Beirut weather 9.27 ° C
تاريخ النشر June 29, 2016 04:17
A A A
سد جنّة والقطبة المخفية
الكاتب: محمود الأحمدية - اليلد

“تقاس حضارة الدول على قدر ما تستطيع الاستفادة من كل نقطة ماء قبل وصولها إلى البحر”.
*
تعتبر السدود بكل المقاييس حلاً لتجميع مياه الأمطار والأنهر ووسيلة تقنية عالية ومهمة للاحتفاظ بثروة الوطن المائية والإستفادة منها…

الماء عنصر مهم في المثلث الذهبي للبيئة، اضافة إلى الهواء والتربة وبالتالي فإن أي موضوع ممكن التطرق إليه في قطاع المياه له بالتأكيد وجهه البيئي، فللتخطيط المائي الكمي والنوعي أثره على البيئة، وللشبكات والمجاري ومحطات التكرير وتنفيذها وصيانتها أثر هي الأُخرى على البيئة، والشروط التي يمكن وضعها على استثمار المياه والترخيص بالإستثمار، وحماية المصادر ومراقبة التعدّي عليها جميعها مواضيع بيئية بامتياز… فكيف بالحري إذا كان الموضوع خاص بالسدود وتأثيراتها على البيئة… فمن الشروط المعترف فيها عالمياً وقانون 444 اللبناني يعزز هذه الشروط وهو تقييم الأثر البيئي لمطلق أي مشروع قبل البدء بتنفيذه… وهنا تأتي المفاضلة بين اجتهادين وبخاصة في أهمية موضوع السدود: هل الضرر البيئي الناتج من اقامة السد وبالبعد الإنساني والحياتي والإجتماعي أقل أولوية من إقامة المشروع نفسه؟ في البلاد المتقدمة والتي سبقتنا بأشواط في المجالات كافة وبخاصة في المحافظة على البيئة يسرني أن أضع أمام ناظَريْ القارىء الكريم قصة احترام البيئة: في دولة الزوج ومنذ ثلاث سنوات كان هناك مشروع لربط أوسلو بمنطقة على بعد مئة وأربعين كيلومتراً بأوتوستراد يطبق الشروط العالمية لربط المدن ببعضها أقر المشروع بقيمة مايتي مليون دولار اميركي وقبل أن يطرح على المناقصة لإقراره والشروع بتنفيذه تفاجأ القيّمون بحقل من الورود والزهور على مساحة كيلومترين مربعين ويعد متنفساً للناس والأوتوستراد يمر في قلبه! واتخذت الحكومة النروجية قراراً بإلغاء الأوتوستراد وتغيير كل خرائطه لاستعمال مسارات أخرى ليس فيها أي ضرر على البيئة! تصوروا!!

أما في مشروع سدّ جنة فالسؤال البديهي الذي يطرح نفسه: هل أقيمت دراسة للأثر البيئي لهذا السد قبل الشروع بتلزيمه والبدء بتنفيذه؟؟ وأي ظروف أحاطت بالشركة البرازيلية عندما وقع الاختيار علها كمنفذة لهذا السد؟؟ وكيف لدراستين اجنبيتين اكدتا أن نوعية الصخور والتشققات التي تميزها تجعلها غير قادرة على المحافظة على مياه السد وبالتالي تسمح بتسربات خطيرة للمياه مما يخفف حجم الأمتار المكعبة التي سيخزنها سد جنة؟؟ والعلم أرقام ولا يحتمل تفسيرَيْن وغير وارد اللون الرمادي الذي يعد جريمة حقيقية بحق الوطن… هذا ناهيك عن قطع مئات الأشجار في منطقة تقع على منحدرات حرم نهر ابراهيم في بانوراما هي أقرب للاسم التي تحمله أي الجنة؟؟ وهذا ليس بنوستالجيا بل واقع وأرقام…

المأساة الكبرى في هذا الوطن أن المشاريع الحيوية تأخذها دائما بُعدها السياسي مع العلم أنه من البديهي أن يلعب الواقع التقني دوره الأساسي…
هذا لا يعني أنني ضد سياسة السدود بل بالعكس من الممكن اقامة السدود مثل باقي الدول الحضارية للاستفادة من مياهنا ولكن الأهم بما لا يقاس أن نختار المكان الذي يحمل المتطلبات التقنية المطلوبة ودراسة الأثر البيئي للسدود المقترحة… من الحرام أن يبقى ملايين الناس عطشى وأسرى للمناكفات السياسية التي تعيق اقامة هذه السدود ومن الحرام ايضاً وأيضاً ألا نبتعد قدر الممكن من الأماكن التي تعد وبكل المقاييس أماكن سياحية بمواصفات عالمية مثل منطقة سد جنة…

الآن وقد وقعت الواقعة واتخذ القرار فبكل راحة ضمير علمي أقول: تأكدوا من الدراسات العلمية الخاصة بهذا المشروع وإذا كانت على حق بالبعد العلمي فالرجوع عن الخطأ فضيلة وبخاصة في مشاريع معرضة للفشل طالما هناك شكوك بنوعية الصخور والتربة والتي لها مواصفاتها الخاصة نسبة للسدود… واقتراحي ومنعاً لأي التباس عندنا مجلس البحوث العلمية فلتوضع كل الدراسات أمامهم وعليهم يعود مسؤولية اختيار الحل الصح الذي لا يحتمل التأويل والمناقشة واضاعة الساعات لمجلس الوزراء في جدل بيزنطي وهناك حلان لا ثالث لهما: إما الإستمرار في المشروع بعد التأكد من كل الشروط والدراسات الموضوعة وإما الغاؤه بالرغم من كل الخسائر التي وقعت منذ بدأ تنفيذه منعاً للفشل الدائم
***

* رئيس جمعية طبيعة بلا حدود