Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر June 30, 2016 05:46
A A A
الدولة اللبنانية “شريك” في تنامي آفة المخدرات؟
الكاتب: نهلا ناصر الدين - البلد

يتخطى عدد المدمنين على المخدرات في لبنان الـ24 ألف شخص، ولا تكمن المشكلة في النصوص القانونية التي تنظر في قضايا المخدرات وعلى رأسها التعاطي، تحديداً، إذ لدينا قانون جيد، يمكن تطويره، ولكن العلّة تكمن في السياسات التي تترجم عبرها هذه القوانين. ففي معظم الأحيان، أو كلها، يتم التعاطي مع المدمن كمجرم، في الوقت الذي يجب التعاطي معه كمريض بحاجة إلى رعاية وحماية واحتضان. هذا ويسجل على السياسة اللبنانية في هذا المجال أيضاً عدم وجود قسم خاص للمدمنين في السجن للتمييز بينهم وبين المجرمين الآخرين، ومنهم تجار المخدرات، ما يؤثر سلباً على صحة المدمن ويؤخرعلاجه ويحوّل وضعه من سيئ إلى أسوأ. ما يجعل من الدولة اللبنانية شريكاً في تنامي هذه الآفة عوضاً عن مكافحتها.

لمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، نظم المركز اللبناني للادمان “سكون” بالشراكة مع المفكرة القانونية (Legal Agenda) وبدعم من شبكة مينارة (شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للحد من مخاطر استخدام المخدرات)، ندوة حول السياسات المتعلقة بالمخدرات. وتمحورت الندوة حول موضوع السياسة اللبنانية المتعلقة بالمخدرات مع التركيز على مسائل حقوق الإنسان، عمل الشرطة والقضاء. مع تغيّر مقاربات السياسات العالمية المتعلقة بالمخدرات وتحولها من منظور عقابي إلى آخر أكثر توازناً يعطي الأولوية لحقوق الإنسان، الصحة والإندماج الاجتماعي. وتركزت الندوة حول اسئلة عدة رفعها المجتمعون لمستوى “الاسئلة الوطنية” وهي: “هل يمكن للبنان تعديل سياسته الحالية من أجل التكيّف مع المقاربة العالمية الجديدة ؟ هل توقيف الأفراد ومحاكمتهم يؤدي فعلاً إلى تراجع أرقام استخدام المخدرات؟ وهل هذه الطرق تعالج المشكلة على الصعيد الوطني أم إنها تسبب أضراراً إضافية من دون خفض نسب استخدامه؟.

تفاوت بالإرقام
بلغ العدد الإجمالي للأشخاص الموقوفين خلال العام 2014 بـ”جرم” تعاطي المخدرات 2709، حسب الإحصاءات الرسمية لمكتب مكافحة المخدرات المركزي. ” 110 فقط هو العدد التقريبي لملفات الأشخاص المحالين إلى لجنة مكافحة الإدمان منذ أن تم تفعيلها في أوائل 2013 حتى اليوم”، بحسب “المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته”. وهذا الفارق المذهل بالأرقام بين عدد الأشخاص الملاحقين سنوياً بتعاطي المخدرات وعدد الأشخاص المُحالين الى اللجنة للعلاج يطرح علامات استفهام عديدة بشأن ضعف تطبيق مبدأ “العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب”.

وفي دراسة لـ “سكون” عن الملاحقات القضائية سنة 2010، تبيّن أن النيابة العامة أوقفت 90% من الأشخاص المدمنين خلال التحقيق الأولي، وأن متوسط مدة التوقيف الإداري بلغ 6.5 أيام، وهو يتجاوز الفترة القانونية القصوى (96 ساعة). وتبيّن الدراسة نفسها أنّ متوسط مدة التوقيف الاحتياطي للمدعى عليهم بجنحة تعاطي المخدرات قد بلغ 50 يوماً تقريباً.

29062016-115548-1-290616045548

سياسة مضرّة
ما يعني “ان سياسة المخدرات في لبنان ليست فقط غير فعّالة، في استجابتها لقضية المخدرات وحسب، بل إنها سياسة مضرّة أيضاً”. إذ أن السياسات والممارسات العقابية تعرّض حياة الناس للخطر بالإضافة إلى الوصم والتمييز. علماً أن “عدة مواضيع مثل عنف رجال الشرطة، الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان ، والنقص في الرقابة على عمل الشرطة هي موضع جدل وتساؤل. ما يحتم وجوب إعادة تخصيص الموارد الخاصة بمكافحة المخدرات نحو المزيد من الاستثمار في عمليات التعليم والدعم”.

خارج اطار القانون
فعلى الرغم من أن استخدام المخدرات يعتبر جرمًا يعاقب عليه القانون اللبناني، إلا أن ذلك لا يبرر حرمان أي مواطن من حقوقه كانسان ومواطن، إذ يبقى كل من التوقيف التعسفي وسوء المعاملة خارج اطار القانون. “وتعتبر هذه المسألة نقطة جوهرية في أي نقاش حول السياسات المتعلقة بالمخدرات” حيث أن التعديات على حقوق الإنسان في هذا المجال واسعة وعديدة، ويتعرض الأشخاص الذين يعانون من مشاكل الإدمان إلى التمييز، العزلة والاستبعاد الاجتماعي وقوانين التجريم، ما يدفعهم إلى البقاء في الخفاء.

“اعرف حقّك”
وفي هذا الإطار كان للمركز اللبناني للادمان عدة حملات، ففي العام 2013، أطلقت “سكون” حملة “اعرف حقّك” لتوعية الشباب وتثقيفهم حول حقوقهم في أثناء توقيفهم للإشتباه باستخدامهم للمخدرات. وتشكل هذه الحملة رداً على الانتهاكات المرتكبة من قبل الشرطة أثناء التوقيف، وطرق التحقيق المشبوه فيها والاستجوابات التعسفية. ومن خلال حملة “اعرف حقّك” تسعى “سكون” إلى إلقاء الضوء على الانتهاكات الأكثر انتشاراً وخطورةً والإشارة إلى التعديات المتكررة على الأمن الجسدي وسلامة الأفراد الذين يعانون من مشاكل الإدمان.

رفع مستوى الوعي
وإنطلاقاً من الحملة نفسها تشارك “سكون” في حملة “ندعم، لا نعاقب” (Support. Don’t Punish) منذ 26 حزيران الحالي، وهي حملة عالمية لرفع الوعي والمناصرة لوضع سياسات أفضل وإعطاء الأولوية للصحة العامة وحقوق الإنسان. وتسعى كل من الحملتين إلى التأثير على صنع القرارات لإيجاد طرق أكثر فاعلية للإستجابة لموضوع المخدرات. بينما تتركز الفكرة الأساسية من وراء الحملة العالمية “ندعم لا نعاقب” من حاجتنا الماسة اليوم إلى التركيز على إصلاح السياسات، والسياسات الانسانية، على وجه الخصوص. فـ”نحن أيضاً بحاجة إلى معالجة مسألة استخدام المواد المخدرة والإدمان، بطرق مختلفة جداً عما نقوم به حالياً”. ويجب النظر إلى هذه القضية على أنها قضية صحية، وبالتالي عدم تجريم الاشخاص الذين يعانون من الإدمان. وتشجيع الناس على مشاركة قصصهم، حتى يتم توثيق الانتهاكات، والعمل على سد الثغرات، انطلاقاً من امكانية الاستفادة من قصصهم في إصلاح السياسات الحالية.