Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر June 13, 2018 15:11
A A A
كبرنا… و ما زالت جيهان ابنة ثلاث سنوات
الكاتب: ايلينا سعادة

كبرتُ في عائلة مسيحيّة مؤمنة. كنتُ اُسرعُ يوم الأحد في القدّاس لأعطي السلام و كنتُ أردّدُ الوصايا العشر مراراً: لا تشهد بالزور، لا تسرق … لا تقتل. و كنتُ أفكّر، كيف لإنسان أن يُنهي حياة إنسان آخر؟ من يحسب نفسه، الله مثلاً؟
كنتُ طفلة يوم اجتمعت عائلتي الصغيرة في إهدن على مشارف الصيّف لمشاهدة حلقة خاصة تحت عنوان “مجزرة إهدن”. لم أنس يوما مشهد أمّي تذرف الدموع مع كل صورة تظهر بالأبيض و الأسود على التلفاز. تأمّلتُ الصور أكثر و تكاثرت الأسئلة حتى اتضح كل شئ. عدتُ يومها إلى غرفتي و أنا خائفة من أن يعود أولئك المجرمون إلى إهدن و يقتلون مجددا كلّ من فيها. “يللي عملها مرّة بيعملها ألف مرّة”. حاولتُ أن أتخيّل ما كان يفّكر فيه كل شهيد في آخر لحظات حياته: الأب المفجوع الذي قتله المنظر ألف مرّة قبل أن يلحق بعائلته الى السماء، أو الأمّ التي لم تفكّر بأحدإلاّ بابنتها التى تُقتل أمام عينيها. فهذه الطفلة التي زيّنت العائلة بربيعها الثالث بماذا كانت تفكر؟ كبرت الناس، و كبرتُ أنا، و ما زالت جيهان إبنة ثلاث سنوات.
مرّت الأعوام و ها أنا أتخصص في الصحافة و أسعى لأن أكون موضوعيّة، إلا انني رأيت نفسي أكتب عن هذه المجزرة بحسّ إنسانيّ و ليس بنفس سياسيّ. فأي سياسة تدّعي المسيحيّة و تشجع قتل النّاس و تصوب رصاصات في جسد طفلة لا يتحمّل؟ “لو كانت بنتن أو اختن شو كانوا عملوا؟”
أتكّلم بموضوعيّة عن رئيس فضلّ مصلحة الوطن على نفسه. و ما زلت أتعجب لقوّة رجال سامحوا و ما زالوا يرون وجوه الغدّارين في المجالس و الاحتفالات. الوجوه لم تتغيّر، إذا الضمائر لم تتغيّر.
في الحرب الكل معنيّ، لكن تراب اهدن لم يجفّ بعد من دماء المجزرة التي مرّ عليها 40 عاما، لأن لكل قطعة أرض من اهدن شهيد حمى لبناننا من رصاص الغدر الاسرائيلي.

ايلينا سعادة: صحافية