Beirut weather 17 ° C
تاريخ النشر June 27, 2016 04:02
A A A
«شرطي العالم»… يريد راتباً من الخليج!
الكاتب: عماد المرزوقي - الراي

مات محمد علي كلاي مسلماً، وقلص بموته حملات كراهية ضد الاسلام والمسلمين في الولايات المتحدة يقودها رجل أعمال ثري ومتعصب ومتهور نجح في الوصول الى التنافس على عرش البيت الأبيض، مستفيداً من أصوات الخائفين من تنظيم «داعش» الذي أرعب العالم. لكن ما كادت موجة الغضب و«الاسلامفوبيا» تهدأ في اميركا بعد الوداع الأخير لأعظم رياضي مسلم، كما وصفه الرئيس باراك أوباما، حتى فتح شاب اميركي مسلم من أصل افغاني،«ابواب الجحيم» على المسلمين والأميركيين أنفسهم في الولايات المتحدة، وأهدى مجدداً فرصة ذهبية للمرشح الجمهوري دونالد ترامب، لتزيد حظوظه في كسب مناصرين جدد من المترددين سابقا لدعمه، والخائفين من رعب «داعش» الذي تبنى مجزرة اورلاندو، التي اسفرت عن مقتل 49 شخصاً من مثليي الجنس، إضافة الى سقوط عشرات الجرحى، في عملية وصفت بالأكثر خطورة بعد احداث 11 ايلول 2001.

لكن وان كان «داعش»، عدو العالم والبشرية لا يميز بين دولة اسلامية او اجنبية، فان ترامب يسوق في حملاته الانتخابية لأفعال «داعش» و«القاعدة» وكل تنظيم ارهابي، على انها افعال الإسلام والمسلمين، ويتهم الشرق الأوسط برمته بانه «الحاضنة»، ودولاً خليجية بتغذية الارهاب وبمسؤوليتها عن احداث 11 ايلول، واعلن انه في حال اصبح رئيساً فسيعمل على تغيير نمط التحالفات في المنطقة، وأن على«شرطي العالم»أن يتلقى اجراً لقاء حمايتها للحلفاء، على غرار دول الخليج، ضد خطر سوقت له واشنطن على مدى سنوات، وهو خطر ايران، إضافة الى خطر الارهاب، على سبيل المثال.

لكن هذه النظرة الى العلاقات الدولية مع الخليج، تجاه الخطر الايراني المحتمل، وحتى أوروبا، في مواجهة توسع «الدب الروسي»، على أساس الابتزاز المالي، وان لاقت استهجاناً من الداخل قبل الخارج، فان القوة الشعبية الداعمة لها قد تزيد بزيادة وتيرة لعب ترامب على إثارة مشاعر الكراهية بين الأميركيين البيض خصوصاً ضد المسلمين، حيث يعتبرهم اقليات ويجب طردهم. فهل الأفغاني عمر متين، «قاتل الشواذ» في الملهي الأميركي في اورلاندو، وفر الذريعة التي يبحث عنها ترامب لاشعال حربه النفسية ضد الاسلام والمسلمين والشرق الأوسط والخليج؟ وهل ينجح اسلوبه الاستفزازي الذي يتبعه في ممارسة ضغط نفسي اكثر على الناخب الأميركي بهدف دعمه في سباقه على الرئاسة ضد المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون؟

يقول المحلل السياسي عبدالواحد خلفان في تصريح لـ «الراي»، ان«الكويتيين تابعوا باهتمام وقلق بالغين، صعود ترامب المفاجئ في السباق الرئاسي على اساس استفزازه للعالم والمسلمين ودول الخليج بخطاباته الاقصائية». وبيّن ان «السياسة الأميركية في الشرق الأوسط والكويت تلعب دور اساسياً ومحورياً في صياغة المعادلات السياسية في المنطقة. ومجيء رئيس مثل ترامب – بعد خطاباته التي يتهم فيها دول الخليج والعالم الاسلامي بالمسؤولية عن الارهاب فضلا عن سعيه إلى مقايضة التعاون بالمال – لا يعني ان سياسة أميركا في ظل ترامب رئيساً، ستتغير كليا ازاء دول الخليج او الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة». وأضاف خلفان أن «جملة تصريحات ترامب قد لا تعكس توجه سياسته الحقيقية في حال اختاره الشعب الأميركي الخائف من تنظيم داعش، رئيسا». وقال ان «صلاحيات الرئيس في اميركا مقيدة بالنظام العام والمؤسسات، ولا يمكن ان يضربها رئيس، ولا يمكنه أيضا تغيير منظومة السياسات الأميركية الراسخة، وبالتالي فانه قد يراجع حدة سياسته الهجومية والاستفزازية عندما يتقيد ببروتوكول رئيس الولايات المتحدة – شرطي العالم».

لكن ترامب تميز عن كلينتون في اتجاهه عكس السير الديبلوماسي. ووصفته الصحافة الأميركية بالمراوغ والمقاول السياسي. فهو نحا بخطابه عكس كل خطابات المرشحين مبتدئا انتقاداته وهجومه ضد المسلمين (مسلمو الشرق الأوسط خصوصا). ووفق متابعة سيرة حملته الانتخابية الى حين وصوله مرشحاً بارزاً ومنافساً شرساً لكلينتون على الرئاسة، تبيّن انه كلما زادت خشية العالم منه، كسب ثقة ناخبين جدد، وكلما زادت التصريحات المحذرة من كارثة وصوله رئيسا للولايات المتحدة بسبب خطابه القومي والعنصري المبني على الكراهية، زادت حظوظه في السباق الرئاسي محققا فوزاً بعد فوز، والداعمين له في ازدياد. فكلما زاد التحذير الداخلي والخارجي من ترامب، أصبح الشارع الانتخابي الأميركي أكثر فضولاً لسماع خطابه الذي يختلف عن كل المتنافسين كونه صريحاً ومباشراً لا يعتمد كثيراً الديبلوماسية بل يعتمد تسمية الأمور بأسمائها، أي بعيدا عن ما يمكن تسميته اصطلاحاً «النفاق السياسي».

ويصف رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت عبدالله الشايجي، خطاب ترامب العنصري بانه «لا يزال يغري ويعجب متابعيه البيض من متوسطي العمر وكبار السن ومن غير المتعلمين ويلعب على غرائزهم». وبين ان«ترامب استفاد من فزاعة داعش والمهاجرين لمغازلة البيض واقناعهم بان اميركا التي كان اغلب سكانها من البيض ترزح تحت تهديد تدفق الأعراق الأخرى اليها من المهاجرين والأقليات، وصوّر لناخبيه بأن العرق الأبيض بدأ يتلاشى وان اللاجئين بدأوا يخترقون النسيج الأبيض، محذرا من ان البيض في طريقهم الى كونهم اقلية».

وبهذا الخطاب، وفق الشايحي، لا يزال خطاب ترامب الاقصائي يجتذب هذه الشريحة من الحزب الجمهوري، فهو يلعب على الجهل المركب عند شريحة من الأميركيين، معتقدا أن خطب ترامب مالت الى الإثارة من اجل احداث ضجة بمثابة الفقاعة فقط معتمدا على طرح ما يخالف تماما طرح الحزب الديموقراطي. ويعتقد الشايجي «ان هناك جمهوراً من الناخبين الأميركيين قد يكونوا سئموا من الوعود السياسية السابقة للديموقراطيين ويتوقون الى سياسة الحسم بدل الوعود. وقد يرون في ترامب رجلا حاسما يتقن فن قوة الممكن بدل فن الوعود». وبيّن ان «خطاب ترامب لم يبرز قبولا خارج طبقة البيض من متوسط وكبار السن فأغلبهم لم يحتكوا أو يندمجوا مع الأعراق والقوميات والأقليات الأخرى في اميركا او في العالم». وقال «ان خطاب الكراهية والعداء الذي يشحن به المزاج الانتخابي الأميركي استطاع ان يوصل ترامب الى التنافس الرئاسي لكونه خطاباً مختلفاً في البداية ومنافسيه غير اكفاء، الى ذلك فان طيف الناخبين شريحة واسعة منهم يجهلون كيفية انتخاب الرئيس وبينهم سذج كثيرون». وذكر ان «هذه اغرب انتخابات تشهدها اميركا ـ اولاً للمفاضلة بين رجل او امرأة، وثانياً لاختيار رئيس معتدل او متطرف».

لكن وان استبعد الشايجي فرضية وصول ترامب للرئاسة لمعارضة النخب المثقفة والمجتمع المدني له، فأنه «وان فاز بدخول البيت الأبيض رئيسا، فقد يكون مجبراً على تغيير خطابه الحالي، لا تغيير السياسة الأميركية ودورها المؤسساتي الكبير. فلا يمكن لرئيس ان يغير سياسات اميركا بين ليلة وضحاها لوحده». وأضاف أن «قيادات الحزب الجمهوري تفاجأت من حصول ترامب على اصوات اهلته لنيل ترشيح الحزب، فقيادات مثل ميت رومني، تعتبر ترامب دخيلاً على الحزب، ولم تعلن تأييده وتعتبر بانه خرق نظام الحزب الجمهوري وتردد الكثيرون في دعمه».

ووفق الصحافة العالمية المتابعة للانتخابات الأميركية، فانه بفضل خطاب الكراهية وهدفه لجعل الولايات المتحدة المهيمنة بالقوة واعتبار من تختلف معهم أعداء يجب قتالهم ناهيك عن الخطاب الراديكالي حول معاداة المسلمين والأقليات ونبذهم، استطاع ترامب ان يفاجئ العالم والنخبة السياسية الأميركية والعالمية.

ويرى العديد من الصحف، ان سياسة ترامب لاجتذاب الجماهير والأنصار لا تختلف كثيراً عن سياسة تنظيم «داعش» لاستقطاب اتباعها، ففيما يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية على خطاب الكراهية والعنف واقصاء كل من يختلف معه بالقوة وترهيب خصومه من اجل استقطاب انصار له، لا تختلف قط «بروباغندا» الصعود المفاجئ لترامب التي روجت لخطاب النبذ والاقصاء والصدام والحرب لحسم الصراع وسيادة اميركا على الأرض.

ويعتبر البعض ان خطاب الكراهية والدعوة الى القومية الوطنية ومناشدة القوة التي كانت مبرر صعود الزعيم النازي ادولف هتلر لحكم ألمانيا، بات له اليوم مؤيدين ومتعاطفين، فيما يشير الى بحث الكثيرين عن ملامسة رمزية القوة. فتنظيم «داعش» ورغم الحملة الاعلامية العالمية ضده والتنديد الانساني والدولي ضد افعاله وعملياته الارهابية فضلا عن الحرب القائمة لاجتثاثه، لا يزال، وفق التقارير العالمية، يجتذب انصاراً ومتعاطفين جددا، وكأن هناك جمهوراً متعطشاً للعنف يبحث عن من يثيره. وقد أثارت خطابات «داعش» لمعاداة اميركا وترهيبها وعمليات الرعب التي ارتكبها التنظيم في عواصم اوروبية وعالمية، مخاوف الأميركيين وسكان العالم، ما اعطى فرصة لردود فعل غاضبة تميل لرد العنف بالعنف، وهو ما ركز عليه ترامب في خطاباته.

فهل يهدي «داعش» عن قصد او غير قصد، أكبر لعنة في تاريخ أميركا بحكم رئيس وصف بالأرعن والأحمق لأكبر امبراطورية توظف نحو اكثر من ربع مليون جندي حول العالم من اجل ضمان استقرار موازين القوى التي يريد ترامب تغيير قواعدها؟