Beirut weather 16.73 ° C
تاريخ النشر April 10, 2016 05:33
A A A
زقزقة الذئاب
الكاتب: نبيه البرجي - الديار

ذات يوم، دعا فرانك سيناترا الى تصور عالم من دون الكوكاكولا، والجينز، والمارلبورو، والهوت دوغ، والروك اندرول. عالم من دون شفتي مارلين مونرو وساقي مادونا…
لا بل عالم من دون هيروشيما. النجم الشهير قال ان هاري ترومان لجأ الى القنبلة الذرية ليقول للبشرية ان ثمة إلهاً آخر للكون. مثلما يصنع الجنة يصنع جهنم…
في الشرق الاوسط، ثمة ساسة، ومفكرون، واعلاميون، عاتبون على «الله الاخر» لانه لا يقوم بواجباته على اكمل وجه. لم يأخذوا بالاعتبار انه لولا اميركا لما بقوا على سطح الارض. لنقل…على سطح الزمن!
كم نبدو عراة، وكم ترتعد فرائصنا، حين يلمّح السادة الاميركيون بأنهم سيغادرون الشرق الاوسط الى الشرق الاقصى. هنا الحكام قد يستغنون عن الله، لكنهم لا يستطيعون، بأي حال، الاستغناء عن الله الاخر. لا يغيّر في الامر شيئا ان يصف مظفر النواب المنطقة بـ «مستودع العبيد». هذا شرف ان نكون عبيد اميركا…
روبرت كاغان يسأل، كأميركي حديدي، «الى اين يجرنا ذلك الشرق الاوسط اللعين؟» اعتبر ان تنظيم الدولة الاسلامية الذي طفا اخيرا على السطح هو نتاج ذلك القاع الايديولوجي، والتاريخي، الذي تعيشه مجتمعات المنطقة منذ مئات السنين…
في نظر كاغان ان التفكير في الخلاص من «داعش» حماقة كبرى. يسأل ما اذا كان لتلك الثقافات القاحلة ان تصنع طرازاً آخر من الذئاب؟
اميركا تذهب، او تتريث، او تتعقلن، وتتركنا عراة الا من هياكلنا العظمية التي تقاتل بعضها البعض. لا نظن اننا شيء آخر. امين معلوف قال «بعد قرقعة الطبول زقزقة اللغة». عندنا بعد قرقعة الطبول زقزقة… الذئاب.
لماذا تتركنا اميركا؟ تتركنا او لا تتركنا. ما تستورده من نفطنا لا يتعدى الـ15 في المئة من استهلاكها، وقد تتخلى نهائيا عن هذه الكمية، لكنها لا تتخلى عن ودائعنا الهائلة، واستثماراتنا الهائلة، في الارجاء الاميركية. لمن تبيع الشركات الطائرات والدبابات والصواريخ وحتى احذية الجنود؟
المخططون الاميركيون يدركون الحساسية الجيوستراتيجية للشرق الاوسط. كل ما في الامر انهم سيتركون حجارة الشطرنج تحطم بعضها البعض. يبيعوننا حتى عربات الموتى…
من كانوا على مدى عقود تحت المظلة الاميركية سيبقون، لكنهم اخذوا علما بأن الارمادا الجوية او البحرية لن تتحرك غب الطلب. عليكم تدبر امركم، واذ تنتفي كل ديناميات التحديث الفلسفي والبنيوي للمجتمعات لان الانظمة تخشى ان يفضي ذلك الى انحلالها، لا بد من اصطناع الاحلاف والتحالفات المدفوعة الاجر. اطال المال (لا الله) في عمر الانظمة…
حتى ان السناتور جون ماكين، معشوق العرب وعاشق الاسرائيليين، يعتبر ان الخطر على اسرائيل تراجع بنسبة كبيرة جدا. سوريا والعراق تحولتا الى حطام سياسي وعسكري. لا مجال البتة لان يضطلعا بأي دور اقليمي قبل عشرين عاما، هذا اذا بقيت الخرائط على ما هي عليه. فلسطين؟ انظروا الى…محمود عباس.
اما مصر التي تواجه ازمات اقتصادية قد تمتد لمائة عام، اذ ترتبط بمعاهدة السلام مع اسرائيل، لا تجد مناصا، بكل عظمتها التاريخية، من ان تنضوي سياسيا واستراتيجيا تحت وصاية المال الخارجي الذي لا قضية له سوى بقاء المنطقة (وانظمتها ومجتمعاتها) على تخوم العصر الحجري.
ديفيد روتكوف، رئيس تحرير مجلة «فورين بوليسي»، يرى ان الحقبة الراهنة هي حقبة تأسيسية لحروب طويلة الامد او لتسويات طويلة الامد. في نظره ان ما يظهر من الاتصالات الاميركية- الروسية، ان الجانبين مازالا على مسافة من بلورة معمارية استراتيجية في الشرق الاوسط، وتنبثق عنها قواعد النظام الاقليمي، وبالتالي النظام الدولي، الجديد…
المشكلة ان السعوديين يعتبرون ان بقاء الصراع يعني بقاءهم. عند الايرانيين ثمة نظام ملتبس ويختلط فيه على نحو عجيب اللاهوتي مع البراغماتي. الاتراك. هنا الفظاعة الكبرى حين يكون لديهم رجل مثل رجب طيب اردوغان لم يعد يثق به احد، حتى ان الصحافي الرائع جنكيز شاندار الذي قرر التوقف عن الكتابة سأل، ذات يوم، ما اذا كان ثمة من قبر في سوريا او في العراق، وحتى في تركيا، لم يحفره اردوغان بيديه…
حقبة تأسيسية لحروب طويلة الامد او لتسويات طويلة الامد. الافق لا يزال ملبداً!