Beirut weather 27 ° C
تاريخ النشر October 9, 2018 09:28
A A A
هل فتحت محكمة العدل الدولية باب التفاوض الاميركي – الايراني ؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر ـ موقع المرده

في حديث لقناة الميادين الفضائية، يقول ريتشارد ويتز مدير مركز تحليل الشؤون العسكرية والسياسية في معهد هدسون الاميركي : ” إن إدعاء ايران على الولايات المتحدة الاميركية امام محكمة العدل الدولية لخرقها معاهدة الصداقة والعلاقات الاقتصادية بينهما، كانت خطوة ذكية وناجحة، لم ينتبه لها الاميركيون”، وليكون من جهة اخرى القرار، من دون اي معنى او تأثير وغير ملزم للادارة الاميركية، بحسب وزير خارجيتها و مستشار الامن القومي، حتى ان الموضوع وصل بغطرسة الاخير للقول إن ادارته سوف تراجع جميع اتفاقاتها التي قد تعرضها للمقاضاة امام محكمة العدل الدولية.

 

لقد جاء القرار المذكور ليقيد واشنطن ويمنعها حرمان ايران من الحاجات الانسانية الاساسية ( الدواء والغذاء والتجهيزات التي تؤمن سلامة الطيران المدني … الخ )، كطريق من طرق الضغط الديبلوماسي والسياسي غالباً ما تعمد اليه الولايات المتحدة الاميركية ، وليضيف الى سجل الاخيرة الحافل بمخالفة القوانين الدولية ملفا آخر، لا يحمل اي التباس او غموض لناحية ادانتها قانونيا بالكامل .

 

انطلاقا من ذلك، هل تذهب الولايات المتحدة هذه المرة كما في اغلب المرات السابقة،  الى النهاية في مخالفة القوانين الدولية، ام ان قرار محكمة العدل الدولية الاخير سوف يدفعها لمحاولة فتح كوة في مواجهة وضع استثنائي اوجدت نفسها فيه، يتمثل باجماع شبه دولي ( نظريا ومبدئيا ) باعتبارها دولة خارجة عن القوانين الدولية، والذهاب نحو التفاوض مع ايران ، من خلال عملية مماثلة لما حدث مع كوريا الشمالية ؟ ام سوف يكون الامر لناحية التفاوض مع ايران بطريقة مغايرة لما حدث مع كوريا الشمالية ،  استنادا للعديد من المعطيات المختلفة ؟

 

ثمة من يقول إن الولايات المتحدة الاميركية ستنجح لجّر ايران للتفاوض معها  من خلال زيادة منسوب الضغط على الاخيرة، تماماً كما حدث مع كوريا الشمالية التي استسلمت لضغوط العقوبات القاسية، ففاجأت العالم بقبولها التخلص من اسلحتها النووية الاستراتيجية، بمجرد ان إجتمع ترامب مع رئيسها، وذلك بمعزل عن مسار التنفيذ ومراحله، او بمعزل عن تفاصيل ما وعُدت بالحصول عليه، بالرغم من تأكيد واشنطن على ابقائها على العقوبات الاقتصادية على كوريا الشمالية الى أجل غير مسمى .

 

في الواقع، يختلف الموضوع مع ايران بشكل جذري، من دون ان يعني ذلك انها لن تذهب للتفاوض، فهي جاهزة طبعا للبحث مع الولايات المتحدة الاميركية في كافة النقاط المتعلقة بقرار الاخيرة المنفرد بالانسحاب من الاتفاق وبالعقوبات التي فرضتها وستفرضها عليها تباعا، ويمكن تحديد العناصر التي تجعل الوضع مختلفا على الشكل التالي :

– إيران لم تخالف القوانين الدولية والتزمت بكامل مندرجات وشروط وكالة الطاقة الذرية الدولية، في الوقت الذي كانت كوريا  الشمالية  تطور قدراتها في الاسلحة النووية ، رغما عن المجتمع الدولي وقراراته العديدة حول ذلك .

 

–  التزمت ايران بالاتفاق النووي الموقع مع خمس دول كبرى زائد مجلس الامن الدولي، بعد مسار طويل من التفاوض والدراسة والتحقيقات وتبادل الافكار و الشروط و المعطيات .

 

–  الاتفاق النووي مع ايران يؤمن مكتسبات اقتصادية ومالية للدول الموقعة عليه، تحتاجها بامتياز في مواجهة الازمات المالية التي تمر بها كل واحدة منها، ويشكل لهذه الدول فرصة اقتصادية غير متوفرة حالياً مع دول اخرى .

 

–  تجهد حالياً الدول الأطراف في الاتفاق النووي، ماعدا الولايات المتحدة الاميركية طبعاً، لايجاد آلية معينة ، تبقي على عقود شركاتها  مع ايران و في نفس الوقت تتجاوز فيها العقوبات الاميركية على الاخيرة .

 

 

– خسرت كوريا الشمالية في الفترة الاخيرة قبل اجتماع رئيسها مع ترامب، دعم ومساندة جميع الدول وخاصة روسيا والصين اللتان اشتركتا في التوقيع على آخر  حزمة عقوبات دولية عليها، الامر غير الموجود لناحية ايران بتاتا ، حيث اغلب الدول الفاعلة تقف الى جانبها، احتراما لتعهداتها، والتزاما بالاتفاق النووي ( الدولي الطابع ) .

 

انطلاقا من هذه المعطيات ولغيرها، تختلف بالكامل حيثيات العلاقة مع ايران ومسار التفاوض بينها وبين الولايات المتحدة الاميركية  لو سلك، حيث بلغ منسوب الضغط الاميركي على ايران حده الاقصى، في محاولة الحصار الاقتصادي والذي فشل، و في محاولة استغلال الضغط الاقتصادي لاثارة الشغب والتوتر و الفوضى داخل ايران، والذي فشل ايضا، وفي الضغط الدموي عبر العمليات الارهابية في الاهواز وفي غيرها سابقا، والتي واجهتها ايران بكفاءة وحزم كاشفة وفاضحة التورط المباشر للولايات المتحدة الاميركية ولاذنابها فيها .

وعليه … لناحية  الحرب والمواجهة العسكرية لاخضاع ايران، والتي لن تكون الا عبارة عن اشتباك واسع اقرب الى حرب اقليمية شبه دولية، لن توفر تداعياتها احد، وخاصة حلفاء الاميركيين في المنطقة، وسيكون خياراً قاسياً وصعباً ومدمراً وغير مضمون النتائج .

لم يتبق اذن الا خيار التفاوض مع ايران وبشروط مقبولة من الاخيرة، تأخذ بعين الاعتبار سيادتها ومصالحها، وطبعا التزاماتها مع باقي الاطراف وخاصة الولايات المتحدة الاميركية، بالقوانين الدولية .