Beirut weather 26.04 ° C
تاريخ النشر July 29, 2018 07:51
A A A
السويداء تدفع ثمن الولاء للدولة السورية.. بالدم وتصون الانتصار
الكاتب: يوسف الشيخ - العهد

“إنها معركة أميركية كاملة الأوصاف شنتها داعش”، بهذه العبارات وصف أحد خبراء الجيل الرابع من الحروب، غزوة داعش الأخيرة على مدينة السويداء، وبعض ريفها واعتبر أن هذا الهجوم هو نسخة محدثة طبق الأصل عن الهجوم الداعشي على مدينة بعشيقة ومناطق الأيزيديين في العراق صيف العام 2014، وإذ يؤكد أن هذه العملية فشلت عسكرياً بفعل تصدي الجيش السوري والقوى الرديفة والحليفة والأهالي للهجوم، فإنه حذر من الحرب الاعلامية الضخمة التي تلتها، واعتبر أن الهجوم قد يكون بمثابة شعلة لهزة كبيرة يحضر لها الأميركي لتوسيع منطقة نفوذه من شرق سوريا وصولاً إلى إعادة فرض شريط عازل يمتد من التنف إلى الجولان من جديد.
وبدراسة هذا الهجوم المنسق على مدينة السويداء والمتزامن مع مجموعة من الإغارات الكبيرة على قرى الحافة الأمامية للتماس مع ما تبقى من فلولهم في البادية السورية المتصلة بالأردن والتي تعتبر منطقة متصلة جغرافياً من ناحية الشمال الشرقي بقاعدة التنف الأميركية ومن خلال الجغرافيا العسكرية لمنطقة تجمعهم وانطلاقهم ثم انسحابهم بعد إفشال هجومهم الكبير لا يمكن لأي مراقب أو عسكري أن ينفي التورط الأميركي بهذا “الهجوم المجزرة ” للقرائن القوية التالية:
1ـ قوة قرينة إمكانية انطلاقهم من قاعدة التنف الأمريكية بالتحديد.
2ـ قوة قرينة حصولهم على دعم لوجستي والكتروني ومعلوماتي واستخباري أرضي وجوي من قاعدة التنف.
3ـ قوة قرينة غض نظر الأمريكان في القاعدة لتجحفل مئات من عناصر داعش أمام أعينهم قبيل الهجوم.
4ـ قوة قرينة عدم التصرف أو الاشتباك الأمريكي مع مئات العناصر المنسحبة بعد الهجوم باتجاه نفس منطقة التجمع والتي لا يفصلها سوى بادية فارغة عن قاعدة التنف الأمريكية.
5ـ الهجوم أتى متزامناً مع انجاز عمليات احكام السيطرة على درعا والحدود الجنوبية مع الأردن وانجاز مهمة القضاء على معظم الفصائل المرتبطة بالموك وغير “الموك” في محافظة درعا.
6ـ الهجوم تزامن مع استعادة مدينة القنيطرة ومعظم ريفها وصولاً إلى الحدود مع الجولان المحتل كما تزامن مع انطلاق عملية تصفية الجيب الداعشي جنوب غربي سوريا.
لماذا السويداء؟
تعتبر السويداء محافظة سورية ذات خصوصية سياسية ودينية وعسكرية فائقة الأهمية باعتبارها العاصمة السياسية لطائفة الدروز في العالم، وإحدى قلاع الدولة السورية ذات الكثافة السكانية الكبيرة (750 الف نسمة) تقع على تخوم محافظة درعا، وهي بتماسها المباشر مع درعا وامتدادها الغربي باتجاه القنيطرة المتصلة بالجولان المحتل تعتبر هدفاً مغرياً ودائماً للعدو الصهيوني، وقد عبر عن ذلك قادة العدو حيث اعتبروا أن أي اختلال في الوضع الناشئ للسويداء بعد اندلاع الحرب السورية هو خطر على أمن الكيان.
كما أن محافظة السويداء المتاخمة لدرعا المتصلة جنوباً بالأردن تعتبر بامتدادها الجنوبي والشرقي هدفاً لأطماع النظام الأردني الطامح إلى مشروع ما يسمى بالأردن الكبير.
ويعتبر موقع السويداء الاستراتيجي الهام مفتاحاً أساسياً للسيطرة الكاملة على جنوب شرق سوريا وهي أيضاً نقطة ارتكاز هامة للعمليات الحربية واللوجستية لأي قوة معادية للدولة السورية تجاه جنوب وشرق العاصمة دمشق.
منذ اندلاع الحرب السورية سعت العديد من القوى الاقليمية والدولية إلى زج السويداء في آتون هذه الحرب ضد الحكومة السورية، واستخدمت وسائل الترغيب والترهيب لإقناع أهلها بالخروج على النظام، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل ورغم نجاح غرفة “الموك” الأردنية بالتغرير ببعض الضباط الصغار من أبناء السويداء، وتأسيس بعض الكتائب المسلحة الصغيرة إلا أن الكيانات المسلحة التي أنشؤوها لم تستطع العمل في بيئة السويداء، أو حتى تجنيد عسكريين من أبناء السويداء، ولم تستطع أكبر هذه الكتائب وهي “كتيبة سلطان الأطرش” تجنيد أكثر من 5 من أبناء السويداء في هذه الكتيبة التي بلغ تعداد عناصرها قبل حلها 500 فرد معظمهم من محافظة درعا، وذلك بسبب الموقف الحازم لأبناء السويداء وفعالياتها الدينية والسياسية والعسكرية الذين رفضوا أي خروج على الدولة فاضمحلت هذه الكتائب المسلحة التي لم تتعد أصابع اليد بفعل وقف الدعم المادي لها من قبل غرفة “الموك” الاردنية وذلك لعدم جدوى استمرارها.
عام 2014 انتقلت غرفة “الموك” إلى بديل آخر للتعامل مع السويداء فزجت بجماعتي “النصرة” و”داعش” التكفيريتين للتماس والاشتباك مع المحافظة وقطع طريق (دمشق ـ السويداء) الدولي، وشنت هاتين الجماعتين إغارات وهجمات متتالية من الجهة الرخوة للمحافظة آنذاك في جنوبها الغربي بالتزامن مع سماح العدو الصهيوني للتنظيمين بالاندفاع باتجاه أجزاء مهمة من محافظة القنيطرة، وحوض اليرموك وريفي درعا الشمالي والغربي، وظهر للعلن التنسيق والتعاون التام بين العدو والتنظيمين التكفيريين من خلال الدعم اللوجستي والاستخباري والعسكري، ومن خلال المظلة الجوية والمدفعية التي فرضها لأشهر قبل أن تستعيد الحكومة السورية المبادرة أواخر العام 2015 باستعادة حمص والجزء الجنوبي من الغوطة الشرقية، ومعظم الغوطة الغربية وأجزاء كبيرة من القلمون الغربي وتوسيع نطاق العاصمة وتطويق ما تبقى بيد الجماعات المسلحة من الجزء الشمالي للغوطة الشرقية.
بعد تحرير مدينة حلب عام أواخر العام 2016 أطلقت الحكومة السورية ربيع العام 2017 عملية تحرير بادية حمص ودير الزور، واستفادت كثيراً من أفضلية بقاء معظم محافظة السويداء على ولائها للدولة لتنفيذ عمليتها الكبرى باتجاه البيداء السورية شمالاً عبر ريف حمص الشرقي باتجاه تدمر والقريتين، ووسطاً باتجاه القلمون الشرقي وجنوباً باتجاه اللجاة، وكانت معركة اللجاة الأولى انطلاقاً من السويداء مرحلة رئيسية من هذه العملية التي سميت “والفجر”، كما أن صمود المحافظة بوجه زحوفات “النصرة” من جهة درعا أمنت ظهر الجيش السوري من جهة الشرق ليندفع في ربيع العام 2018 في عمليته تجاه درعا والقنيطرة لتحريرهما.
هجوم انتقامي لـ”الموك” وحملة تضليل
مما تقدم وبمراجعة طبيعة الهدف من هجوم “داعش” الأخير في الخامس والعشرين من تموز 2018 باتجاه (السويداء وريفها الشرقي) يمكن معرفة الأسباب التي دفعت بالأمريكيين ومن خلفهم أعضاء غرفتي “الموك” في الأردن إلى تنفيذ هذا الهجوم الانتقامي بحق السويداء.
وما خفي عن المراقبين ظهر في طيات الحملة الاعلامية والهجمة التضليلية الكبرى على وسائل التواصل الاجتماعي بعد العملية، فمباشرة بعد العملية انطلقت حملة تشويش مشتركة اجتمعت فيها قوى متناقضة، فقد اشتركت وسائل اعلام ترتبط بالسعودية وقطر والامارات وتركيا، تؤازرها الجيوش الالكترونية التابعة لهذ الدول الاربعة بحملة تضليل واحدة، هدفها الاستفادة من الصدمة والرعب التي ولدها هجوم “داعش” ومجزرته المروعة التي راح ضحيتها حوالي الـ 250 شهيداً مدنياً لبث أفكار ومعلومات وتقارير يرتبط معظمها بهدف واحد إخراج السويداء من كنف الدولة، وحثها على المطالبة بالأمن الذاتي كما انطلقت أصوات في لبنان كانت قد حرضت عام 2013 أهالي السويداء على الخروج على الدولة والانخراط في حربها.
دفعت محافظة السويداء ثمن موقفها العروبي المناصر للدولة والمعادي للعدو وأدت دورها التاريخي منذ بداية الحرب على سوريا، فمنعت بصمودها الجماعات المسلحة من السيطرة على كامل الجنوب السوري، وتهديد العاصمة دمشق ووقفت عائقاً أمام أي تطوير لإسقاط الدولة السورية في الشمال من خلالها وحمت ظهر الجيش والقوات الرديفة خلال عملية تحرير الجنوب السوري المستمرة، فكان لا بد من الانتقام منها وأتت هذه الهجمات بعد انجاز تحرير درعا ومعظم محافظة القنيطرة كدليل على حجم السخط الذي أصاب غرفة “الموك” من السويداء .