Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر August 23, 2018 15:36
A A A
“تراب الغربة” لـ”ليا معماري” يروي قصة اهالي نينوى والموصل

كتاب “تراب الغربة” للزميلة الاعلامية ليا عادل معماري يروي قصة اهالي
نينوى والموصل مع التهجير، كتاب أبصر النور ليروي بتفاصيله هذه الحكاية الأليمة التي انتهت بفجر القيامة.
واليكم أبرز ما كتبت الزميلة معماري في مضامين كتابها الذي ابصر النور من انتاج قناة تيلي لوميار ونورسات.
“مسيحيو العراق لا يريدون مساواة انما امتيازات”.
” ١٤٠٠ سنة اضطهاد ومقايضة، ١٤٠٠ سنة غفران، ١٤٠٠ سنة حل وترحال” ماذا بعد؟ لا اجوبة تلوح في الأفق طالما داعش انتهى لكن الدولة الخلافية لم تنته”. بهذه الكلمات أطلت الزميلة الاعلامية ليا عادل معماري في قناة تيلي لوميار ونورسات لتجيب على جملة تساؤلات تثير قلق المسيحي المهجر من أرضه أو العائد اليها بعد درب آلام طويل تحت عنوان كتاب” تراب الغربة” الذي ينقل شهادات حياة الأخوة العراقيين العائدين الى شمال العراق” نينوى- الموصل” وما رافق هذا التهجير من تدمير للحجر والبشر وانتهاك حقوق الانسان والمقدسات والمقابر حيث يرقد الانسان في مثواه الأخير.
بداية، تحدثت معماري عن الأوضاع المعيشية التي رافقت المهجر في مرحلة تهجيره قائلا:” لقد وقفت الكنيسة الى جانب المهجرين وتضامن الكثير معهم، فضلا عن المساعدات التي قدمتها المنظمات الكنسية والمجالس الأسقفية، كل هذه المساعدات قد أسهمت في تخفيف الضيقات عن المهجرين سواء في مخيمات أربيل أو دهوك. وفي نهاية المطاف: التهجير هو تهجير والعودة يجب أن تتحقق”. وعن الأسباب التي دفعت المهجرين للعودة الى قراهم، لفتت الى ان نسبة الدمار في القرى المدمرة هي ما بين ٢٠الى ٨٠بالمئة، عاد المهجرون اليها من دون حماية ومن دون ضمانات وهذا الأمر من مسؤولية الدولة التي يجب عليها أن تطلب حماية لأن هذا الأمر هوليس من مسؤولية الكنيسة. وتابعت، ان طريق العودة كان شبه اجباري انطلاقا من الهاجس الدائر بأن تعود الحياة الى تلك القرى لا سيما بعد أن توقفت المنظمات عن تقديم برامج الاغاثة في المخيمات وخصصتها للقرى المدمرة ولمساعدة
الأهالي الذين قرروا العودة. وبالتالي نقول:” هل هناك أمان او ضمانات؟ الجواب لا. هل هناك مخاوف الجواب نعم. لأن وجودنا في تلك القرى هو وجود واقع بين الحكومات المتنازع عليها بين حكومتي العراق وأربيل كما ان هذه القرى ليس لديها القدرة في أن تتحمل الصراعات العسكرية لان هذه الأخيرة تؤدي الى انهاء الوجود المسيحي في القرى المتنازع عليها. وأشار أيضا الى أن الانسان المسيحي في هذا البلد لا يمكنه ان يطالب بتطبيق حقوق المساواة مع الٱخرين، انما يجب عليه ان يطالب بامتيازات تعطيه حق الأصالة والتأصيل في هذا البلد لا سيما ان المسيحيين معرضون للمضايقات والاضطهادات ولكن ليس باليد حيلة والى من نلتجىء؟. أضف الى ذلك، ان الذين هاجروا الى لبنان والاردن وتركيا يعانون ايضا من اوضاع صعبة وتبقى العودة هي الحل. لأن الاضطهاد ليس جديدا على المسيحي العراقي بل هو اضطهاد يومي. لأن الفكر الطائفي موجود وما يدل على ذلك حياة الانسان اليومية المعاشة والمضايقات ولكن علينا ان نقول كلمة كفى. لكن ما هو الحل؟ سؤال لا جواب عليه. لا سيما ان فكرة المصالحة والمبادرات التي اطلقت لم تجد نفعا ولم ترتق الى مستوى الحقيقة بل اقتصرت على اعتلاء المنابر فقط. فأي مصالحة نتحدث عنها اليوم؟ أي مساواة نريدها في ظل انتهاء كرامة الانسان؟. وعلى خط مواز، وبلغة ملؤها الأسى تحدثت الزميلة معماري بجرأة قائلة :”١٤٠٠سنة لم تخل من قصص الاضطهادات، واذا ما اردنا التحدث عن موضوع المسامحة والعيش مع الاشخاص الذين ارتدوا على المسيحيين بعد جيرة دامت سنوات، لا بد أن نؤكد ان المسيحي فمن الممكن ان ينسى ما حصل او يغفر للٱخر لكن من غير الممكن العيش معه لا سيما مع الاشخاص الذين تقاسموا معهم الخبز والملح ومن ثم انقلبوا عليهم في ليلة مظلمة، وما حصل في الموصل كان بمثابة “غزوة وغنيمة” وبالتالي يجب ان نكون على مستوى من الوعي الكامل وان نتخذ العبر من درب الٱلام الطويل الذي عاشه اهالينا واطفالنا.”. وعن السؤال عن دور الفاتيكان، نوهت الزميلة معماري بالدور الفاتيكان لا سيما ما قام به البابا فرنسيس تجاه الأزمات الدائرة بحيث زار العراق خلال مرحلة التهجير أكثر من خمسة كرادلة وذلك بهدف تشجيع المنظمات
الكاثوليكية لتقديم برامج دعم انمائية في مجال الطبابة والخدمات اللازمة وكل ذلك يعود الى الدور الرائد الذي لعبه الفاتيكان. وفي ما خص الوثائق والأوراق الثبوتية التي تعود للعائلات اكدت أنه لا توجد مشكلة في هذه المسائل وسوف يصار الى حلحلتها. وفي الشق التربوي، رأت أيضا انه لا توجد مشكلة في القطاع التربوي لا سيما ان الكنيسة قد اسست ١٤مدرسة من اجل الثبات على تعليم الأطفال وتفاديا لعدم تأخرهم عن الدراسة. وعن اوضاع ابناء الكنيسة في الخارج بعدما استحوذوا على تأشيرات للسفر، اوضحت ان اوضاعهم جيدة والتواصل معهم اكثر سلاسة من غيرهم ، انما الكنيسة تعاني في بعض الدول الاوروبية من نقص في الخدمة الرعوية وهذا مرده الى نقص الدعوات التي تثير قلقنا وتشغل بال الكنيسة.
مقابل ذلك، واذا ما تعمقنا اكثر بمشهدية القيامة علينا ان نتحدث عن قرى سهل نينوى التي أحيت القيامة وسط التدمير الذي ألم بها. لكن شعبها نطق كما حجارة الايمان فيها بعبارة: المسيح قام. كل شيء في هذه القرى” القوش، تللسقف، برطلة، قره قوش، كرمليس.- الموصل ….” شهد على قيامة المخلص، بدءا من اعادة الاعمار، فتح المحال التجارية، عودة الحياة الاجتماعية بين الاهالي، ازالة العبارات المسيئة لكرامة الانسان وللكنيسة، اعادة زرع المحاصيل الزراعية وفتح المدارس، نعم انها قيامة مطعمة بجرح كبير ولكنها تحققت بعد سنوات من التهجير القاسي. فهل ستبقى قيامة هذه القرى قائمة كقيامة السيد المسيح؟ لا سيما أنه “لم يكن من السهل على المهجرين العراقيين تقبل حقيقة أنهم نازحون، وما بين كفي التهجير القسري والرضوخ للواقع المؤلم، قرر المسيحيون العراقيون العودة الى أرض ٱبائهم واجدادهم رغم عدم وجود حماية او حصانة امنية من الحكومات المعنية، عادوا لانهم لاقوا في الكنيسة المرتجى والسفينة الخلاصية القادرة على احتواء محنهم وقساوة ظروفهم.
أما عصارة الألم الموجودة في مضامين كتاب” تراب الغربة” فتبرز جلية من شهادات الحياة التي روت قصص اهالي قرى نينوى والموصل و التي رصدتها الزميلة معماري بالصوت والصورة رغم مشقات الطرقات وخطورة الوضع، رصدتها لأنها أرادت أن تدافع عن قضية الوجود المسيحي الذي بات مهددا في هذه المنطقة التي تعيش الغليان الارهابي والتدمير الدامي، رصدتها لتقول:” ان مهنة الاعلام هي رسالة أكثرمما هي مهنة”، رصدتها لتبعث منها رسالة الى ذلك العالم القابع في غيبوته ومصالحه عله يستفيق قبل فوات الأوان. ومن هنا حملت الزميلة معماري عدتها الاعلامية في فصح العام 2018 وتركت عائلتها اسوة بسائر مهماتها الاعلامية في سوريا وسائر المنطقة لتشهد على فجرالقيامة الجديد من جهة ولتؤكد أن خشبة الصليب التي رأى فيها الآخرون عارا وشكا، هي بالنسبة للمسيحيين خشبة خلاص وفداء.
وعن الصورة المشهدية الأولى التي رافقت الاهالي عند عودتهم لخصتها الزميلة معماري بالقول:”ان الأهالي قد اصيبوا باحباط كبير لحظة مشاهدة منازلهم مدمرة مصابة بالخلع والتكسير والعبث بكل ذكرياتهم. لكنهم واجهوا الألم بالرجاء رغم الجرح الكبير واعادوا بناء منازلهم كما يريدون. ويأملون أن يصار الى تغيير في نظام الحكم، وان تتحقق حقوق المواطن وان يستتب الأمن لأن اذا ما تفاقمت الأمور ولم تصلح سيغادر المسيحيون مجددا،متسائلين : الى متى ستبقى كرامة الانسان المسيحي مسلوبة طالما داعش هزم عسكريا لكنه بقي فكريا؟
وعلى خط مواز، وبحسب كتاب” تراب الغربة” ان الأهالي عادوا الى ارضهم ولكن الخوف لا زال قائما، لكن هذا الخوف ليس محصورا بحسب رأيهم والاكليروس في بلدة دون أخرى، بل هو خوف بات يلف سائر منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي عادت العائلات، لان صليبها وايمانها أقوى من اي تهجير وخوف.”لا سيما بعدما باتت الأنفاق التي حفرها تنظيم داعش واستخدمها للوصول الى المركز والاحياء بات شاهدة اليوم على حقيقة واحدة ان المسيحي العراقي لا ينكسر بل يهزم الارهاب بايمانه وصليبه ومن هنا، سطرالأهالي درب آلام المسيح المستوحاة من آلامهم ليعلنوا للعالم كله:” انه كما تألم المسيح وقام. تألم الشعب العراقي وسينهض من تحت الركام وسيبزغ فجر القيامة. ووسط المشهد المؤلم المحاط بالدمار القاسي والبيوت المدمرة التي تسأل اصحابها عن استكمال عودتهم الى أرضهم، تعمل الكنيسة ومن خلال لجان الاعمار التي تدعمها المنظمات الكنسية بالمساعدة على اعادة اعمار البيوت المدمرة للعائلات العائدة. اما الخدمات من مياه وكهرباء واستشفاء وتعليم، فكلها مؤمنة رغم الوضع الاقتصادي الصعب، لا سيما ان الاهالي كانوا قد صرفوا اموالهم خلال مرحلة التهجير بعدما اقتلعوا قسرا وهربا. كما أن هناك العديد من المستمسكات التي تخص اراضي العائلات قد انفقدتو يصار الى حلحلتها كما ان الفلاحين قد عادوا الى زراعة أراضيهم التي احترقت بيد داعش لكن عامل الجفاف هذه السنة قد قلص نسبة المحاصيل الزراعية. واشارت الزميلة معماري أيضا الى ان عودة العائلات شكلت خطوة جريئة من شأنها أن تساعد على عودة العائلات المتبقية التي باتت بيوتها فارغة تنتظر اصحابها لينتشلوا منها الدمار، تنتظر اصحابها ليلملموا ذكرياتهم بها وتاريخهم. لافتة، الى ان التهجير هو امر صعب لكن ارادة الحياة هي الأقوى وهذا ما لمسناه من عودة العائلات ومن ايمانها الراسخ التي لا تهزه الرياح العاتية. ولكن البيوت المدمرة تسأل اصحابها اليوم: هل ستعودون لترتبطوا بماضيكم أم ستعيشون في انقطاع عن الماضي؟ على خط آخر، دخلت تيلي لوميار الى الأحياء والبيوت التي جعل منها تنظيم “داعش ” مقرا له من اجل محاكمة المسيحيين، ودون على جدرانها كلمات وعبارات تؤكد عمله الهمجي الجبان الذي لا دين له. كل شيء فيها مدمر، وان اختلفت نسبة الدمار والخلع والتكسير. كل واحدة من السيدات لديها قصة ورواية تروي مرارة الألم وعذابات الحياة والضيقات التي عاشتها في مدينة الموصل أو في بلدات نينوى حيث لا أمان ولا استقرار ولا سكينة سوى الجرح الكبير الذي دفع بالاهالي الى المغادرة، والصورة الأليمة للمسنات المتروكات اللواتي لا سند لهن سوى الكنيسة والراهبات. وما يزيد من قساوة الألم، هي حقوق الطفولة التي ضاعت وسط ارهاب داعش، هذا الارهاب الذي يتذكره كل طفل وترسخ في ذاكرته ولم ينساه ويكفي عندما نسأل كل طفل لماذا تهجرت؟ يجيب: ” داعش هجرنا”. وامام كل ذلك، تقول معماري:” مفردتان تختصران، قيامة المخلص في قرى سهل نينوى والموصل، مفردتان تعبران عن درب آلام وجلجثة طويلة ولكن الجلجثة انتهت بدحرجة حجر الارهاب والدمار الذي يدمي القلب الى قيامة شعب صمد بوجه هذه الجلجثة ليعلن بشارة الخلاص والفداء من خلال القيامة. وما بين ذكريات اهالي قرى سهل نينوى والموصل مع التهجير وقيامة المخلص، غصة كبيرة يتحدث عنها صوت فيروز الحزين” اليوم علق على خشبة”، هذه الترتيلة الحزينة تسأل:” ألن ينزل المعلق على خشبة؟ الن يهاجر هو أيضا؟ الجواب بحسب الأهالي: نعم لقد تألم المسيح على الصليب ومات وقبر وقام في اليوم الثالث. وهذا هو حال اهالي العراق الجريح الذين تهجروا وذاقوا لوعة خشبة الخلاص، واستشهد البعض منهم وغادر البعض الآخر، وضاعت حقوق الطفولة لكن القيامة تحققت انطلاقا من مقولة:” من يهرب من الصليب، يهرب من القيامة”.
نعم، لم تخل فرحة القيامة بالسيد المسيح من عبارات ملؤها الأسى، لم تخل تحرير قرى سهل نينوى من غصة اهاليها الذين لا زالوا يعيشون في مخيم آشتي” السلام” في أربيل_ كوردستان وذلك بسبب عدم عودتهم الى قراهم ك” باطنية” التي لا زالت مدمرة وتحت الركام الدامي وعدم قدرتهم على استئجار بيوت في القرى المحررة والآمنة. فقرروا البقاء في الكرافانات ورضخوا للواقع المعاش. وللوقوف على اوضاع المهجرين في مخيم آشتي، قامت تيلي لوميار بزيارة تفقدية الى الأهالي فلمست الظروف الصعبة التي يعيشها المهجرون وسط نقص كبير بمستلزمات الحياة لا سيما ان المنظمات الكنسية قد اوقفت مد المهجرين في الكرافانات ببرامج الاغاثة وحولتها الى القرى المحررة من اجل مساعدة العائلات العائدة. المهجرون لم ينسوا لغة داعش الارهابية ولا الطريقة التي تهجروا فيها قائلين:” نعم اننا شهداء أحياء، مهجرون بدموع لا تجف، ايتام، أرامل مشردة، هذا هو ما يبقى لنا بعد سنوات من سقوط نينوى والموصل، لم ننس التجاوزات والاعتداءات من الجماعات المسلحة التي أجبرتنا على ترك قرانا وبيوتنا بلغة التهديد والانتقال للعيش في مخيمات وكرافانات، نعم تبهدلنا انكسرنا لكننا حافظنا على قيمنا وايماننا ولم نغادر لكننا نريد العودة الى ديارنا لنعيش بكرامة واستقرار”. واذا ما نظرنا الى اوضاع المهجرين قبل تحرير قرى سهل نينوى والموصل،
فنجد ان المسيحيين كانوا أمام خيارين لا ثالث لهما إما البقاء والعودة الى الديار مع توفير حماية دولية واما الهجرة. اما اليوم فبات لهم خيار واحد هو العودة؟ لكن كيف تتحقق العودة في ظل عدم توفر امكانيات مادية لاستئجار منازل في القرى الآمنة. كيف السبيل الى ذلك في ظل عدم القدرة على اعادة بناء البيوت المدمرة بالكامل؟ كيف السبيل الى العودة في ظل عدم توفر الحماية الدولية؟ اسئلة تثير قلق من اراد البقاء في الكرافانات. وما بين المقلبين، عاش الاهالي فرحة القيامة وانهمكوا في تحضير الماكولات والضيافات الشعبية العراقية المستقاة من تراثهم ورفعوا الصلاة قائلين:” نحن ابناء وبنات المسيح مدعوون اليوم للقداسة أكثر من أي وقت مضى، لنكمل مشوار الحياة ولنكون شهودا للرب بالرغم من التحديات”.
واذا ما أردنا التعقيب على كتاب” تراب الغربة” المرتقب توقيعه في التاسع والعشرين من شهر ايلول المقبل عند الساعة السادسة مساء في مبنى تيلي لوميار- الدورة بحضور بطاركة الشرق وفعاليات من مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية ، لا نستطيع أن نقول سوى انه كنز مسيحي وعصارة ألم كبيرة أرادت أن تظهرها الزميلة معماري بشفافية مرفقة بفيلم وثائقي مصور لتكون هذه العصارة بمثابة رسالة انسانية علها تساهم في زرع بذور السلام انطلاقا من مقولتها:” اذا أردنا ان نعيش في مجتمع مسالم علينا ان لا نقابل الشر بالشر”.

(Visited 1 times, 1 visits today)