Beirut weather 25.99 ° C
تاريخ النشر August 29, 2018 09:23
A A A
“مكتبة الحيّ المجّانية”.. ملاذ للقرّاء
الكاتب: العربي الجديد

 

3683401c3c5-d24e-43cf-85f1-71a8b59b2898
<
>

في غير ما شارعٍ في الخرطوم، تلفتُ انتباهَك صناديق صغيرة، تُشبه علب البريد، مثبّتةٌ إلى منازل أو مبان وفضاءات عامّة، وقد وُضعت على رفوفها كتبٌ متنوّعة، وأُرفقت بعبارةٍ تدعوك إلى وضعِ كتابٍ وأخذ آخر، وهي دعوةٌ يبدو أنها تلقى استجابةً واسعة من السودانيّين؛ إذ لا يكاد أيٌّ منها يخلو من الزوّار الذين يتحلّقون حولها.. يأخذُ بعُضهم كتباً معه، بينما يُفضّل آخرون القراءة على مقربةٍ منها.
هذه الصناديق هي جزءٌ من مشروعٍ يُديره ناشطون ثقافيّون سودانيّون باسم “مكتبة الحيّ المجّانية”. انطلق المشروع، قبل ثلاث سنواتٍ، كمبادرة فردية أطلقتها الناشطة الثقافية ملاذ حسين خولجي في الخرطوم، ثمّ لم تَلبث المبادرة أن كبرت وتوسّعت لتشمل عدداً من المدن والقرى السودانية.
تعتمد فكرة المبادرة على تبادُل الكتب؛ ففي ظلّ نقص المكتبات وفضاءات المطالعة العامّة، بدت هذه الصناديق المفتوحة، والتي طُليت بألوان زاهية، بديلاً مناسباً، خصوصاً أنها باتت تُوفّر كتباً يصعب الحصول عليها في المكتبات القليلة في السودان.
تقول مُؤسّسة المشروع، ملاذ حسين خوجلي، إن فكرة “مكتبة الحيّ المجّانية” أتت، في الأساس، كمحاولةٍ لحلّ مشكلة ارتفاع أسعار الكتب ونقص أو انعدام المكتبات العامّة في الأحياء والمدن السودانية، مضيفةً أن الهدف منها يتمثّل في توفير الكتاب وتشجيع الناس على القراءة، وأيضاً تعزيز قيمة الثقة في المجتمع السوداني.
بخصوص النقطة الأخيرة، تُبيّن: “الصناديق وما تحتويه من كتبٍ موضوعةٌ في أماكن عامّة، وهي متاحة للجميع بلا حرّاس ولا مفاتيح. أعتقد أن هذا يبعث برسالة إيجابية تُعزّز الثقة بين الناس؛ إذ يُمكن لأيّ شخصٍ أن يحصل على الكتاب الذي يُريد ويعيده أو يستبدله، من دون التشكيك في إمكانية إعادته أو التوجّس من تعرّض الصناديق إلى الإتلاف”.
وعن أسلوب عمل “مكتبة الحيّ المجّانيّة”، تقول خوجلي إن الكتب المعروضة متاحةٌ للإعارة أو الاستبدال، ولا يقتصر الأمر على الصناديق، إذ أطلق المشروع، أيضاً، عربات صغيرة في شكل مكتبات متجوّلة في المناطق السياحية. تُضيف بأن بعض القرّاء يأخذون كتباً معهم، في حين يجلس آخرون في المكان ليقرأوا كتاباً معيّناً: “وضعنا أمام المكتبات كراسيَ وكنبات، بعد أن لاحظنا أن كبار السنّ يُفضّلون الجلوس للقراءة أو للاطلاع على ما تحتويه المكتبة”.
تُشير خولجي إلى أن الفكرة موجودةٌ في قرابة ثمانين بلداً حول العالم باسم “little free library”، أي “مكتبة صغيرة مجّانية”، موضّحةً: “حين بدأنا بتطبيقها في السودان، كانَ علينا إيجاد ترجمةٍ قريبة من الإنسان السوداني، فاخترنا كلمة الحيّ لِما لها من دلالات اجتماعية؛ فطبيعة الحياة السودانية تتميّز بالتواصل في الأحياء وانفتاح الجيران على بعضهم البعض”.
في البداية، كانت خولجي، التي تعمل صحافيةً في إحدى القنوات التلفزيونيّة المحليّة، تصنع الصناديق بنفسها وتُثبّتها في أماكن محدّدة ثمّ تملؤها بالكتب. ولاحقاً، وبعد أن زاد عدد المكتبات وذاع صيتُها، استقطَب المشروع عدداً كبيراً من المتطوّعين الشباب الذين بادروا إلى المشاركة فيه، سواء بالعمل أو التبرّع بالكتب أو إرسال المساهمات. وقبل ستّة أشهر، جرى تسجيله كمشروع ثقافي بهدف الحصول على تمويل ومقرّ، أمران تعتبر المتحدّثة أنهما “ضروريّان لتحقيق هدفنا المتمثّل في توفير مكتبة لكل حي في السودان”.
كيف استقبل القرّاء والمؤسّسات الثقافية المبادرة؟ تُجيب خولجي عن هذا السؤال بالقول إن بساطة الفكرة وكونَها غير تقليدية في السودان، جعلاها تلقى رواجاً كبيراً، خصوصاً في أوساط الشباب. تضيف: “يُمكن تلمُّس ذلك من خلال إقبال الناس على المكتبات، أو تفاعلهم مع المبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأيضاً الطلبات الكثيرة التي تصلنا بإنشاء مكتبات في أماكن مختلفة. كما كان التعاطي الإعلامي معها إيجابيّاً”.
أما المؤسّسات، فتقول خولجي إنها أثنت على المشروع، لكن على استحياء، مضيفةً أنها، وبعد رواج المبادرة، تلقّت اقتراحاً من “المجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون” الذي عبّر عن رغبته في المساهمة في رعاية الفكرة كـ “مشروع أهلي”، وهكذا، ساهم في إنشاء عشرين مكتبة في سنار (وسط السودان) وعشراً في دنقلا، شمال البلاد.
هنا، تلفت خولجي إلى نقص المؤسّسات والمنظّمات التي تهتمّ بالكتاب والقراءة في السودان. لكنّها تستدرك بالقول إن ذلك لا يعني عدم وجود جمعيات أو مؤسّسات ثقافية تعمل في مجال صناعة الكتاب والتحفيز على القراءة: “خلال السنوات الأخيرة، تعرّفتُ على عددٍ كبير من المنظّمات المدنية التي تُحاول نشر المعرفة من خلال تشجيع الناس على القراءة؛ مثل “جمعية تعليم بلا حدود” التي تُنظّم تظاهرةً سنوية باسم “يوم القراءة”؛ حيثُ يجتمع الكثيرون في الخرطوم وفي ولايات أُخرى لقراءة الكتب ومناقشتها”.
وتُشير المتحدّثة إلى ما تعتبره عقبةً أساسية يواجهها المشروع، وهي التمويل: “في البداية كنتُ أنفق على المكتبات من مالي الخاص، ثمّ تواصلت معي شركات سودانية لتبنّي الفكرة. وبالفعل، أنشأَت إحداها مكتبات باسمها وموّلتها بالكتب، لكن ذلك لم يستمرّ طويلاً”.
اليوم، لم تعُد “مكتبة الحيّ المجّانية” مشروعاً خاصّاً بملاذ وحدها، كما لم يعُد مقتصراً على بعض أحياء الخرطوم؛ حيثُ جرى توفير مكتبات في ولايات مختلفة؛ في غرب السودان وشماله وشرقه. تقول خولجي: “مع انتشار الفكرة، جاءتنا طلبات من مدن وقرىً وأرياف أخرى لإنشاء مكتبات مماثلة. واليوم، قارب عددُها سبعين مكتبةً، ونسعى إلى إطلاق حملة لإنشاء ألف مكتبة حيّ مجّانية في آفاق 2019”.
ترى مؤسِّسة “مكتبة الحيّ المجّانية” أن اشتغالها على المشروع غيَّر لديها اعتقاداً سائداً في السودان مفاده أن القراءة باتت سلوكاً مهجوراً في بلدها: “اكتشفتُ أن الكبار والصغار شغوفون بالقراءة. المشرّدون أيضاً يُقبلون على الكتب ويندمجون معها”. تضيف ملاذ حسين خولجي أن ذلك يُؤكّد أن أزمة القراءة تعود في الأساس إلى نقص الكتب وارتفاع أسعارها، مُعتبرةً أن المبادرة قد تكون خطوةً صغيرة لتذليل تلك المعضلة.