Beirut weather 22.58 ° C
تاريخ النشر October 13, 2018 09:29
A A A
الربع ساعة الأخير قبل رحيلِ الأمير!
الكاتب: الأديبة سوزان الياس البعيني - موقع المرده

أطير اليك بأشواقي أرسم وجهي على كل الزوايا لأحاصر عينيك
وكل الجُهات تستوطنها العناكب وتلف بشراكها حول عنقي…
أين أمضي بوجهي؟
أين أرحل بعذابي؟
أين أصبّ شكواي وغضبي؟
مات الكنار في بيتي، يبست شجرة الزيتون…
ولم يبقَ في حديقتي سوى الزيزفون
عندما ينهار كل شيء
اي الكلام يشفي واي الردود تفيد؟
عندما يصير الاحساس أكبر من وعاء القلب من يحيا ومن يموت؟
ومن ينثر الرماد؟

سجينة حزنك أنا اليوم،
هلّا حررتني يا سيدي
ردّ اليّ كلماتي ولا تدعِ اليأس يقتلها.
حرر صوتي لقد اختنق في حلقي!
التقطني شعاعاً، بريقاً يتفجر عند بلاطة مثواك!

الربع ساعة الأخير اختزل رحلتنا سويةً في دنيا الصداقة والفكر والثقافة والطيبة والوفاء!
ورحلتَ أنت… ورحلتُ أنا…
يا رفيق العمر، أهكذا يرحل الأحباء دوماً دون انذار ودون استئذان!!!
منذ رحيلك الغادر سكتت كل الكلمات واليوم أخلع الصمت، أثرثر، أهذي
عفوك أنت لا تحب الثرثرة ولا الهذيان…
سامح ضعفي واقبله كما استوعبته دائماً…

الربع ساعة الأخير، كان مترعاً بالتساؤلات، عابقاً بالمودة، غنياً بالنصائح الغالية…
أكنتَ تعلم يا غالي، انها الثواني الاخيرة؟
كان وجهك ممتلأً عافية ونورا
قلتَ: “المهم هنا” وأشرت الى رأسك
فتجرأتُ لمرّةٍ وخالفتُك قائلة: “لا، بل المهمّ هنا”.
وأشرتُ الى قلبي.
افترّت شفتاك عن ابتشامةٍ ولا أروع وقُلتَ: “المهمّ هو أننا تكاملنا”!
وَيلي بعدَك، لقد نبتت دموعي عشباً أخضرَ على الطريق اليكَ.
يا ملاذي الأخير، حين تعصفُ الصعاب.
لقد انطفأت الشموع وذبُلت الرياحين…
يعذّبني أنين الريح في أشجارك الباسقات، وكأنها مثلي تبكي أو تحتضر…
هبوب العواصف لم يعُد يؤذيها أو يزعج أحداً
تتساقط الأوراق، تحرّض الازهار على الرحيل،
والشوق يمامةٌ لا تكفّ عن الهديل.
أيّها الأمير الصغير الذي هبط من كوكب النُّبلِ والعطاء،
كنتَ تلميذي وكنتُ أنا من يتعلم منك، ومن يهابُكَ:
فالغلطُ في حضرتك ممنوع!
في حضرتِك عليّ انتقاء الكلمات، وطريقة التصرف، فعينكَ ثاقبة، وحكمك قاسٍ وأنت لا تغفر الاخطاء
كلمتُك قاسيةٌ أحياناً انما صادقةٌ دوماً

يا راعي النفوس الطيّبة التي لم يكُن لها ملجأ سواك
لقد كنتَ منبراً لأصوات الشرفاء ومعلماً للأمانة والأخاء.
يا قائداً من نوع آخر، قلبُك الكبير اتّسع لكل الناس الطيّبين، فتعامل مع الجميع بأخوّة واحترام.
رغم تنسّكك، لم تكن يوماً متقوقعاً أو لا مبالياً عما يدور حولك في فلك الانسانية السامية، وكنتَ متأهّباً دوماً للمشاركة الحضارية في كل مجال.
حبُك للفضائل وللمُثل جعلك تتطلع دوماً الى الافضل، بتواضع وانفة.
في مجلسك، تراقب بصمت، تحلل، تستنتج بهدوء ورزانة، تسخر من محبي الظهور… ولم تنصفك الحياة…
أيها الرجل العظيم
عفوك عن دموعي، وانت لا تحب البكاء، اعذرها ان هي تمادت
وانت كل المدى!
يجتاحني الشوق واتوق الى مضغ المرارة في الذكريات.
لقد أمضيتُ العمر أجمع لك الياسمين والأقحوان والنرجس والحبق لأصوغ لك باقة تليق بعطرك الفريد.
وأطبقتَ يديك على نفحة عطرٍ واكتفيت!
أحقاً رحلت؟ وصوتك الهادر فينا يصوّب خطأً، يقوّم اعوجاجاً ويهدد أحياناً… أم نحن من يرحل؟
أحقاً انتهت الاسطورة؟
سكت الزمان، فرغ المكان الا من عبق روحِك التي تخلق وتجدد!

كل شيء صامتٌ هنا…
وحدها السنونوات تقطن النوافذ…
والقصر الوسيع فارغ على امتلائه
انه باردٌ والانفاس محتدمة
انه شاحبٌ والوجوه متعددة
وحبة البخور ماتت في الموقد الحميم !

يضجّ المكان بذكريات طيّبة، كلٌّ منا، نحن اصدقاؤك المخلصين يتذكرك على طريقته.
يا سيدي، لقد فارقتنا لتسكن أعماقنا وتتداخل فينا!
ليت البكاء يغسل الأسى
ليت الدموع تمحو الحزن!

أيها المارد المبدع المعطاء،
لقد غادر طيفُك “اهدن” الحبيبة، انما بقيت روحُك النقيّة، وذكراك عبقُ النسائم.
ومع كل فجر يطلّ نورك على “المطلّ”،
ينشر الحب والصدق والعنفوان والوفاء، ويقول للأحبّة: “لن أفارقكم”!
انما لن تعود ابتسامتك تلفّ الحقول والطرقات ولن تضمّ بعينيك اخضرار الربيع القادم.
ايها الأمير الجميل، بعد الرحيل هل تعاوُد الارض دورانها من جديد وتستأنف الحياة؟
فالايام طويلةٌ طويلة بعد غياب الاحبّة!
سنضرب لنا موعداً: نلتقي ونصلّي في الاول من كل ايلول
في الاول من كل شهر، وتستفيق النجمات العالقات في الذاكرة

وفي اليوم الأخير من وداعك، تساءلتُ كيف سأرحل ُ عن هذا المكان
وقد التصق قلبي بحبات ترابه؟
فتسمّرت مشاعري على باب داره؟
من يتلو وجهي، من يسمع أنيني؟
كيف أشلّع ذاتي من هذا الوجود وأنا لا وجود لي من دونه؟

لملمتُ ظلّي، قبّلتُ باب القصر، قبّلتُ باب القبر… ورحلتُ…
وفي طريق العودة من اهدن، أقفلتُ صندوق الذكريات
ورميتُ المفتاح في جمّ الوزّال…
وحدها صورةُ وجهك بقيت في البال!…
… ارحلي عني ايتها الكلمات… انك تعذبينني،
وليسكنّي الصمت الى الابد…
روبير بك،
قبل رحيلِك، لم أكُن أعرفُ كم سأشتاق اليك.
هل كنتَ تعرف انت، كم أنا أحبُّك؟؟؟

(Visited 2 times, 1 visits today)