعيد العمل به مباشرة بعد توقيع الاتفاق النووي مع ايران ايام الرئيس اوباما، فإن الرزمة الثانية تعتبرعقوبات غير مباشرة، كونها تستهدف الدول والشركات التي تستورد او التي تدير عملية التصدير، وفي الوقت الذي كان القرار او الهدف الاميركي منها تصفير تصدير النفط الايراني، اي حظر التصدير بالكامل، تراجعت الولايات المتحدة عن ذلك مستثنية 8 دول او شركات تلك الدول، من حظر استيراد النفط الايراني، وحيث تمثل هذه الدول ما مجموعه اكثر من 50 بالمئة من استيراد النفط الايراني، تكون ايران قد حافظت على تصدير حوالي خمسين بالمئة من نفطها .
صحيح ان عقوبات اليوم على ايران محصورة تقريبا بالولايات المتحدة الاميركية مع بعض حلفائها وخاصة الاقليميين، مثل إسرائيل واغلب الدول الخليجية، مقارنة مع العقوبات السابقة قبل الاتفاق النووي، وهذا يُعتبر نقطة قوية لصالح ايران حيث مجلس الامن واغلب الدول الاوروبية وطبعا الصين وروسيا، تعارض جميعها الولايات المتحدة اليوم في عقوباتها على ايران، ولكن حساسية العقوبات الحالية انها تستهدف الشركات والمصارف العالمية التي ستدير عملية التصدير، وهذه المؤسسات التجارية والاقتصادية والمالية بطبيعتها ضعيفة في مواجهة الاميركيين، لانها باغلبها ترتبط بعلاقة عمل وتجارة وحركة اموال مع المؤسسات الاميركية المختلفة، وقد عبّرت عدة شركات تجارية عالمية كبرى عن خوفها وإلتزمت بالحظر ، حتى قبل سريان الرزمة الثانية من العقوبات
تقوم مناورة الولايات المتحدة الاميركية من خلال العقوبات على الضغط الواسع على ايران، لإخضاعها وإجبارها على التفاوض بالشروط الاميركية، والتي تتمحور حول وقف تطوير قدراتها الصاروخية والباليستية وتقييد نفوذها في الشرق الاوسط، بالاضافة الى ملفات غير مباشرة تتعلق بتسهيل التسويات العربية الفلسطينية مع اسرائيل والانسحاب من التاثير في اليمن وسوريا والعراق … الخ .
من ناحية اخرى، لا يبدو ان ايران في وارد التراجع او الخضوع، فتصريحات مسؤوليها وخاصة مؤخرا، تذهب باتجاه التحدي الواضح للاميركيين، مع التصويب على شيطنة اميركا كدولة غير ملتزمة بالاتفاقات الدولية وخاصة بالاتفاق النووي الذي رعاه مجلس الامن مع خمس دول كبرى، مع اعتبارها الولايات المتحدة الاميركية دولة مارقة لا تقيم وزنا لسيادة الدول، مستغلة قدراتها الضخمة، العسكرية والبحرية والمالية للضغط على الدول غير المنصاعة او غير المرتهنة لسياستها، والامثلة على ذلك كثيرة، تقول ايران.
حسب ما هو واضح حتى الان، لقد تراجعت الولايات المتحدة في خطوتها الاولى عندما استثنت الثماني دول من حظر استيراد النفط الايراني، وقد عزا مسؤولوها ذلك التراجع الى خطورة حجب النفط الايراني كاملا عن السوق العالمي، اولا لان الاسعار سوف ترتفع بشكل جنوني الامر الذي سيصيب السوق العالمي وفي مقدمته الاميركي، وثانيا لان الاقتصاد العالمي بشكل عام سوف يتعرض للانكماش، وهذا ايضا سيكون مؤذيا للجميع وعلى راسهم الاقتصاد الاميركي .
هذا التراجع الاميركي لم يكن في الحقيقة عبارة عن عدم انتباه، لم يتم استدراكه سابقا، لاننا نتكلم عن شركات ومؤسسات ومكاتب دراسات استراتيجية واقتصادية اميركية ودولية ، كانت تملك حتما القدرة على استنتاج واستدراك ما سيتعرض له الاقتصاد العالمي جراء العقوبات على النفط الايراني، ولكن حقيقة هذا التراجع تعود لمراهنة الولايات المتحدة عند اتخاذ القرار الاساسي بالعقوبات، بان ايران سوف تخاف وتستسلم وتذهب للتفاوض تهربا من سريان العقوبات .
طبعا لم تخف ايران ولم تستسلم، وقد تجاوزت ذلك بكل قدرة وثقة بالنفس، معتمدة على خبرة واسعة في مجال مواجهة العقوبات الاقتصادية، وهي كما يبدو اصبحت متمرسة بمواجهة العقوبات الاميركية او حتى متمرسة بمواجهة الابتزاز الاميركي، ويمكن القول انها حتى الان، ربحت الجولة الاولى من معركة العقوبات .
من الطبيعي ان الولايات المتحدة الاميركية تحضر للجولة الثانية، وهي تناور حتما معتمدة على امكانية تحريك الداخل الايراني بالتوازي مع فرض العقوبات، وتعتبر ان ايران ربما ستعجز عن مواجهة الاتجاهين بفعالية، العقوبات مع التوتر الداخلي، والذي عاش بعض فصوله مؤخرا الشارع الايراني وكان مؤذيا وخطرا بعد أن تم استيعابه بصعوبة .
من هنا ، يمكن القول ان لعبة عض الاصابع الجدية بين ايران والاميركيين قد بدات فعلا اليوم ، حيث ايران تراهن على عدة اوراق تمتلكها، اولا في تماسك سلطتها واجهزتها الامنية والعسكرية مع مرجعيتها الدينية المؤثرة، و ثانيا في نفوذها الواسع في الشرق الاوسط وقدرتها على التأثير في ملفات حساسة تعيشها المنطقة، وبالمقابل، تراهن الولايات المتحدة في لعبة شد الاصابع هذه على تزعزع الموقف الايراني الداخلي مع الوقت، وعلى امكانية تغيير الموقف الدولي وخاصة الاوروبي لمصلحة مساندتها في الضغط على ايران، نتيجة تاثيرات وضغوط المؤسسات التجارية والمالية العالمية على دولها، خاصة مع التصاعد المرتقب للضغط الاميركي عليها بشكل تدريجي يوما بعد يوم .

(Visited 5 times, 1 visits today)