Beirut weather 27 ° C
تاريخ النشر June 13, 2018 16:29
A A A
اربعون عاما والذكرى تحيا فينا
الكاتب: بشارة سعادة

13 حزيران 1978
المكان: بيتنا في بيروت منطقة مار مخايل
الجميع نيام. وانا لا استطيع اغماض عيني لاكثر من ساعات قليلة من جراء عملية جراحية خضعت لها من اسبوع.
فجأة يرن الهاتف كدوي صاعقة…من في هذه الساعة المبكرة؟ حاولت النهوض ولكن والدتي وعلى غير عادتها، كانت السباقة الى الهاتف. عند مرورها بجانبي سمعتها تقول “الله يستر …الله يستر”.
كلمات قليلة وسمعت صراخها: شو قتلوا طوني بك معقول.مين؟؟.
عندها استيقظ الجميع وتابع والدي الحديث مع المتصل.
الجميع في ذهول تام والكل يترقب خلاصة الخبر الفاجعة من والدي.
وقبل ان يؤكد لنا المؤكد صاحت والدتي “اكيد الفلسطينيين ورا هالاغتيال”.
طلب والدي من الجميع ان ينصت جيدا الى ما سيقوله:” افراد من الكتائب قامت فجر اليوم بمهاجمة اهدن واستطاعت اغتيال طوني بك مع عائلته وعدد غير معروف من الزغرتاويين ولا تزال المطاردات قائمة”.
صمت الجميع وبدأت والدتي بالبكاء والنحيب فهي ابنة فؤاد البدوي فرنجيه ومحبة بيت فرنجيه لا تجري فقط في العروق انما دروس تعطى في كل مرة تذكر هذه العائلة العريقة.
تابع والدي الكلام قائلا:” علينا مغادرة بيروت فورا وفي هذه الساعة، لذا اطلب منكم اخذ اقل ما يمكن، والله بيفرجها لحين وصولنا الى زغرتا”.
كان وجه والدي شاحبا لدرجة مخيفة فدنوت منه لاهون عليه فقال لي وكان اخي الكبير بجانبي ” لقد وقع للتو شرخ كبير ومميت داخل الصف المسيحي الماروني والله وحده يعلم ماذا سيحدث”.
ذهب كل واحد منا يفتش عن ما يستطيع حمله ويكون ذا فائدة. من جهتي وكوني كنت اعمل خارج لبنان آنذاك لم احمل سوى الرشاش والجعبة.
بعد اقل من ساعتين، كان الزغرتاويون القاطنون في بيروت يتجمعون في قوافل صغيرة للتوجه الى زغرتا.
قافلتنا كانت تضم والدي ووالدتي واخي طوني واخوتي جاكلين ولميا واخي البير وعائلته في سيارة ثانية وعائلة جوزاف سعيد البدوي فرنجيه في سيارة اخرى الى سيارة  لم اعد اذكر من كان فيها.
توجهنا الى زغرتا عبر الطريق الساحلية المعروفة، كان الناس يقفون على الطرقات لمعرفة اخبار هذه المجزرة والكل يتطير شرا منها.
بعد حوالي الساعتين من خروجنا من بيروت وصلنا الى زغرتا على وقع تحركات جميع الشباب الزغرتاوي بكل ميوله وانتماءاته.
تركت اهلي في زغرتا وتوجهت الى اهدن بسيارتي بمعية سعيد وطوني جوزاف البدوي فرنجيه.
عند وصولنا اردنا التوجه الى القصر حيث حصلت المجزرة فمنعنا.
عندها قمت بجولة في كل انحاء اهدن ورأيت ما تقشعر له الابدان وتتقزز له العيون.
هذا اليوم لا يمكن ان انساه او امحوه من ذاكرتي، وهناك الكثيرون مثلي لا يمكن لهم ان يسامحوا وكذلك لا يمكن لهم النسيان.
كنا نظن ان هذه المغادرة لن تدوم سوى اشهر قليلة . وها نحن اليوم في 13 حزيران 2018 لم نعد الى بيروت.
نتذكر اليوم، نترحم ونرجو ان تشكل هذه الفاجعة درسا وعبرة للتاريخ.