Beirut weather 27.18 ° C
تاريخ النشر July 25, 2018 07:56
A A A
عن قواعد التسوية الجديدة
الكاتب: سمر رزق - موقع المرده

يحتاج رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل تضمين بريده السريع الكثير من التطمينات والإشارات الطيّبة، لكي يرمم الجسور المتصدّعة بينه وبين بيت الوسط. سواء أقرّ أصحاب العلاقة وجود تردٍّ في قنوات الاتصال والتواصل، أو لم يقروا، فالعنوان يفضح المكتوب. وثمة الكثير من المكتوب بخطّ تضارب المصالح.

صحيح أنّ عدسات الإعلام و”أنوفه” لم تضع يدها على أي إشكال علني بين رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري ووزير الخارجية، لكن الإناء ينضح بسيل من الإلتباسات التي تقود إلى الاستنتاج أنّ شهر العسل الذي كان قائماً قبل الانتخابات، لم يعد متاحاً بعدها.

الفريقان يتصرّفان على أنّ ما بيّنته صناديق الاقتراع، ليس مسألة عابرة، سواء لناحية تقلّص الزعامة الحريرية أو تراجع الحضور البرتقالي على الساحة المسيحية، لكنهما يرفضان الاعتراف أنّ نتائج الانتخابات دفعت كل منهما إلى إعادة النظر بحساباته، وتالياً أدائه. وها هما يواجهان حالة الاصطدام، ولو أنها لا تزال مضبوطة.

حين تقاطعت حاجة الحريري في العودة الى الرئاسة الثالثة بعد غياب “طوعي” حوّله في لحظة تغيير مفصلية من رئيس حكومة يستعد للقاء سيّد البيت الأبيض، إلى “زعيم جوال” يبحث عن “مدرج رسمي” لكي تحط طائرته عليه، مع حاجة “التيار الوطني الحر” إلى معبر تيار “المستقبل” الإلزامي، لكي يبلغ عتبة قصر بعبدا، بدا التفاهم ممكناً.

كما أنّ مهندسيّ العلاقة، أي باسيل والمدير السابق لمكتب الحريري، نادر الحريري نجحا في حياكة شبكة آمان للعلاقة، عمقها مبنيّ على المصالح المشتركة، وظاهرها مثلّث الأهداف السياسية: الرئاسة، السراي، وحماية “الطائف”.

هكذا، حين دفع الحريري ثمن قانون الانتخابات من جيب زعامته المتضخمة بفعل النظام الأكثري، ثم اضطر لاحقاً إلى تكبّد أثماناً باهظة جداً من رأسمال علاقته بالممكلة السعودية نتيجة التنازلات التي اضطر إلى تقديمها… بات الرجل في حاجة ماسة إلى إعادة النظر بقواعد التسوية الرئاسية التي راحت تستهلك رصيده.

كذلك باسيل، كما يقول مطلعون على العلاقة الثنائية. يتصرف رئيس “التيار الوطني الحرّ” على أنّ الحكومة العتيدة هي تلك التي ستمهد له الطريق لدخول قصر بعبدا في مرحلة لاحقة بصفة “الماروني الأول”. يقيسها من هذا المنظار فقط. فتراه يذهب إلى المواجهات بـ”رجليْه”: مع “القوات”، مع الحزب التقدمي الاشتراكي، وحتى مع “المستقبل”.

مواجهات كثيرة تشي وكأن هناك ملامح جبهة من “المتضررين” أو “الممتعضين”، لا تستثني رئيس مجلس النواب نبيه بري طبعاً، وهؤلاء يلتقون عند خط رفيع واحد عنوانه معارضة جبران باسيل.

بنظر المطلعين، لا يقصد الرجل من هذه النزاعات المتنقلة اقتناص ثلثه المعطل، بقدر ما يريد أن ينهي مشوار التأليف بفرض نفسه اللاعب الأقوى القادر على تحقيق ما يريد، إن كان في ما يتصل بالبازل المسيحي أو التمثيل الدرزي أو حتى دور رئيس الحكومة.

بتعبير آخر، يقول هؤلاء إنّ وزير الخارجية يستعيد أدبيات وسلوك المارونية السياسية، لكي يعيد استنتساخ تجربة وصول الماروني القوي إلى رئاسة الجمهورية، وهذه المرة باسم جبران باسيل… حتى لو اضطره الأمر المخاطرة بتعكير صفو العلاقة مع الحريري.

فقد اشتكى رئيس الحكومة أكثر من مرة من “تعدٍّ” على صلاحياته في التأليف، وهو يقصد في طبيعة الحال باسيل لأن الحريري، وفق المطلعين، يرفض السير في “نظرية” الفصل بين رئيس الجمهورية ووزير خارجية. يكيفه أنّ يسمع ما قاله الرئيس عون لرئيس حزب القوات سمير جعجع ما مفاده إن مسألة التوزير والحصص متروكة “لكم أنتم كرؤساء أحزاب”، قاصداً في أنّ الملف في عهدة باسيل، حتى يشعر في أنّ هناك انتقاصاَ من صلاحياته، وأنّ “التعيمم” لا يرحمه.

على هذا الأساس، قاد رئيس تيار “المستقبل” انتفاضته المخملية حفاظاً على موقع رئاسة الحكومة كما يقول عارفوه، وهو الذي يحتاج إلى العودة إلى قواعد التشدّد لكي يستعيد شارعه الذي شلّعته الانتخابات.

أكثر من ذلك، يتصرف الرجل على أنّ الوقت ليس عدواً له. لا يبدي استعجالاً أبداً. ولس مضطراً إلى التبرّع بمزيد من التنازلات. فقد سُميّ رئيساً للحكومة وينتظر من الباقين أن يلاقوه إلى منتصف الطريق، إذا لم نقل إلى داره. وها هو الثنائي الشيعي يتفرج على الاشتباك العوني- الحريري بهدوء من دون تدخّل.

وما يزيد من برودته، هو تحصّن موقعه الدولي، وتحسّن موقعه الإقليمي، وفق عارفيه. وبالتالي إنّ التشدد في موقفه، ورفع سقف التفاوض سيريحه أكثر ويساعده على ترميم زعامته أكثر. أما الحريري في نسخته الأولى من التسوية الرئاسية، فقد صار من التاريخ.

في المقابل، العهد هو أكثر المستعجلين لتأليف “أولى حكوماته” كما وصفها رئيس الجمهورية سابقاً. لكن باسيل يعتقد أن الحريري في حاجة له، لا العكس. لذلك يقابل “الطنيش” بـ”تطنيش” مماثل، و”الرحلة” بـ”رحلة” موازية.

بناء عليه، يوحي أداء الحريري في أنّ ثمة قواعد جديدة للتسوية الرئاسية لا بدّ لها أن تأخذ مكانها كون القواعد الأولى لم تعد سارية المفعول. هو مقتنع أنّه وضع كل رأسماله في هذه التسوية ولذا لن يتخلى عنها، لكنه سيحاول “تصويبها” بشكل يريحه ويساعده لكي يعبر السنوات الأربعة قبل الخضوع لاختبار الصناديق مرّة جديدة.