Beirut weather 23.41 ° C
تاريخ النشر July 27, 2018 06:02
A A A
مواعيد الزرع والقطاف
الكاتب: سمير عطا الله - الشرق الاوسط

منذ أن بنيت منزلاً ريفياً قبل نحو 12 عاماً وأنا أنوي أن أزرع في حديقته بعض الخضراوات البسيطة، على الأقل، تلك التي تزرعها جميع البيوت من أجل «التبولة»، وخصوصاً منها «البندورة». وكل سنة أذهب إلى الفلاح في الموسم المتفق لي، بدل الموعد المناسب للطبيعة، فنظل بلا خضراوات، وخصوصاً، بلا بندورة «ملوَّحة»، أي زهرية قبل الاحمرار.
في سنة أذهب إليه مبكراً، فيقول إن الوقت لم يحن بعد. وفي العام التالي أعود من السفر متأخراً، فيجيب ضاحكاً: لا بندورة هذه المرة أيضاً، السنة القادمة وعليك خير! وأضفت إلى مطالبي منه الآن تقليم الشجر وري الزيتون، دائماً في الوقت الخطأ. مبكراً قليلاً، أو متأخراً كثيراً.
أخيراً، شعر أن لا بد له من إعطائي درساً فيما يجب أن أتعلمه، إن كان فعلاً يهمني الأمر. قال إن الفارق بيننا وبينكم أهل المدن، أننا نماشي الفصول ونتبع عبقرياتها القائمة منذ الخلق. وقد قسَّم الخالق الفصول لأسباب واضحة، وعلمنا كيف نفهمها وكيف نتمتع بجمالها وكيف نحمي أنفسنا من مراحلها العكرة.
أما أنتم – أهل المدن – فلا وقت لديكم كي تفهموا الطبيعة. أنتم ترونها من الخارج. أما نحن، فنعايش دورة الحياة في الأرض يوماً يوماً! كيف تبور، وكيف تيبس، وكيف ترتوي، وكيف تخضر، وكيف تختزن مياه الأمطار، وكيف تموت الأرض بالجليد أو بالحرّ، ثم تنبعث من جديد، مزهرة، مورقة، وفائضة بالبندورة أيضاً إذا حفظنا موعد الزرع.
لم يكن يقصدها عظة، لكنني تلقفتها درساً في الزراعة والطبيعة وعلوم الأشياء. طوال عمري كانت علاقتي بالقرية علاقة المشاهد بالمسرح. أتأمل الطبيعة، وأحبها، وأحب ما لي فيها من ذكريات وضوء قمر. لكنها أكثر من ذلك بكثير. ووفقاً لصديقي الفلاح، عليك أن تفهمها، وليس فقط أن تحبها. هي أيضاً لها أمزجة وقواعد ومواعيد.
لكي تحصد في موسم، عليك أن تزرع في موسم. هذا قانون الحدائق. وفي إمكانك أن تزرع في أي موسم وتحصد في أي وقت، وهذا قانون الخيام. لكن لا تتوقع إطلاقاً أن تكون ثمار الفصول مثل ثمار الإكراه، أو طعم العناية مثل طعم التزوير.
ومرت فوقنا غيمة ضخمة سريعة فقلت للصديق المدرس، إنها تذكّرني بقول لشاعر إنجليزي (وودسورن): «وحيدة مثل غيمة». ضحك صديقي قائلاً إنه لا يعرف من الشعر سوى الزجل. أما معرفته بالآداب، فلا تتعدى معرفتي بمواعيد الزرع والقطاف.