Beirut weather 18 ° C
تاريخ النشر August 17, 2018 04:55
A A A
مَن يُجدِّد وظائف الإرهاب في الإقليم؟
الكاتب: د. وفيق إبراهيم - البناء

يرفضُ المشروع الغربي الاستسلام لهزيمة الآليات الإرهابية التي دعمها لتدمير الشرق الأوسط في السنين السبع الماضية، وهو دعم لا يمكن إنكاره.

وأخطر ما فيه وجود اتجاه أميركي قويّ لإعادة توظيف هذا الإرهاب على مستويين: أولاً في إعادة ضبط بعض البلدان المتفلتة نسبياً الالتزام الحرفي بالأوامر الأميركية، وثانياً قذف هذا الإرهاب نحو بلدان فيها بيئات حاضنة من الممكن إعادة تنشيطها بوسائل التحشيد التقليدية من مذهبية ودينية وعرقية.

وهذا يعني أن جبهة المقاومة مستهدفة في مواقع انطلاقاتها الوطنية في مشاريع الإرهاب المتجدّد بشكل رئيس.

قد يتبادر إلى الذهن أين هي المناطق التي بدأ الإرهاب يتسلل منها نحو معاقله الجديدة؟ وكيف بإمكانه قطع آلاف الكيلومترات لإدراك أهدافه.

الإجابات المنطقية تعتبر أنّ منطقة إدلب المحاذية لتركيا، وفي جنوب سورية المحاذية للاحتلال الأميركي في قاعدة التنف السورية المجاورة للعراق والمطلة على الأردن هي المواقع الاستراتيجية لتسلل هذه الجماعات. وقد بدأت فعلياً ومنذ أشهر عدة بالتراجع بمجموعات صغيرة نحو الأردن والعراق وتركيا… ويبدو أنّ المناخات السياسية الدولية والإقليمية المعادية لحزب الله ترعى إعادة ضخ عشرات المجموعات الإرهابية الى شمالي لبنان وبعض النقاط الخفية في ثلاث مدن كبرى ساحلية، بالاضافة الى أوكار في مخيمات فلسطينية في العاصمة بيروت وصيدا من دون نسيان مصر التي تشهد حالياً صعوداً في نشاطات الإرهابيين.

بداية تؤكد الاشتباكات بين الجيش الأردني وبعض خلايا الإرهاب في مدينة السلط، نجاح داعش في الانتشار الى بيئاته الحاضنة، والطريف أنّ فرنسا التي تعي بعمق أنّ مشكلة العرش الهاشمي هي حاجته الحصرية الى الدعم الاقتصادي، فإذ بها تَعرضُ عليه إسناداً عسكرياً لمراقبة حدوده مع سورية والعراق علماً أنّ جيش الاردن من القوى العسكرية الوازنة في المنطقة، ولا يحتاج إلا الى أجهزة مراقبة الكترونية، أسعارها أعلى من إمكاناته. وهذا ما يمكن تفسيره بالمحاولة الفرنسية الحديثة بإيحاء أميركي لتطويق سورية المنتصرة من مختلف حدودها.

وما يمكن تأكيده هو أن أحداث السلط هي مقدّمة لصراعات كبيرة يجري إعدادها بدقة من قبل أجهزة المخابرات الغربية والإسرائيلية.

واختيار الأردن إنما جاء بهدف إعادة الضغط على الهاشميين وحصرهم في مشروع حصار سورية من دون الأخذ بعين الاعتبار بمصالح الأردنيين المحتاجين الى كلّ أنواع الدعم الاقتصادي والخائفين من انفجار الوضع الداخلي بين أردنيين وفلسطينيين يحملون الجنسية الأردنية، وذلك بهدف وضع الأردن ضمن احتمال تحويله بديلاً من فلسطين المحتلة إذا سقطت صفقة القرن، كما تدلّ المؤشرات لجهة تنشيط الإرهاب في مصر فيُجسّدُ محاولة غربية – خليجية لوضع إمكانات القاهرة في خدمة المشروع الغربي الإسرائيلي الخليجي في وجه إيران وروسيا التي تحاول التمدّد نحوها.

وبالفعل ذهب السيسي الى السعودية مطالباً بمعونات اقتصادية لمنع الإرهاب من التحرك فيها بدعم من جهتين: الطرف الإقليمي والغربي والأخوان المسلمين في الداخل، وذلك بالتسلل من ليبيا والسودان وصحراء سيناء. وهناك من يضع تونس خياراً هاماً لتسلل إرهابيين إليها بأعداد كبيرة أتوا أساساً الى سورية والعراق من مختلف مناطقها.

إلا أنّ الصين بما تعنيه من قوة كبرى عالمية تكاد تسبق الاقتصاد الأميركي بسلعها الرخيصة، من المستهدفين الأساسيين، لأنها تحتوي على بيئة حاضنة هم مسلموها الذين لا يشعرون بالانتماء اليها مقدمين أنفسهم من ذوي الأصول التركية.

بالإضافة الى الموقع الاقتصادي الثانوي الذي يشغلونه في التراتبية الطبقية الصينية.

وهذا ما حدا بالمخابرات الصينية الى التعاون مع نظيرتها السورية لتحديد مواقع إرهابيي الأيغور، ودفع السياسة الصينية الحذرة والمعتادة على إطلاق تصريحات غير واضحة الى تأييد الدولة السورية وإعلان استعدادها لمساندتها في معركة تحرير إدلب المرتقبة. وبكين تعرف تورط الدور الأميركي في إعادة ترحيل إرهابيين الأيغور إليها انطلاقاً من مناطق أفغانية ومتنوّعة.

على المستوى الروسي، هناك استشعار بإمكانية تسلل إرهابيين روس الى مناطقهم في القسم الإسلامي فيها، لكنها أصبحت تمتلك خبرات جديدة بتحويلهم جماعات مرفوضة من بيئاتها أقرب الى العصابات منها الى «التنظيمات الجهادية» المزعومة.

أما العراق، فإنه لم ينته من الإرهاب على الرغم من انتصاره عليه على مستوى البلاد. ومن المؤكد أن مجموعات إرهابية كبيرة تسللت الى مناطقه الوسطى ومحافظة الأنبار بإشراف أميركي كامل، وذلك لإعادة إجهاض ولادة عراق جديد قويّ بتماسكه الداخلي وانفتاحه على علاقات عميقة بسورية مع دور إقليمي تدريجي.

ولن يتحرك الإرهاب العراقي بشكل واسع إلا في حالة نجاح الأحزاب السياسية المتنوّعة مذهبياً، وقومياً في إنتاج حكومة وحدة وطنية في العراق، فعندها يتحرك الإرهاب بإسناد أميركي لإعادة تدمير الوحدة الداخلية المنتجة عادة للاستقرار السياسي والاقتصادي.

تدفع هذه القراءة الى ربط الحرب الأميركية المباشرة على إيران وتركيا بحروب الإرهاب في المنطقتين العربية والإسلامية.

لجهة لبنان، فإنّ الرصد الخليجي الأميركي لتطوّراته السياسية في الداخل بعد الانتخابات النيابية التي فاز بها حزب الله وتحالفاته مع التيار الوطني الحر، تجعل من احتمالات التفجير فيه كبيرة وذلك لاحتوائه على مناخات سياسية متشنّجة تتصارع على شكل الحكومة المقبلة ومن يسيطر على أهم أداة سياسية لإنتاج القرار في لبنان.

هذا مجرد جانب تفصيلي من الأزمة يستثمره الأميركيون والسعوديون لعرقلة محاولات حزب الله أداء دور سياسي متواضع لا يعادل حتى مجرد جزء من قواه الإقليمية والداخلية ووسيلتهم الأولى عرقلة التشكيل حتى يخضع حلف المقاومة لحكومة فيها غالبية من حلفاء السعودية وأميركا تُخالف بالطبع موازين القوى السائدة.

وبإمساكهم بمجلس الوزراء الجديد كما يشتهون يسيطرون على الدولة مجهضين مشروع ولادة عهد قوي في دولة قوية تضع حداً لدولة الحريرية السياسية التي أفلست لبنان بهيمنتها على قراره منذ 1992.

إنّ خطورة هذا المشروع الأميركي السعودي تكمن في امتلاكه مشروعاً بديلاً عن تشكيل حكومة لبنان.

ويتعلق بمشروع دعم مجموعات إرهابية كبيرة لها بيئاتها الحاضنة في الشمال والمخيمات وبعض المناطق الأخرى في المدن، ونجح القسم الأكبر منها في التسلل من إدلب وجنوب سورية الى مناطق لبنانية متعددة، لكنه ينتظر اشارة الانطلاق لتنفيذ عمليات مستغلاً التشنّج الداخلي الذي تسبّبت به خطابات رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الذي يهاجم سورية وإيران وكندا، لإرضاء المشغلين السعوديين فقط متناسياً نحو مئة ألف لبناني بين مجنّس وموظف يعملون في المدن الكندية، متغافلاً أنّ لبنان بأدواره الأساسية هو الذي يحتاج إلى المواصلات السورية ليصل الخليج وليس العكس، ومؤسساً كعادته مناخات توتر مذهبية وسياسية يعملُ الإرهاب في أجوائها كالعادة.

فهل ينجح الجيش والمقاومة في تعطيل البؤر الإرهابية الجديدة؟ وهل يعود الحريري الى تأليف حكومة جديدة متوازنة توفر الاستقرار وتنسف المشروع الإرهابي؟

(Visited 1 times, 1 visits today)