Beirut weather 9.84 ° C
تاريخ النشر April 10, 2016 04:01
A A A
القريتين السورية تستعيد سكانها
الكاتب: السفير

ظنّ المهندس بسام دباس أنه لن يتمكّن من العودة مجدداً إلى مدينة القريتين، مسقط رأسه في وسط سوريا، بعد سيطرة تنظيم “داعش” عليها وخطفه المئات من سكانها المسيحيين الذين كان في عدادهم. وبعد ثمانية أشهر، وجد دباس (55 عاماً) نفسه واقفاً أمام ما تبقّى من جدران متفحّمة في كنيسة دير مار اليان، حيث اعتاد الصلاة. ويكاد لا يصدق أن الجيش السوري تمكّن من استعادة السيطرة على مدينته التي استولى عليها “الجهاديون” في آب الماضي. ويقول دباس، وهو مهندس ميكانيكي: “لقد عدت للتو ولم أتمكن من رؤية منزلي بعد”.

وكانت مدينة القريتين الواقعة في محافظة حمص تُعدّ رمزاً للتعايش بين المسلمين والمسيحيين في سوريا منذ قرون. لكن الوضع تغير منذ سيطرة “داعش” على المدينة وإقدامه على خطف قرابة 270 من سكانها المسيحيين، كان دباس واحداً منهم، ونقلهم شرقاً على بعد نحو تسعين كيلومتراً في عمق الصحراء السورية حيث احتُجزوا في قبو تحت الأرض.

وبعد 25 يوماً على احتجازهم، أطلق التنظيم سراح معظم المخطوفين وبينهم دباس الذي لم يعرف سبب ذلك. عاد الرجل إلى القريتين قبل أن يتمكّن من الفرار إلى قرية تُسيطر عليها قوات النظام بالقرب من مدينة حمص. ويوضح دباس: “ليس بمقدورك أن تتصوّر تصرّفاتهم. ليست تصرفات بشرية على الإطلاق”، مضيفاً بتأثر “من الصعب أن أُصدّق أنني ما زلت على قيد الحياة”.

وبعد خمسة أيام على استعادة قوات النظام سيطرتها على القريتين اثر اشتباكات عنيفة مع “الجهاديين”، بدأت قلة من السكان بالعودة إلى المدينة حيث كان يقيم نحو ثلاثين ألف نسمة. ويعاين العائدون الشوارع التي امتلأت بالركام فيما أثار المعارك واضحة على واجهات الأبنية التي تدمّر بعضها والمنازل التي نُهبت محتوياتها وتضرّرت جدرانها. وتكاد المدينة تبدو أشبه بمدينة أشباح خالية من أهلها وتحتاج الكثير لإعادة بنائها.

b8d45d76-5bc0-4b17-b019-532cd9e85628

ومقابل مستديرة رئيسية في المدينة، يسمح فيصل عبد الرحيم لمجموعة من الصحافيين بالدخول إلى منزله فور عودته إليه. ويشرح كيف أن الكثير من مقتنياته قد سرقت فيما تدمّر سقف غرفة الجلوس وتعمّ الفوضى في المطبخ. ويقول بحسرة: “أنا حزين جداً لرؤية منزلي بهذه الحالة. إنه أمر مؤلم للغاية” قبل أن يُضيف “نأمل أن يُعيد الجيشان الروسي والسوري الأمان إلى هذه المدينة حتى نتمكّن من إعادة بنائها مجدداً”.

وتمكّن الجيش السوري من استعادة السيطرة على القريتين السبت الماضي في إطار هجوم واسع بدأه بدعم جوي روسي وتمكّن خلاله من استعادة السيطرة على مدينة تدمر الأثرية الواقعة على بعد أكثر من مئة كيلومتر شمال شرق القريتين، في تقدّم يُعدّ الأبرز للنظام منذ بدء موسكو حملة جوية في سوريا في 30 أيلول الماضي. وتولّى جنود روس، الجمعة، توزيع طرود تحتوي على مواد غذائية على المدنيين الموجودين في القريتين بحضور مجموعة من الصحافيين الذين وصلوا إلى المدينة في إطار زيارة تُنظّمها وزارة الدفاع الروسية.

ويؤكد ازدشار مندو، وهو عقيد في الجيش السوري داخل المدينة، أن “معركة استعادة السيطرة على القريتين كانت شرسة لكننا الحمدالله أتممنا ذلك بنجاح بمساعدة أصدقائنا”. ولا يزال الوضع هشاً للغاية مع وجود مواقع لـ”داعش” في التلال المجاورة التي تبعد بين عشرة إلى 15 كيلومتراً عن المدينة وفق مندو الذي يؤكد “أننا مستعدون للتغلّب عليهم وإبعادهم أكثر من ذلك”. وينصب اهتمام السكان حالياً على العودة إلى منازلهم واستعادة مظاهر حياتهم كما كانت عليه قبل وصول عناصر التنظيم إلى المدينة.

ويوضح مصطفى شبلق، وهو ضابط متقاعد من الجيش السوري، عاد إلى القريتين برفقة شقيقه تاركاً أفراد عائلته في حمص أن منزله “مُدمّر بنسبة خمسين في المئة”، مشيراً إلى أن مسلحين موالين للجيش السوري يُقيمون فيه حالياً ويرفضون مغادرته. لكنه يشدد على أن الأهم بالنسبة إليه هو تمكنه من العودة إلى مدينته بعد طرد “داعش” منها. ويضيف شبلق، الذي كان يدير ورشة لإصلاح المحركات قبل نزوحه: “طالما ان المدينة خالية من هؤلاء المجرمين فلا بأس”.

وعلى الرغم من الصعوبات والتحديات الكبرى، يعتبر شبلق أن عملية إعادة الإعمار يمكنها أن تبدأ الآن. ويقول: “ذات يوم تدمرت برلين بالكامل لكنها اليوم مدينة عظيمة”.
***

في الصورة، كاهن يتفقد الدمار الذي لحق بكنيسة ما اليان في القريتين. ( ا ف ب)

في الصورة، كاهن يتفقد الدمار الذي لحق بكنيسة ما اليان في القريتين. ( ا ف ب)