Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر June 13, 2018 15:55
A A A
لا أنسى ذلك اليوم المشؤوم
الكاتب: المهندس أنطوان عبدالله

لا أنسى ذلك اليوم المشؤوم ، كنا أنا وصديقي في منزلي في شارع المغتربين المطل على المنطقة الممتدة من قصر الرئيس فرنجية غربا حتى قرية بان شرقا. و كنا قد أطلنا بالسهرة و عدنا الى البيت حوالي الساعة الثالثة فجرا و بما أننا كنا نتبع برنامج مكثف للمراجعة إذ أننا كنا ننحضر لتقديم امتحانات شهادة الرياضيات قررنا عدم النوم في تلك الليلة ، إذ أننا كنا في كل يوم نستيقظ في الرابعة فجرا للبدء بالمراجعة.
أذكر جيدا ، كنت جالسا مقابل الشباك المطل على منطقة الدواليب ، و إذ في الساعة الرابعة فجراً ، انطلقت رصاصة مخططة من منطقة جسر بو تراب بإتجاه اهدن و كأنها كانت العلامة لتبدأ المعركة. و إذا بنا لم نعد نسمع سوى صوت الرصاص من جميع الجهات : بقوفا ، الدواليب و صوب القصر.
ما هي الا ثواني حتى ركضنا صوب الشارع العام في الجهة المقابلة محاولين الإستفسار عما يجري و لِما كل هذا الرصاص و الإنفجارات و الدخان الأسود الذي يتصاعد من صوب القصر.
لا أعلم كم كانت الساعة عندما بدأت الشمس بالشروق ، مرت من أمامنا سيارة فولسفاكن خضراء مسرعة نحو القصر ، و ما هي الا لحظات حتى سمعنا الرصاص و قد علمنا فيما بعد أنها سيارة سايد الصيصا ( تشيتشو) الذي أصيب يومها.
عندما اشتدت المعركة و بدأ الرصاص يئز صوبنا ، و حيث أنه ليس لدينا أي قطعة سلاح ، قررنا المشي صوب منطقة العبّارة ، علنا نجد أي قطعة سلاح هناك نستطيع أن نستعملها و نستفهم عما يجري. كانت الرحلة الى العبّارة من أطول المسافات التي قطعتها في حياتي. فقد اضطررنا الى الزحف في المنطقة المكشوفة من منزلي حتى منزل رينه بك معوض.
لما وصلنا الى العبارة أخيراً ، دخلنا الى الكبرى حيث كان الجميع متجمهرون و كان هناك شخص من بيت مارون و كان معه ناضور ، أخذت الناضور منه علني أفهم ما يجري ، و لما نظرت صوب بقوفا ، رأيت المعتدين بالعشرات بكامل أسلحتهم متوجهين صوب اهدن و ما لفتني أن عددا كبيرا منهم كانوا يلبسون الشراويل ، فأيقنا عندها و نظرا للتاريخ الدموي مع بشري ، أيقنا أن “البشرانيي” هم من يهاجمون اهدن و ليس كما ظننا ان الإسلام هم من يهاجموننا.
أذكر أيضا أنه كان هناك بعض الشباب الذين معهم بعض البنادق ، انطلقوا نحو نبع مار سركيس و دارت معركة طويلة هناك و أذكر ان سركيس الشيخا الدويهي أحضر الى الكبرى بعد أن أصيب في يده.
في هذه الأثناء، نزلنا صوب الميدان الى السنترال و حاولنا الإتصال بزغرتا و لكن يبدو أن المعتدين كانو قد عزلوا إهدن هاتفيا أيضا.
لا أعلم كم كانت الساعة عندما هدأ الرصاص قليلا ، فقررنا التوجه نحو القصر علنا نعلم ما يجري.
الطريق الى القصر كانت أشبه بأفلام الكاوبوي . جثة أحد الشباب وراء جبالة باطون قديمة في مبنى السراي الذي كان قيد الإنجاز و كنا نستطيع أن نرى الدخان يتصاعد من مستديرة القصر و هناك كانت الكارثة الكبرى حيث سقط عدد كبير من الشهداء. و كانت هناك سيارة رينو 12 تحترق على طرف الطريق و لما وصلنا الى باب القصر قيل لنا أن طوني بك استششهد مع زوجته و ابنته.
من يدخل الى بيت طوني بك و يرى بأم عينيه ، ليس كمن لا يرى.
لسؤ حظي كنت من بين من دخلوا الى البيت و رأيت الإجرام الحقيقي.رأيت الدماء في كل مكان. جثث الشهداء مغطاة بالبرادي و حسبما أذكر فياض دحدح هو من مزق البرادي و غطى الجثامين وآثار الدماء من غرفة النوم حتى الصالون حيث وضعت الجثامين.
بضع دقائق كانت كافية لتغيير حياتي و كنت وقتها في الثامنة عشرة من عمري، و مازلت حتى اليوم لا أستطيع النوم في ليل 12 – 13 حزيران.