Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر June 28, 2016 05:37
A A A
تفجيرات التهجير للقاع تكشف مأزق داعش وجعجع
الكاتب: البناء

ثبت السقوط المدوي لعاصفة الشمال التي أعدّ لها الرئيس التركي رجب أردوغان بوضع مئات الآليات والمدافع بتصرّف جبهة النصرة وفتح الحدود لها لتمرير الآلاف من عناصرها المستجلَبين، بعد تزويدها بنوعيات جديدة من السلاح الغربي عبر السعودية، في ظل التطورات العسكرية التي يحملها الميدان السوري من مدينة حلب وجوارها، عن تقدّم عسكري بارز في محاور عديدة، وانكفاء هجمات النصرة بعد نجاح الجيش السوري والمقاومة والحلفاء باحتوائها، وعودة المشاركة الروسية في العمليات الجوية بفعالية عالية منذ زيارة وزير الدفاع الروسي لسورية وتوليه الإشراف على توجيه التعليمات اللازمة لسد الثغرات التي استفادت منها جبهة النصرة في تطبيق الهدنة.

لم تعد ثمة حاجة لمزيد من الانتظار، فقرر الرئيس التركي أن يبدأ التموضع على خط التسليم بسقوط مشروع السلطنة، وأوهام وأحلام العثمانية الجديدة، والعودة إلى مفاهيم تحتمي بشعار الأمن القومي التركي، فلا تذهب للتسويات، لكنها لا تقود الحروب، وتضع ثقلها لتفادي التوترات، فكلفة التطبيع مع «إسرائيل» بترويض حماس وقبول الحد الممكن من المكاسب مقابل الأمن «الإسرائيلي» تصير ثمناً مقبولاً، لمعونة «إسرائيلية» ضرورية لتخفيف خطر نشوء خصوصية كردية مسلحة على الحدود التركية السورية، والاعتذار من الرئيس الروسي عن إسقاط الطائرة الحربية الروسية قبل عشرة أشهر، بعد عناد ورهان على التصعيد، يصير ذلاً لا مشكلة فيه إذا كان الباب لتخفيض حجم الدعم الروسي للخصوصية الكردية، التي تموضعت في الحضن الأميركي.

يقرأ الخبراء الأتراك في كتاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي غير متأسفين على عدم الانضمام لكيان هش صار في طريق الزوال والتفكك فيتوجّهون بالنصح لأردوغان برسم خطوط الأمن القومي التركي بتخفيض التوتر مع الجوار وصولاً إلى مصر، ولو كان الثمن الخروج التركي من اللعبة الأخوانية. فقد قدمت تركيا لهذه اللعبة الكثير من رصيدها، وآن الأوان ليسدّد الأخوان بعضاً من فواتير الدين لتطبيع علاقات تركيا بروسيا وإسرائيل ومصر، مع التسليم بالحاجة الماسة لرسم سياسة جديدة تجاه سورية، بعد استكشاف حجم الاستعداد الروسي الإيراني للانفتاح والثقة بالتعاون مع حكام أنقرة.

فيما كان الأتراك يصيبون في يوم واحد عنواني المصالحة مع كل من إسرائيل وروسيا، كان السعوديون يشعرون بالعزلة فيطلبون وساطة فرنسا مع إيران، خصوصاً مع المعلومات الصحافية الفرنسية عن تفاهمات تمّت بين الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ووزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف، تطال فوق المصالح الاقتصادية العليا بمقايضة معاملة الشركات الفرنسية في إيران كشركات مفضلة بمعاملة المصارف الإيرانية في فرنسا كمصارف صديقة، تفاهمات سياسية تتصل بالملفين السوري واللبناني بينما شككت مصادر مقرّبة من الرياض بالحديث عن قبول سعودي بوساطة فرنسية مع إيران وأكدت مطالبة ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للرئيس الفرنسي بعدم التسرع بتطبيع العلاقات مع إيران، لأن ذلك سيكون على حساب العلاقات السعودية الفرنسية مبديا استعداد الرياض لتعويض فرنسا ما تتأمله من هذا التطبيع، فيما وصفته مصادر إعلامية فرنسية بالرشوة السعودية لتعطيل تفاهمات هولاند ـــ ظريف.

على خلفية الارتباك الدولي الإقليمي وسقوط المشاريع الإمبراطورية، وتقدّم حلف المقاومة في سورية نحو تثبيت مواقعه والتقدم نحو الإنجازات، بدا مأزق الذين راهنوا على سقوط سورية والمقاومة، مزدوجاً ومشتركاً، فقد جاءت التفجيرات المتتالية التي نفذها تنظيم داعش في بلدة القاع الحدودية، لتكشف حجم الحصار الذي يعيشه في ظل الطوق المحكم الذي يفرضه الجيش اللبناني من جهة والمقاومة والجيش السوري من الجهة المقابلة، وبين الفجر والليل تقدّم ستة انتحاريين ليقتلوا خمسة مواطنين، في صورة تعبر عن انتحار التنظيم ومشروعه ودرجة الضيق التي يعيشها، وسعيه لتهجير أهالي القاع والتمدّد نحو أرض يمكن العيش فيها، معتبراً أن البلدات المسيحية البقاعية هي الخاصرة الرخوة الممكن اختراقها وتهجير سكانها، بينما جاءت التفجيرات لتكشف درجة الحقد والكيد في توجيه خصوم المقاومة الداخليين، وفي مقدمهم القوات اللبنانية، التي سارع رئيسها سمير جعجع لتبرئة داعش من استهداف القاع، واعتبار الأمر مجرد صدفة جغرافية، قبل أن يتراجع عن تصريحه مساء، كاشفاً أيضاً حجم إرباكه وارتباك الحلف الذي ينتمي إليه محلياً وإقليمياً ودولياً أمام ما يجري في سورية، بالقدر ذاته الذي كشف فيه التلاقي في الخطاب الجامع بالعداء للمقاومة مع داعش.

لبنانياً، أطلقت التفجيرات مناخاً من الاستنفار الوطني الحكومي والعسكري والسياسي، كما حشدت أجواء التضامن والتأييد لأهل القاع وصمودهم، فصدرت المواقف المتتالية للقيادات السياسية تحفل بعبارات الاحتضان للقاع وأهلها، بينما يرتقب أن يكون الوضع في القاع موضوع لقاءات قيادية على مستوى عالٍ للقوى السياسية والحكومة والقيادات العسكرية والأمنية لوضع ترتيبات حماية ودعم تحول دون نجاح مخطط التفجير والتهجير.