Beirut weather 10.87 ° C
تاريخ النشر June 28, 2016 05:06
A A A
رهاب أوروبي وبريطاني
الكاتب: عامر راشد - سبوتنيك

التداعيات والمفاعيل السياسية والاقتصادية التي ستترتب على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تدفع باقي دول الاتحاد لاتخاذ لخطوات صارمة، منعاً لتفكك الاتحاد إذا انتشرت عدوى الحالة البريطانية، بينما تتخبط الأخيرة في أزمة سياسية وحزبية خانقة وبوادر أزمة اقتصادية، وتواجه المملكة المتحدة أيضاً خطر التفكك.

أقدم الاتحاد الأوروبي خلال الأيام القليلة الماضية على اتخاذ خطوات وإجراءات عقابية للمملكة المتحدة، على خلفية تصويت غالبية بسيطة من الناخبين البريطانيين لصالح خروج المملكة من الاتحاد الأوروبي، ولا تستهدف تلك الخطوات والإجراءات معاقبة بريطانيا فقط، من خلال تفعيل البند 50 من المعاهدة الأوروبية لتسريع خطوات خروج بريطانيا من الاتحاد، بل منع انتشار عدوى الحالة البريطانية إلى عدد من الدول الأخرى في الاتحاد، كانت قوى اليمين المتطرف فيها قد أعلنت عن ترحيبها بنتيجة الاستفتاء في المملكة المتحدة، ودعت إلى تنظيم استفتاءات مماثلة، في بلدان مثل فرنسا والدنمارك وهولندا والمجر.

ومن شأن طريقة التعامل السريعة والحازمة من قبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والدول الكبرى فيه، وكيفية تعاطيها مع الأزمة سياسياً واقتصادياً، أن يبعث برسائل شديدة اللهجة إلى أي دولة أخرى ستحاول السير على خطى المملكة المتحدة، بأن عقوبات مؤلمة ستكون بانتظارها، وفي الوقت نفسه تقديم حوافز للبقاء في عضوية الاتحاد، والانفتاح على إجراء مجموعة إصلاحات لهياكل الاتحاد، وإدخال تعديلات القوانين والتشريعات الناظمة لعمل مؤسساته، بما يوفر مساحة أكبر لحكومات الدول المنضوية في الاتحاد، لاسيما في مواضيع إشكالية مثل اللاجئين والهجرة والرعاية الاجتماعية والاتفاق العام والأمن، وهي القضايا التي دفعت ما يقارب 52 من الناخبين البريطانيين للتصويت إلى جانب الخروج من الاتحاد الأوروبي.

غير أن هموم قادة الاتحاد الأوروبي لا تقف عند حد تداعيات ومفاعيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فالأزمة المالية التي عصفت بمنطقة اليورو مازالت قائمة، وتواجه العديد من دول الاتحاد مشكلة في معدلات النمو الاقتصادي، وبعضها مثل اليونان تعاني من حالة شلل اقتصادي، ومن المتوقع أن يطفو على السطح مجدداً، في الفترة القريبة القادمة، النقاش حول احتمال تفكك منطقة اليورو، أو تقليص دول الاتحاد.

ستيفن ماكغلنتشي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة غرب إنكلترا، يرجع سبب ما سبق إلى قضيتين رئيسيتين:

الأولى: ثمة إشكاليات هيكلية تتعلق بالوحدة النقدية، ولن يتم حلها إلا من خلال الوصول إلى مقدار أعمق من التكامل، ولكن حتى إذا توافرت الإرادة للقيام بذلك، تبرز الحاجة إلى معاهدة جديدة للاتحاد الأوروبي، ولا يزال الأمر غير واضح بشأن مدى إمكانية تحقيق ذلك. وعلاوة على ذلك، فإن التوقعات الاقتصادية لأوروبا ليست قوية، وتبدو إغراءات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي قوية بالنسبة إلى الدول.

والثانية: أثارت أزمة اللاجئين جدلاً مفتوحاً حول إحدى الركائز الأساسية للسوق الموحدة، بمعنى حرية حركة الأشخاص في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، وقد تكون عاملاً من العوامل التي ستقود إلى انهيار المشروع الأوروبي الموحد في نهاية المطاف.

ويخلص ماكغلنتشي، في مقال نشرته مجلة “ناشونال انترست” الأميركية، إلى أنه بغض النظر عن النتائج النهائية للاستفتاء، فإن التداعيات الحقيقية تتجاوز حدود بريطانيا.. الواقع أن الاتحاد الأوروبي هو الذي يواجه مجموعة خطيرة من التحديات، وفي سبيل مواجهتها يحتاج المشروع الأوروبي إلى وجود لاعب رئيسي مثل بريطانيا لكي تكون الحلول المستقبلية للمشاكل الوجودية قوية ومدروسة جيداً، وبخلاف ذلك، ربما يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمثابة نقطة تحول تشهد بداية انهياره.

خلاصة يتفق كثيرون معها، بيد أنها تتسم بأنها أحادية الجانب، ففي قراءة معاكسة أدخلت نتيجة الاستفتاء بريطانيا في مأزق سياسي حاد، ووضعها تحت ثقل ضغوط اقتصادية كبيرة، ناهيك عن دعوات الخروج من المملكة المتحدة، ويشهد حزب “المحافظين” (الحاكم) و”العمال” (المعارض) أزمة سياسية وتنظيمية عميقة، من جهة ثانية أعلنت رئيسة الوزراء الاسكتلندية، نيكولا ستيرغن، أن حكومتها تعد لتقديم تشريع يسمح بإجراء استفتاء ثانٍ على الاستقلال عن المملكة المتحدة، وسط تأكيد استطلاعات للرأي بأن غالبية الاسكتلنديين سيصوتون من اجل الاستقلال عن المملكة المتحدة، وأضافت ستيرغن بلهجة حازمة: “المملكة المتحدة التي صوّتت اسكتلندا في عام 2014 للبقاء فيها لم تعد موجودة”.

مأزق أوروبي وبريطاني مزدوج يتدحرج ككرة ثلج، لكن من غير المستبعد حدوث تطورات دراماتيكية، كأن يستجيب مجلس العموم البريطاني (البرلمان) للعريضة التي وقع عليها حتى الآن أكثر من 3 ملايين بريطاني، وطالبوا فيها بإجراء استفتاء ثان يجددون فيه تمسك بلادهم بالاتحاد الأوروبي، كما أنه ليس من المستبعد أن ترجح كفة المسؤولين الأوروبيين الداعين لإعطاء بريطانيا فرصة لإعادة النظر في قرارها.. كل هذا تحت تأثير حالة من الرهاب (الفوبيا) تعتري الأوروبيين والبريطانيين، الذين لا يمتلك أي منهم حلولاً سحرية للتخلص من مخاوفه ومشاكله الراهنة والمستقبلية.