Beirut weather 28.05 ° C
تاريخ النشر September 12, 2018 05:00
A A A
خلف عسكرة الفضاء هاجس الهيمنة الأميركية الشاملة
الكاتب: الحياة

بعد 35 سنة من بدء صراع الهيمنة على الفضاء، وبدء التنافس الضاري على التسلح، في سياق حرب باردة لم تكن أقل عنفاً عبر الوكلاء، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وبدء الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان الدعوة إلى افتتاح برنامج «حرب النجوم» الذي توقف نتيجة تكاليفه الباهظة، وانهيار الاتحاد السوفياتي كمنافس رئيس يومذاك في هذا الحقل، يعيد الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، دس أنفه في شؤون الفضاء وعسكرته، جاعلاً منه نواة استراتيجيته للهيمنة، وذلك عبر ما أعلنه نائبه مايك بنس أمام البنتاغون أخيراً، عن إنشاء «سلاح قوة الفضاء» كقوة منفصلة عن سلاح الجو.

ووفقاً لهذه الاستراتيجية، يعد البنتاغون لإرساء مركز قيادة فضائية، على غرار مراكز القيادة الأميركية الجغرافية، ومنها «سنتكوم» (القيادة المركزية الأميركية الوسطى في الشرق الأوسط) أو المراكز التي تعنى بمسائل، مثل «ستراتكوم» للأسلحة النووية.

وفي ظل تزايد أعداد القوى التي باتت تستخدم الفضاء لخدمة استراتيجياتها العسكرية، وللمساعدة على أداء القوات البرية المسلحة وثيقة الصلة، اليوم، أكثر فأكثر بقدراتها على تحديد مراكز العدو الجغرافية وتحصين الأقمار الاصطناعية، الأمر الذي يجعل مدار الأرض، وأكثر من أي وقت مضى، حيزاً لأكثر من صراع محتمل، ورهان استراتيجي بارز. وبحسب مايك بنس إن «أمماً أخرى تسعى إلى الإخلال بأنظمتنا الفضائية، وتطعن أكثر من أي وقت في الهيمنة الأميركية». وذلك خلافاً لما كانت عليه الأمور أيام الحرب الباردة، حين كان الاتحاد السوفياتي المنافس الوحيد للولايات المتحدة في ميادين الدفاع وعسكرة الفضاء. وفي الحرب الباردة، حمل المشروع الأميركي لإرساء درع مضادة للصواريخ، الاتحاد السوفياتي على الانزلاق إلى سباق تسلح وجه إليه ضربة قاصمة وساهم في انهياره.

وروسيا فلاديمير بوتين اليوم، وعلى رغم ضعف ناتجها القومي الذي لا يزيد على ناتج إيطاليا، قوة فضائية وعسكرية. فهي أطلقت في 2014 قمرها الاصطناعي كوسموس 2499، وأعلنت في آذار الماضي، إطلاق صاروخ تفوق سرعته أضعاف سرعة الصوت، لا ترصده أنظمة الدفاع الصاروخي. لكن التحدي الأبرز اليوم هو الصين. فهي، منذ 2007، دمرت قمرها الاصطناعي القديم بوساطة صاروخ أطلقته من الأرض. وتجاوزت عتبة جديدة في مطلع هذا العام، مع إعلان نجاحها في إطلاق صاروخ أسرع من الصوت.

وخلافاً لتعهداتها ولما وقعت عليه الولايات المتحدة، كعضو في اتفاقية الفضاء الخارجي التي تمنع نشر أسلحة دمار شامل في الفضاء، وتسمح فقط باستخدام الأقمار الاصطناعية والأجرام السماوية الأخرى للأغراض السلمية؛ واستكمالاً لمنطق حروبه الدونكشوتية ذات الطابع «التجاري أولاً» الموازية لشعاره الشهير «أميركا أولاً»، أظهر الأمر الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أن «حرب الفضاء» لم تعد مجرد شعار أو مصطلح عابر سبق وعبرت عنه دوريات وأفلام الخيال العلمي، وأنها باتت قريبة… وربما أقرب مما نتخيل. ففي الثامن عشر من حزيران الماضي، أمر ترامب البنتاغون بتشكيل ما أسماه «قوة فضائية»، بهدف أن تصبح الذراع السادسة في الجيش، مؤكداً أن تلك القوة ستضمن «الهيمنة الأميركية» على الفضاء.

وفي الاجتماع الثالث لمجلس الفضاء الوطني، وهي هيئة استشارية يرأسها نائب الرئيس مايك بنس، قال ترامب أن على وزارة الدفاع البدء فوراً في الإجراءات الضرورية لتشكيل تلك القوة الفضائية، مؤكداً أن الولايات المتحدة لديها قوة جوية، وستكون لديها قوة فضائية، ومضيفاً أن القوتين ستكونان منفصلتين ولكن متساويتان. وجاءت تصريحات ترامب بعد ساعات قليلة من توقيعه مذكرة بخصوص إدارة الحركة في الفضاء، تهدف في الأساس إلى مراقبة الأجسام الفضائية، لتفادي الاصطدامات. مضيفاً أنه «عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أميركا، ليس كافياً أن يكون لدينا وجود أميركي في الفضاء، بل يجب أن تكون لدينا هيمنة على الفضاء».

وفي شهر نيسان الماضي، أطلقت شركة «لوكهيد مارتن»، بالتعاون مع شركة «بوينغ للفضاء»، صاروخاً من طراز «أطلس 5» إلى الفضاء، حاملاً معدات عسكرية، أبرزها أقمار اصطناعية متعددة الاستخدام، من ضمن عملها دعم الاتصالات العسكرية، وهو ما اعتبره مراقبون دخولاً عملياً للولايات المتحدة إلى ساحة حرب الفضاء التي كانت المنافسة فيها، حتى وقت قريب بين كل من روسيا والصين.

لكن يمكن اعتبار أن البداية الحقيقية لقرار الولايات المتحدة دخول ساحة حرب الفضاء، كانت في شهر آذار الماضي، حين اجتمع ترامب مع بعض العسكريين في سان دييغو. يومذاك، أعلن عن رغبته في إنشاء قسم جديد في الجيش الأميركي، مهمته التركيز على ملف حرب الفضاء، واستخدم مصطلح «القوة الفضائية». ولم يحمل اللقاء تفاصيل كثيرة عن الدور الحقيقي الذي سيقوم به هذا القسم، لكن ترامب قال في شكل واضح أن عمليات سلاح الجو ستعتمد في شكل كلي على الفضاء في المستقبل القريب.

وتظهر تقارير أن الولايات المتحدة بدأت تهتم بمصطلح «حرب الفضاء» عام 2014، بمجرد أن أطلق الروس قمراً اصطناعياً وُصف بالغامض، إذ كان يتحرك في شكل غير طبيعي في مداره، وتخوّف مختصون في علوم الفضاء وقتذاك، من أن تكون موسكو تقوم بتجريب سلاح فضائي مستقبلي، بهدف السيطرة على الأقمار الاصطناعية الأخرى غير الروسية أو تدميرها.

القمر الروسي الذي أطلق عليه اسم «Object 2014-28E»، صعد إلى الفضاء على متن صاروخ فضائي يحمل ثلاث شحنات أخرى، في عملية إطلاق سرية لم تعلن روسيا عن أهدافها الحقيقية في شكل رسمي، حتى يومنا هذا. وأعاد القمر الروسي الحديث مرة أخرى عن نجاح الصين في تدمير قمر اصطناعي صيني يحمل اسم «FY-1C» بصاروخ أطلق من الأرض في عام 2007. واستطاع الصاروخ الصيني تدمير القمر وتفتيته إلى 150 ألف قطعة، وبدأ الحديث وقتذاك عن أن الصين أرادت من هذه العملية اختبار مدى قدرتها على تدمير أقمار اصطناعية عدوة لها.

وكان تقرير نشرته صحيفة «بوليتيكو» الأميركية، منذ أسابيع قليلة، قد اعتبر أن البنتاغون يحاول جاهداً أن يحجز لنفسه مساحة في عالم حروب الفضاء، ومن أجل ذلك قام بضخ بلايين الدولارات لتقوية دفاعاته ضد الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية، إضافة إلى تدريب قواته على العمل في حال تعطل هذه الأقمار لأي سبب.

واعتبر التقرير أن الولايات المتحدة ليست جاهزة بالقدر الكافي لمنافسة روسيا والصين في هذه الساحة، إذ نجحت الأخيرتان بالفعل في تطوير وسائل لتدمير أو تعطيل الأقمار الاصطناعية، مع العلم بأن الجيش الأميركي يعتمد على الأقمار الاصطناعية في كل شيء تقريباً، بداية من جمع المعلومات ومروراً بتوجيه القنابل الدقيقة والصواريخ، وصولاً إلى التحكم في الطائرات من دون طيار.

لكن، على عكس ما يبديه ترامب من حماسة شديدة لأن تدخل بلاده مجال الحرب الفضائية، تواجه الفكرة انتقادات من عدد من كبار المسؤولين العسكريين، منهم رئيس أركان القوات الجوية الأميركية الجنرال ديفيد غولدفين، الذي قال في جلسة للكونغرس عُقدت عام 2017، إن تشكيل فرع جديد مخصص للفضاء سيجعل الولايات المتحدة تتحرك في الاتجاه الخاطئ. كما قال عضو مجلس الشيوخ الأميركي، الديموقراطي بيل نيلسون، إن هذا ليس هو الوقت المناسب لدخول أميركا هذا الملف، معتبراً أن الأمر سيتسبب في «تمزيق أوصال القوة الجوية» وفق تعبيره.

ويرى معارضو الفكرة أنها ستحتاج إلى موازنة ضخمة، قد تؤثر في كفاءة الجيش الأميركي على الأرض، خصوصاً موازنة القوات الجوية التي تشرف بالفعل على غالبية النشاطات العسكرية المتعلقة بالفضاء في البلاد.

لكن التساؤل الأهم: لماذا يهتم ترامب بأن تنضم «القوة الفضائية» إلى الجيش الأميركي سريعاً؟ وهل يمكن الولايات المتحدة أن تتفوق على الخطوات التي اتخذتها كل من روسيا والصين في إطار الملف ذاته؟ أليست هذه خطوة نحو استعادة منطق السباق إلى التسلح، وفقاً لمنظور حروب تبدأ الآن تجارية وتنافسية، وقد تتطور لأن تدرك الطابع العسكري في سياق حرب باردة فضائية، تجدد أثوابها، وصراعات تفتح آفاقاً غامضة أمام مغادرة السلم الدولي فضاءات المجتمعات والدول التي ما فتئت تعاني ويلات حروب الإرهاب، حيث يجري تكييفها وتوظيفها واستثمارها لمصلحة أطراف الصراعات الدولية والإقليمية ذاتها؛ على الرغم من مزاعم حروبها ضد إرهاب مجموعات رعتها ودربتها وسلحتها، لتستثمر في تلك الحروب، في ما يضاد مصالحها ومصالح شعوبها ومجتمعاتها والعالم أجمع.