Beirut weather 10.87 ° C
تاريخ النشر June 28, 2016 03:48
A A A
كيف حصلت المجزرة المزدوجة؟ مصادر عسكرية تروي
الكاتب: الجمهورية

روت مصادر عسكرية لـ«الجمهورية» تفاصيلَ العملية الارهابية التي حصلت فجراً في القاع، وقالت: قرابة الرابعة فجر أمس، كانت عائلة مقلّد ملازمةً منزلها في البلدة وتحيي «ليلة القدر»، ولكن سرعان ما شعر أهل البيت بحركة في حديقة المنزل، فخرج احدهم ليلاحظ وجودَ اربعة اشخاص منزوين في إحدى زوايا الحديقة. فحاولَ مقلّد الاستفسار عمّن هم، فعاجَله احدهم بالقول «نحن من مخابرات الجيش ولدينا مهمّة نقوم بها، فادخُل الى منزلك».

هنا، يضيف المصدر، إرتابَ مقلّد لأمرهم، على رغم انّ اللهجة التي قابلوه فيها لا توحي بأنّها غير لبنانية، فضلاً عن انّه لاحظ انّ أجسامهم غير طبيعية وكأنّ بعضَهم يحمل حقائب صغيرة على صدره. فعاد وسألهم إذا كان ضرورياً ان يكونوا في حديقة منزله، لأنّ ما قد يحصل يمكن ان يهدّد عائلته.

ودار جدال بينهم، عندها نَهرَه أحدهم بصوت عالٍ، فسارَع مقلد الى منزله وأحضَر «بندقية خرطوش» وأطلقَ النار في الهواء، فما كان من أحد الاربعة إلّا ان هرع نحوه وفجّر نفسَه، ما أدّى الى إصابة مقلد وابنه بجروح.

وبعد وقت قصير، يتابع المصدر، سارعَت الى المكان قوّة من الجيش اللبناني المتمركزة في المنطقة، ولكنّها ما إن وصلت الى المنزل حتى سارع اليها انتحاري ثانٍ وفجّر نفسه بالقرب منها. وفي الوقت ذاته كانت سيارة إسعاف تابعة للمطرانية قد وصلت الى المكان، فسارَع اليها انتحاري ثالث وفجّر نفسَه قربها. وبالتزامن هرع بعض المواطنين الى مكان الانفجارات لاستطلاع ما يجري، فما إن تجمهرَ المواطنون حتى بادر الانتحاري الرابع الى تفجير نفسه بالقرب منهم. وكلّ ذلك تسبّبَ بسقوط الشهداء والجرحى.

وبحسب المصدر العسكري فإنّ التحقيقات بوشرَت فوراً وتقوم العناصر المعنية بإجراء الفحوصات والتدقيقات اللازمة في بعض الاجسام المعدنية والهواتف والشرائح الهاتفية. كما لوحظ انّ أشلاءَ الانتحاريين لم تحُل دون التمكّن من معرفة هويات ثلاثة منهم، وهم من التابعية السورية. أمّا الانتحاري الرابع فما زالت الاختبارات مستمرّة لمعرفة هويته.

ومع ساعات النهار، أخذَت القاع تلملم جراحَها وتعدّ العدة لوداع أبنائها الشهداء من خلال إقامة مراسم الجنّاز في كنيسة البلدة، التي تحوّلت مع محيطها الى ساحة للمتضامنين مع الشهداء وذويهم، حيث تجمّع العشرات من ابناء البلدة، إلّا انّ المجرمين الذين لا يعرفون للموت والشهادة حرمةً، استغلّوا هذا التجمّع ليضربوا ضربتهم وسط المواطنين بهدف إيقاع اكبر عدد من الشهداء.

وأوضحَت قيادة الجيش تفاصيل التفجيرات الارهابية الليلية، مشيرةً الى أنّه «عند الساعة 22،30 مساء الاثنين، أقدمَ أحد الإنتحاريين الذي كان يستقلّ درّاجة نارية على رميِ قنبلة يدوية باتّجاه تجمّع للمواطنين أمام كنيسة البلدة، ثمّ فجّرَ نفسَه بحزام ناسف، تلاه إقدام شخص ثانٍ يستقلّ درّاجة على تفجير نفسِه في المكان المذكور، ثمّ أقدمَ شخصان على محاولة تفجير نفسَيهما حيث طاردت وحدة من مخابرات الجيش أحدهما، ما اضطرّه الى تفجير نفسه دون إصابة أحد، فيما حاولَ الإنتحاري الآخر تفجيرَ نفسه في أحد المراكز العسكرية، إلّا أنّه استُهدف من قبَل العناصر، ما اضطرّه أيضاً إلى تفجير نفسه دون التسبّب بإيذاء أحد».

وفيما ذكر الصليب الأحمر اللبناني أنّ ثمانية أشخاص قد جُرحوا، أحدثَ الهجوم الإرهابي هلعاً في صفوف ابناء البلدة، وزادته شائعات عن تحضيرات للمجموعات الارهابية للقيام بعمليات اكبر ضد القاع، فيما كثّف الجيش اللبناني حضوره في البلدة وقام الفوج المجوقل بدوريات مكثّفة ترافقت مع مداهمات في بعض الامكنة للتأكد من عدم وجود انتحاريين متوارين.

وفي وقتٍ اتّخذت إجراءات مشددة داخل البلدة، نفّذت وحدات الجيش عملية قصف عنيف لمواقع الارهابيين في جرود القاع، وأكدت قيادة الجيش وقوع عدد من الإصابات في صفوف المواطنين جرّاء التفجيرات الارهابية الليلية.

ودعَت اهالي القاع الى عدم التجمّع في أي مكان داخلها، وإلى التجاوب التام مع الإجراءات الأمنية التي تنفّذها قوى الجيش للحفاظ على سلامتهم. كما اعلن محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر فرضَ حظر التجوّل على النازحين السوريين.

إلى ذلك، اكّدت مصادر امنية انّ التحقيق العسكري يسير بوتيرة سريعة بهدف إماطة اللثام عن كلّ ما يعتري هذا الهجوم الارهابي وأبعاده. ويركّز التحقيق على ما يلي: من أين أتى الارهابيون الى القاع؟ هل أتوا من مخيّم النازحين السوريين الذي يبعد ثلاثة كيلومترات عن البلدة؟ هل أتوا من خارج الحدود، أي من داخل سوريا؟ هل أتوا من مخيّم للنازحين في منطقة لبنانية اخرى، كعرسال مثلاً؟ لماذا تمركزوا في حديقة المنزل المذكور؟

وكيف وصَلوا إليه؟ هل كانوا ينتظرون أحداً ما ليقلّهم الى خارج القاع؟ وإنْ صحَّ ذلك، فهل هذا الـ»أحد ما» لبناني أم سوري من النازحين الموجودين في البلدة أم هو من خارجها؟ ومن أين أتى الانتحاريون الاربعة الذين نفّذوا العمليات الليلية، أين كانوا مختبئين ومَن كان يؤويهم، ومِن اين استقدموا الدرّاجات النارية ومن سلّمهم إياها وأين تمّ تسليمها وأيّ طريق سلكت تلك الدرّاجات الى القاع؟

الواضح بعد تفجيرات الليل انّ القاع هي المستهدفة بشكل رئيسي. إلّا انّ ذلك لم يلغِ الاحتمالات الأخرى حول الهدف الحقيقي للإرهابيين.

وفي هذا السياق ، قالت مصادر عسكرية لـ«الجمهورية» إنّ المخابرات العسكرية كانت قد وقفَت منذ فترة على معلومات إستخبارية تفيد بتحضيرات للمجموعات الارهابية بالقيام بعمليات إرهابية في بعض المناطق اللبنانية خلال شهر رمضان، وحذّرت من انّ الايام العشرة الاخيرة من شهر الصوم قد تكون الأخطر.

وعليه، رفعت الاجهزة العسكرية والامنية من مستوى جهوزيتها في العديد من المناطق اللبنانية وخصوصاً في الضاحية والبقاع، للحؤول دون تحقيق تلك المجموعات لمراميها.

كيف حصلت المجزرة المزدوجة؟ مصادر عسكرية تروي

كما تلفت المصادر الانتباه الى انّ وجود اربعة انتحاريين دفعةً واحدة وفي مكان واحد، يعني انّهم كانوا بصَدد تنفيذ عملية ارهابية كبيرة، وأمّا المكان المستهدف فيبقى تحديده رهناً بالتحقيق الذي بدأ حولَ هذا الامر.

ولكن، تضيف المصادر، يجري النظر في احتمالات عديدة للهدف المحدّد من قبَل الارهابيين:

الاوّل، إستهداف الباصات العسكرية التي تقلّ العسكريين من القاع الى مراكزهم العسكرية في المنطقة.

الثاني، إستهداف بلدة القاع نفسِها بتفجيرات متتالية تلحِق فيها مجزرة دموية، لتحقيق هدف تخويف أبناء المنطقة من جهة، ومن جهة ثانية تأليب أبناء المنطقة وكلّ المناطق المسيحية الاخرى على «حزب الله» وتحميله مسؤولية انّه لولا مشاركته في الحرب في سوريا لَما كان حصَل ما حصل.

الثالث، إستهداف «منطقة ما» في خارج القاع، فربّما كان وجودهم في حديقة منزل مقلّد لانتظار أحد ما لينقلَهم الى منطقة معيّنة في البقاع أو بيروت والضاحية لتنفيذ عمليتهم في إحدى مناطق نفوذ «حزب الله»، خصوصاً خلال إحياء ليلة القدر.

الى ذلك، أكّدت قيادة الجيش أنّ العملية الارهابية الاولى نفّذها الانتحاري الاوّل في الرابعة والثلث فجراً، تلاه الانتحاريّون الثلاثة بتفجير أنفسِهم في فترات متتالية مستخدِمين أحزمة ناسفة زِنة الواحد منها كيلوغرامين من المواد المتفجّرة والكرات المعدنية، ما أدّى الى استشهاد عدد من المواطنين وجرح عدد آخر بينهم اربعة عسكريين كانوا في عداد إحدى دوريات الجيش التي توجّهت إلى موقع الانفجار الأوّل.

وقوبلت الجريمة الارهابية بموجة استنكارات محلية وخارجية أبرزُها من السفارتين الاميركية والبريطانية والامم المتحدة والاتحاد الأوروبي والسعودية والحكومة الاردنية.