Beirut weather 15 ° C
تاريخ النشر June 13, 2018 04:44
A A A
طوني بك…
الكاتب: ريشار لابيفيير

كل اللبنانيين يذكرون شتاء 1940–1941 الذي كان قاسيا بنوع خاص، وكان سكان لبنان الشمالي يعانون تقنيناً قاسياً. ليلة عيد رأس السنة، ونظراً لنقص المواد الغذائية، تجمع اهالي زغرتا بصورة عفوية في الساحة الرئيسية، ومضى وفد منهم الى طرابلس ليقدم عريضة شكوى الى سليمان فرنجيه. وحين عاد هذا الاخير الى زغرتا، أمر بفتح مستودعات المؤن وتوزيع اغذية على المتظاهرين.

تؤكد الذاكرة المحلية انه في طريق عودته الى زغرتا عن طريق قهوة التل، قرب منزل اسرة رومية، قبالة سينما لاكونكورد، ارتمت امرأة عجوز امامه، واخذت تلطم صدرها طالبة: “الله يرزقك صبياً”. وبالفعل، كانت ايريس فرنجيه حاملا. وفي اول ايلول 1941 ولد طوني فرنجيه في اهدن في دار العائلة.

الفتى طوني، كان بحسب قول أخواته محباً ولكن مشاغباً، ولم يكن تلميذاً مجتهداً على الدوام. لذلك كان والده، يطلب منه تسميع مثائله وتحضير واجباته مع شقيقه روبير وشقيقاته سونيا ولمياء ومايا. وقد ارتاد مدرسة القرية منذ عامه الرابع وكان يذهب اليها منفردا على ظهر حمار يبقى مربوطا الى الشجرة طيلة فترة الدروس. لكنه، اي الحمار، كان يضلّ الطريق احيانا، وهذا ما كان يسمح لطوني ان يتذوق متعة الهروب من المدرسة.
واصل دراسته في مدرسة اخوة المدارس المسيحية في طرابلس، وتخلى عن عاداته كجبلي صغير، وتكيف بدرجة متفاوتة مع جو دراسة اكثر اجتهاداً، منتظرا عطلة نهاية الاسبوع ليعود الى اجواء زغرتا واهدن، حيث يمارس ولعه بركوب الخيل، كان يمتطي حصانه يوميا ويلتقي في طريقه فلاحين من مناطق الوطى، والمطل، وعين الوحش، وجوعيت، والحرج، والدواليب، أو بقوفا الذين اعتادوا على رحلاته.
في يوم من الايام، تأخر كثيرا في العودة الى البيت. فخرج ذووه واصدقاؤهم يبحثون عنه في اماكن اعتاد ان يرتادها، لكن..، دون جدوى. عثروا عليه اخيرا في بساتين حمينا حيث كان الليل قد هبط وهبطت معه عبارات اللوم: “ماذا تفعل هنا حتى هذه الساعة؟”. فأجاب: “اتعلم فن الفروسية. قيل لي ان بطل لبنان بالفروسية يأتي كثيراً الى هنا، بين اشجار التفاح والاجاص في حمينا، مع اصحابه”، احتفظ على الدوام بهذا الولع بركوب الخيل، وبالجياد والفضاءات الرحبة.
حصل على سلاحه الاول، بحسب التقليد المحلي، وهو صبي صغير، ومنذ ان كان في السادسة من العمر، كان والده سليمان يدربه الرماية وفنون الصيد.

في سنة 1958، غادر طوني فرنجيه مدرسة الفرير في طرابلس والتحق بمدرسة القلب الاقدس في بيروت. استعاد طيلة هاتين السنتين متعة الهروب من المدرسة. هنا، حل اهتمامه بالفتيات والتزامه بالسياسة محل ركوب الخيل ونزهات تلامذة الثانوية.

اما زواجه فلم يخرج على تقاليد اهالي الشمال. لقد وقع وهو في الحادي والعشرين من العمر في غرام فتاة لبنانية تقيم في مصر كانت قد جاءت لتمضية الصيف في جوار اهدن، عند خالها الوزير السابق جبران نحاس، انها فيرا قرداحي. لقد كان الوقت ضاغطاً لأن خطيبته مضطرة ان تعود الى مصر، لكن بما انها لم تبلغ سن الرشد بعد، كان عليها ان تحصل على موافقة والديها اذا فكرات في الزواج. لكن طوني، العاشق الولهان، قرر ان يتجاهل هذا العائق وان يلجأ الى التقليد القديم. تقليد “الخطيفة”، واضعاً بذلك الجميع امام الامر الواقع. انتقل موكب “الخطيفة”، ببركة الأب يوسف يمين، بين زغرتا، وطرابلس، والضنية، وعكار، وكسروان. وبعد تدخل البطريرك الماروني في ايلول 1962، عقد قران طوني وفيرا في كنيسة مار الياس في انطلياس، العامية.

هذا الوضع الجديد عزز ميله الى دراسة تاريخ لبنان والى الاهتمام بالشأن العام، الذي ظهر عبر متابعته المتزايدة لنشاط اسرته.كان عمه حميد فرنجيه نائبا منذ سنة 1934، وقد اشترك فيما بعد في اقامة الدولة الوطنية والنظام التقليدي اللبناني، وكاد يصل الى رئاسة الجمهورية بعد ولاية الرئيس بشارة الخوري الاولى الذي انتخب مرتين سنة 1943 وسنة 1950.
لقد قطع طوني دراسة ادارة الاعمال التي كان قد باشرها عند الاباء اليسوعيين بجامعة القديس يوسف في بيروت، لكي يتفرغ كليا للسياسة.فكان هو الذي يستقبل الناس في مكتب والده في طرابلس، متمرنا بذلك على مزاولة العمل السياسي في لبنان وعلى ادارة التوازنات المعقدة بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة.

في سنة 1969، سنة اتفاق القاهرة، اتخذ مبادرته البارزة الاولى اذ اقام اول معسكر للتدريب العسكري في بنشعي القائمة على مرتفعات تشرف على زغرتا، فكان بذلك احد اوائل المسؤولين السياسيين اللبنانيين الذين استبقوا المجابهة المقبلة مع المنظمات الفلسطينية.وأكد منذ تلك الحقبة المبادىء الثلاثى غير القابلة للمس التي كانت في اساس حياته السياسية:
1-الدفاع عن لبنان السيد، الحر والمستقل.
2-رفض كل بديل طائفي.
3-الحفاظ على المصلحة الوطنية يتقدم على المصالح الخاصة.

وأفاد من شغور مقعد والده النيابي بعد انتخابه رئيسا للجمهورية، فامسى نائبا عن زغرتا في 25 تشرين الاول 1970، وفتح مكتبه الخاص في طرابلس، ووجه الى والده التحية العامة التالية:
“اتمنى ان تكون للبنانيين رب الاسرة الذي عرفته فيك. في تلك اللحظة فقط ستفتح ابواب الامل على مصاريعها امام الجميع.
الامل بان يتساوى كل اللبنانيين امام القانون.
الامل بان يسود النظام في ظل القانون.

الامل بان يكون لبنان لجميع مواطنيه دون تمييز بين الاغنياء والفقراء، بين المالكين والمحرومين.
الامل بان تتمتع الطبقات العاملة بافضل ظروف العمل وبمساواة حقيقية في الفرص.
الامل بان يتمكن الشعب من المشاركة في اعباء الحكم والادارة ضمن اطار الحرية والديمقراطية الحقيقية.

الامل بان تتاح للشبان المؤهلين امكانية وضع مؤهلاتهم في خدمة بلدهم الذي هو بحاجة اليهم.حينذاك، سيفاخر اللبنانيون، مثلي، بان يكونوا ابناء اب معروف باستقامته، بكرهه للطمع بالربح، الفتين الاوليين بين صفات ذاك الذي بات اول لبناني يحمل لقب “الفارس النبيل”.

ابتداء من تلك اللحظة باتت حياته ممتزجة بالتوترات اللبنانية والشرق اوسطية، والقى، عند ظهوره لاول مرة في البرلمان، خطاب النائب الاصغر سنا الذي بثته الاذاعة اللبنانية:

“أود في هذه المناسبة ان التزم بثلاثة امور امام هذا المجلس النيابي. اكراما لفخامة الرئيس سليمان فرنجيه، كما للسيد حميد فرنجيه الذي احمل التزامه ورؤيته، اتعهد بان ادافع بعناد عن الحق في وجه الظلم، مع بقائي مخلصا لمواطني في الشمال خصوصا وللشعب اللبناني عموما.تجاه الشباب، اتعهد بان ابقى امينا لرسالتهم مدافعا عن عزمهم على بناء لبنان جديد.اخيرا، اتعهد امام نفسي بان امثل واخدم الشعب، وان ارد له ما ائتمنني عليه وان اعود الى مكاني بينه، لانني افضل الف مرة ان اكون معه لحماية ومساندة عمل الرئيس من ان اكون احدى الدمى في مسرح ظلال يراد له ان يعكس صورة حكمه الخاص”.

واعاد في عدة مناسبات تاكيد مفهومه للعمل البرلماني ولدور النائب: “مواطن عادي كلفه ناخبوه بتأدية مهمة محددة، لكن دائما لما فيه الخير العام”. وكان مدافعا شرسا عن النموذج الديمقراطي الذي قال عنه، مستشهدا بونستون تشرشل، انه ليس الافضل بل الاقل سوءا بين الانظمة التي نعرفها، وعمل جاهدا على تاليف كتلة برلمانية محورية، لا “وسطية”على الرغم من تسميتها من جانب الصحافة ب”الكتلة الوسطية الجديدة”، وانما قادرة من موقعها ان تؤدي دور الحكم وان تكون وازنة عند اتخاذ القرارات الكبيرة التي تقرر مستقبل البلاد.كانت “مجموعة طوني” تضم النواب فؤاد غصن، وحبيب كيروز، وباخوس حكيم، وبطرس حرب، وعبد المولى امهز.

في سنة 1973 عين طوني فرنجيه وزيرا للبريد والبرق والهاتف. قالت صحيفة كل شيء ان طوني، بوصفه ابن رئيس الجمهورية، ليس “سوبر وزير” على الاطلاق، وليس هناك من شيء يشير، في اداء الخلية الرئاسية، الى انه يتمتع بمعاملة مميزة. ونوّهت صحيفة الحياة السعودية، بأنه “لو كان كل الوزراء اللبنانيين يديرون شؤون وزاراتهم اسوة بالوزير ابن رئيس الجمهورية لكانت ادارات الدولة اللبنانية تتمتع بصحة افضل كثيرا مما هي عليه اليوم، اذ انها غارقة في حالة من الجمود والفساد الزاحف”.
لقد جاء هذا الوصف في ظل وضع غير سليم بنوع خاص حيث كان عدد من المناصب الوزارية يغذي انبعاث طائفية بدائية كان الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964) قد وصفها ب”نظام تقاسم الجبنة”.ان انحلال اجهزة الدولة هذا لم يكن غريبا عن نشوب احداث 1975 التي اغرقت لبنان في خمس عشرة سنة من الحروب بين الاشقاء.

مع الالتباسات التي رافقت عقد اتفاقات القاهرة في تشرين الثاني 1969، ومن خلال انتهاكاتها الباكرة والمتعاقبة، احس طوني باقتراب ايام السوء وقام بمبادرات كثيرة ومداخلات لاجل مواجهة “المؤامرة”، داعياً الى “حوار وتفاهم وطني”: “علينا ان نصوب وحدة لبنان وسيادته وسلامة اراضيه، لان هذا البلد يحمل رسالة عربية وانسانية اتاحت له ان يصمد وان يتقدم على الرغم من كل الاطماع الخارجية الاخيرة”، هذا ما نادى به في البرلمان قبل يوم “السبت الاسود”(بداية الحرب) ببضعة ايام. في ذلك اليوم، يوم 13 نيسان 1975، كان الرئيس يخضع لعملية جراحية صغيرة. وفي جلسة مجلس الوزراء الذي انعقد مساء ذلك اليوم قال الرئيس “ان ايدي السوء قد صممت منذ زمن طويل على اغراق لبنان في الفوضى، فوضى داخلية واقليمية”.

ان تقاطع التوترات الاقليمية والدولية مع الوجوه الداخلية للازمة قد شكل “مزيجا متفجرا”. وادرك طوني فرنجيه منذ البداية ان هذا المزيج قد يفضي، لا الى حرب اهلية داخلية، بل الى نزاع اقليمي او دولي يستعمل المكونات اللبنانية ادوات له، ويكون في ذلك ماساة لن يستطيع اللاعبون المحليون التحكم بها: “لنعلم جيدا انه ستفرض علينا هذه الازمة التي تاتينا بالدرجة الاولى من الخارج وانه سيكون علينا ان نبذل كل ما في وسعنا لنتحاشى ان نكون مجرد دمى، ان لم اقل ضحايا راضية”. واستشهد طوني فرنجيه مباشرة بالترتيبات المصرية الجارية لعقد صلح منفرد مع اسرائيل.

كان الشمال في كثير من الاحيان، اشبه بميزان الطقس في تاريخ لبنان والمنطقة المحيطة به.من ذلك مثلا ان منطقة طرابلس – زغرتا شهدت تفاقما سريعا للاحداث منذ التوقيع على اتفاقية سيناء بين القاهرة وتل ابيب في ايلول 1975. ففي اول ايلول وقعت مصر واسرائيل على الاتفاقية الثانية لفك الاشتباك في سيناء، التي وضعت الدولة العبرية في مأمن من كل هجوم مصري، فيما سمحت لتل ابيب باعادة نشر قواتها على الحدود الشمالية، في مواجهة لبنان وسوريا.على كل حال، ان المعارك الاولى الواسعة النطاق التي دارت في الشمال.لهذا ابان حرب السنتين، “انكفأ طوني فرنجيه الى معقله الشمالي، ليس بدافع من غريزة اقليمية موروثة، بل لانه كان يعتبر ان المعركة ستحسم هناك بالضبط…”كما يقول الجنرال تيودور مكاري.
كان المقصود في مرحلة اولى صد تقدم المنظمات الفلسطينية الطرابلسية بالصمود في جبهة زغرتا. “ففي هذا الاطار، تبين ان الاستعدادات العسكرية لوزير المواصلات كانت في محلها تماما”.يضيف الجنرال:”كانت استراتيجيا طوني فرنجيه ترتكز على ثلاثة مبادىء: على المنطقة ان تصمد، معتمدة، على الرغم من كل ما قد يحصل، على قدراتها الدفاعية الخاصة المتجسدة في زعيم، هذه الضرورة لوحدة المنطقة يجب ان تفرض نفسها وتحل محل الخلافات العائلية الماضية، اخيرا، يجب ان تتحرك المناطق الاخرى على هذا النحو بالذات لاجل الحفاظ عل وحدة وطنية بين الطوائف”.

واجه اللبنانيون السنة 1976 بقلق مشروع.فقد خسر كثير من العائلات المسيحية والمسلمة ابنا او قريبا، وخسرت عائلات اخرى قسما من اموالها، وباتت البلاد تعاني من احدى افات الحرب: الهجرة. وقنصليات فرنسا وكندا واوستراليا والولايات المتحدة تتعرض لهجوم حقيقي من جانب طالبي التأشيرات في حين ان الازمة السياسية كانت لا تزال بعيدة عن اي حلول ممكنة. ان تلك السنة المفصلية تستدعي التذكير ببضعة احداث:

*في 13 اذار طالبت مجموعة من النواب بعزل الرئيس سليمان فرنجيه، وفي اليوم ذاته التحق العقيد انطوان بركات وجنوده بقصر بعبدا ليدافعوا عن الشرعية.
*في 15 اذار امر الرئيس السوري حافظ الاسد الصاعقة وجيش التحرير الفلسطيني، المواليين لسوريا التدخل مردداً: “الحل سيكون سياسيا”.

*في 21 و 22 اذار دفعت الزمر الفلسطينية – التقدمية –حسب تعبير تلك الحقبة – بوحداتها الى حي الفنادق الكبرى والواجهة البحرية في بيروت. وابتدات في الوقت ذاته معركة الجبل.
*في منتصف نيسان اجتازت الدبابات السورية الحدود اللبنانية في المصنع وتقدمت في سهل البقاع.
*وفي 8 ايار اجتمع 69 نائبا في فيلا منصور لانتخاب الياس سركيس رئيسا للجمهورية.
*وفي 16 ايار استقبل الرئيس السوري كريم بقرادوني، مرسلا من قبل الرئيس سركيس، وعرض عليه لاحقا خطة السلام اللبنانية.
*وفي 21 ايار اعلن الرئيس جيسكار دستان ان فرنسا مستعدة لارسال “قوة فصل” الى لبنان.
*في اول حزيران دخل 8000 جندي سوري مدعومين بمئتي دبابة الى لبنان، وفي الايام التي تلت واصلت هذه الوقة السورية تقدمها باتجاه بيروت.
*وفي 22 حزيران طوقت الميليشيات المسيحية تل الزعتر.ودارت معركة حامية جدا ادت الى سقوط المخيم في 10 اب.
*في 23 ايلول، اقسم الرئيس الياس سركيس اليمين الدستورية في فندق شتوارا بارك اوتيل.بعد ذلك بخمسة ايام شن الجيش السوري عملية واسعة على الميليشيات الفلسطينية التقدمية.
*وما بين 12 و 15 تشرين الاول دفعت دمشق بقواتها الى صيدا وحطمت المقاومة الفلسطينية.
*وبعد مضي شهر، باشرت قوات الردع العربية المؤلفة من وحدات سورية بصورة رئيسية تنفيذ مهمتها في لبنان.
*في اخر سنة 1976 سجل مآل حرب السنتين انعطافا جوهريا:بعد ان جسد طوني فرنجيه هذه المقاومة في وجه التطورات التفكيكية الداخلية والخارجية، فرض نفسه كواحد من رجال البلاد الاقوياء، بما في ذلك “خارج حدود لبنان الشمالي”، كما ينوه ايضا الجنرال مكاري.في اواخر سنة 1976، اخذ اسم طوني فرنجيه يتردد في مختلف الاوساط السياسية والديبلوماسية بوصفه “مرشحا ممكنا”لرئاسة الجمهورية اللبنانية.وذهب عدد من الصحافيين حتى الى كتابة ان “طوني فرنجيه سيكون رجل الولاية الرئاسية القادمة…”..

في حديث له مع مجلة الصياد، طرح عليه سؤال “اتعتقد انك ستكون يوما ما مرشحا للانتخاب الرئاسي؟” فاجاب:”لكل شيء وقته.كل شيء يتوقف على الظروف.الامر الاكيد هو انني ساواصل العمل، مهما حصل، في سبيل مصالح بلادي.مثل هذا القرار لا يمكن اتخاذه الا تبعا لمعطيات ليست متوافرة الان”.وفي الحديث اياه اوضح وزير الإتصالات رؤيته لبلاده قائلا:”لبنان القديم لن يستطيع العودة، نحن لا نريد ان تتكرر الاخطاء اياها. البلاد التي نريد ان نبنيها هي بلاد موحدة، متطورة، سيدة، تجمع معظم اللبنانيين.الذين صنعوا النظام السابق انجزوا قسطهم من العمل.لكن الوضع الاقليمي والدولي يتطلب لبنانا جديدا يجب اختراعه”.

وفي حديث الى مجلة الجمهور بتاريخ آخر نيسان 1978، اوجز طوني فرنجيه هذه المرحلة المفصلية كما يلي:
“حين نتكلم عن قوات الردع العربية، يجب ان نرجع الى مصادرها، خصوصا الى اول حزيران 1976 يوم دخلت القوات السورية لبنان كي تساند المسيحيين من جهة، ومن جهة اخرى كما قال الرئيس الاسد، لانه لن يرضى ابدا بخلق اسرائيل ثانية في الشرق الادنى. لقد تدخل الجيش السوري في لحظة كانت فيها القوى المتواجهة تتطلب تدخل قوة ثالثة لوضع حد للقتال، بعدما غاب كل ما يجمع بين هذه القوى. ولا ابوح بسر اذا قلت ان الرئيس الاسد اتخذ هذا القرار خلافا لرأي معظم السفراء المعتمدين لدى دمشق، وانه بقراره هذا كان يعلم تماما ان النتيجة لم تكن مضمونة سلفا. وقد زاره سفير دولة غربية كبرى لينبهه الى ان بلاده قد لا تستطيع ان تضمن حياد اسرائيل اذا تورطت سوريا في لبنان. وحذت حذوه دول اوروبية اخرى، ناهيك عن العواصم العربية التي بعثت اليه برسائل تنحو هذا المنحى. اضطلع الرئيس بمسؤولياته، واتاح تدخله عودة الاستقرار.بعد حصول هذه النتيجة، هرعت البلدان العربية الى عقد مؤتمري الرياض والقاهرة لاجل تحويل القوات السورية الى قوة ردع عربية، تحت امرة الرئيس سركيس”.
ابتدأت حينذاك مرحلة ثانية غايتها عزل سوريا والقوى المعادية لاسرائيل.كانت قوة الردع العربية، بحسب قرار انشائها محددة بثلاثين الف رجل. وكان كل بلد يسعى جاهدا الى المشاركة فيها الا انه حين آن أوان تأمين الرجال والمعدات وجدت سوريا نفسها مضطرة ان تؤمن 90% من الحاجات اللوجستية. يضيف طوني فرنجيه: “ما زلنا نذكر جميعا كيف إستقبلت هذه القوات عند دخولها بلادنا، اي بارتياح اكيد إن لم نقل بكثير من الارتياح’ماذا جرى بعد ذلك؟ قبل الاجابة بشكل صحيح عن هذا السؤال، لا بد من توضيح امرين:

1- شرع عدد من “الطوابير الخامسة” –والله يعلم كم أن عددها كبير في لبنان- يعمل على الحط من قيمة هذه القوات بغية اضعافها، وربما شلّ عملها.ولا ابوح باسرار جديدة اذا جزمت بان الاجهزة السرية الاسرائيلية شكلت البنية الرئيسة لهذه الطوابير.
2- ان هذه الواقعة ثابتة لكن الجوهرية لا تعذر البتة التجاوزات المرتكبة من جانب الجيش السوري. فانه في كل جيوش العالم وحتى اشدها قوة، توجد لسوء الطالع عناصر فاسدة، ومن المؤسف ان الجيش السوري لا يشذ عن هذه القاعدة. على انه ليس بالجائز ان تحجب الشجرة الغابة وان تخفي التصرفات الضارة من قبل نحو مئة من العناصر الفاسدة مكاسب انتشار القوة المؤلفة من 30000 رجل”.

أدركت الاجهزة الاسرائيلية تماما خطر صعود نجم طوني فرنجيه، فأطلقت حملة تضليلية سعت من ورائها الى تصويره نصيرا “لتقسيم طائفي”.ولقد كان بين مختلف المطبوعات المستخدمة لهذه الغاية مجلة “الحوادث” التي كانت مجلّية في مقال بقلم رئيس تحريرها سليم اللوزي، الذي اكد في افتتاحيتها ان طوني فرنجيه ابن الرئيس كان الوحيد بين زعماء الموارنة المجتمعين في بكركي الذي طالب بالتقسيم.ومارس طوني فرنجيه حقه بالرد قائلا إن هذا الخبر باطل وافترائي وطلب من رئيس تحرير المجلة ان يتحلى بالجرأة ويفصح عن اسماء الاشخاص الذين ينشرون “هذه الحماقة التي يراد منها التضليل”.وذكر بالنقطتين الجوهريتين الواردتين في بيان بكركي:”التشديد على رفض كل مس بالسيادة الوطنية في جميع المناطق اللبنانية ورفض كل مساومة على هذه السيادة من جانب اي كان، والايمان الراسخ بأن الصيغة اللبنانية تشكل تجربة حضارية فريدة ليس بالجائز اضعافها عن طريق الجهل او روح المغامرة او التزمت”.
وختم مقاله قائلا “بتواضع وفخر، ان تاريخ آل فرنجيه، منذ دخولهم عالم السياسة والبرلمان –منذ سنة 1929 حتى اليوم– حافل بالادلة التي تثبت التزامهم الوطني.اريد ان اذكر لتبيان ذلك بالنقاط التالية: موقفهم الى جانب الاستقلال سنة 1943، يوم كان كثير من السياسيين الذين لا يزالون في الساحة يقفون ضد ذاك الاستقلال بالذات ومع الانتداب الفرنسي الذي يؤدي الى التقسيم، وموقفهم الذي عرض امام الجمعية العامة لمنظمة الامم المتحدة بتاريخ 14 تشرين الثاني 1974 حين دافع الرئيس فرنجية عن قضية فلسطين باسم جميع البلدان العربية.لولا هذا الالتزام الوطني، الصريح والتام، لصالح المقاومة الفلسطينية، لكان مآل الأحداث مختلفاً جداً، وانت تعرف هذا جيدا’أخيراً، كنت لآمل ان تتصل بي قبل ان تنشر مثل هذه الاخبار التي هي افتراء محض، في لحظة دقيقة من تاريخنا يتبدى فيها التضليل خيانة وطنية”.

في اخر سنة 1977، كان في وسع العديد من الراصدين ان يتنبأوا بأن المساعي المصرية لعقد صلح منفرد ستكون لها عواقب وخيمة على لبنان والمنطقة بالاجمال. كان بين هؤلاء طوني فرنجيه الذي لا يكف عن التحذير معتبرا ان “هذا الصلح المنفرد سيتحقق على حساب لبنان”.وكان قبل التوقيع النهائي على اتفاقات كامب ديفيد بين مصر واسرائيل قد شجب بقوة مبادرة انور السادات الى زيارة القدس “التي ستشكل هجوما مركزيا على الموقف العربي العام”. وحيال الانشقاقات الاقليمية التي ستسببها هذه المبادرة، دعا طوني فرنجيه العواصم العربية والشعوب العربية الى مساندة الموقف السوري.

“هذا الموقف الرسمي –الشديد العداوة لاتفاقات كامب ديفيد –بالاضافة الى وضعه الجديد كمرشح ممكن للرئاسة، جعلا منه واحداً من الأعداء “الرقم واحد”للاجهزة السرية الاسرائيلية في لبنان حسب اعتراف احد مساعدي دافيد كمحي السابقين، الذي كان في حينه مسؤول الموساد في لبنان.وهو الذي كان “الضابط الملازم”لبشير الجميل ولولب “الشراكة الاستراتيجية”بين الأجهزة السرية الاسرائيلية وحزب بيار الجميل.

الصفحة الثالثة في سجل طوني فرنجيه السياسي تتعلق بالرهانات على السلطة في المناطق المسيحية، فيما كان حزب الكتائب والقوات اللبنانية تسعى الى تامين سيطرة لها بلا منازع.لقد كان انصار التقسيم موجودين في هذا التيار على الاصح ان لم يكن التقسيم حتى المذهب الرسمي لجبهة لبنانية يُفترض بها ان تضم مجموع المنظمات المسيحية.

في ايلول1977، جمع طوني فرنجيه كل القوى الشمالية وأنشأ، بموافقة من والده، الجبهة الوطنية الشمالية التي اعلن ميثاقها في سبعة مبادىء:
1-وحدة الارض والسيادة.
2-الديمقراطية وحقوق الانسان التعددية الدينية
3-التقدم الاجتماعي
4-المواطنية التي يضمنها الدستور
5-المواطنية للبنانيين المغتربين
6-لبنان يبقى البلد الوحيد الذي يستحق ان نحيا ونموت لاجله.
وتضمن الميثاق بندا يوضح أن “الجبهة ستعمل على جعل اللبنانيين متساوين في الحقوق والواجبات وعلى ان تفيد جميع المناطق اللبنانية على قدم المساواة من موارد البلاد والحكم، دون تمييز بين الاديان والافراد”.

ان الشرخ الذي حصل في شتاء 1978 كان مميتا. ففي اثناء “اجتماع زغرتا” الذي عقدته الجبهة اللبنانية يوم 21 كانون الثاني 1978، برز احد التناقضات الرئيسية بين مسيحيي لبنان.وكان ذلك الاجتماع اخر اجتماع يحضره الرئيس فرنجيه الذي انسحب رسميا من الجبهة في 11 ايار.في اثناء النقاش مع عائلتي الجميل وشمعون، رفض طوني بصورة جذرية “كل نوع من التعاون مع دولة اسرائيل وكل ضريبة تفرض على المواطنين…،”. وتكرست القطيعة نهائيا منذ 7 شباط حين شن الكتائبيون حربا مبرمجة ومدعومة من اسرائيل على قوات الردع العربية. أدان طوني فرنجيه هذه الحرب بصرامة، معتبرا انها “خطة ترمي الى مصادرة السلام وتدمير البلد الذي نريد ان نبنيه…”.قام في خلال تلك الحقبة بأكثر من زيارة الى دمشق حيث اجرى عدة محادثات مع الرئيس الاسد وشقيقه رفعت الذي كان يضطلع آنذاك بوظيفة نائب الرئيس. كان طوني فرنجيه يريد، من خلال هذا التقارب العلني مع دمشق، ان يسبغ صفة رسمية على ارتباط مسيحيي لبنان بالعالم العربي وتحالفه مع البلدان التي لا تزال تقاوم اسرائيل.

تقول صحيفة السفير ان ثمة حدثا اخيرا عمق القطيعة وأثار غيظ انصار التقسيم، هو المصالحة الشمالية بين الرئيسين فرنجيه وكرامي.هذه المصالحة كانت تعني خروجا حقيقيا من حرب السنتين لانها اعادت الاواصر بين مسلمي طرابلس ومنطقتها مع مسيحيي الشمال، مقدمة بذلك تكذيبا ملموسا للانقسام الطائفي الذي تشجعه اسرائيل وشركاؤها.

هذه المصالحة بين القطبين الشماليين جاءت تلبية للارادة السياسية عند الطائفتين.وهي تسجل خاتمة نظرة واحدة عند المسؤلين السياسيين والعسكريين لدى انتهاء حرب السنتين، ضرورية للعمل على اعادة بناء مديدة..”على حد قول مجلة الصياد الذي نقلته وكالة الصحافة الفرنسية وغيرها من وسائل الاعلام العالمية.وأكدت صحيفة النهار، بعد ايراد اقوال طوني فرنجيه، “مصيرنا ان نبقى معا ونعيش معا في سلام وعلى كل مستويات عملنا”.ان “طوني فرنجيه ادى الدور الرئيسي في هذه المصالحة التي يتمنى لها ان تكون قدوة لمصالحة وطنية مقبلة”.

في 2 حزيران أعرب طوني فرنجيه عن قلقه مجددا حيال المشاريع الاسرائيلية إذ شدد على “نية تل ابيب ان تسحب قواتها بصورة احادية من الجنوب وتساءل عما يكمن وراء هذا الانسحاب الذي اعلن انه سيجري في 13 حزيران 1978”.

ذلك انه بعد مرور ثلاثة ايام على غارة فلسطينية يوم 11 اذار 1978 دخل الجيش الاسرائيلي فجاة جنوب لبنان، واحتل في مرحلة اولى شريطا حدوديا عرضه عشرة كيلومترات كانت اسرائيل منذ زمن تطالب به كي يكون “منطقة امنية”. ثم اندفعت قواتها حتى الليطاني، وكانت هذه العملية تحمل اسم الشهر. وفي 19 و 20 اذار اتخذ مجلس الامن الدولي القرارين 425 و 426 اللذين طلبا انسحاب اسرائيل وانشاء القوة المؤقتة للأمم المتحدة في الجنوب FINUL.وفي 22 اذار انتشر جنود هذه القوة في الجنوب.واعلنت اسرائيل عن انسحابات جزئية في 11 و 14 نيسان، دون ان تقبل، على كل حال، بمبدأ انسحاب كامل من الاراضي اللبنانية المحتلة، خشية ان يكون هذا سابقة يُستند اليها في المستقبل بالنسبة الى سائر الاراضي التي احتلتها منذ حزيران 1967. وفي 12 حزيران، عشية انسحاب اخر جندي اسرائيلي من الجنوب، اعلنت اسرائيل انه لم يحدث قتال في الشريط الحدودي وان هذا بالتالي هو خارج هيمنة FINUL.

كتبت صحيفة لوفيغارو يوم 14 حزيران 1978: “بينما كانت القوات الاسرائيلية تنسحب من جنوب لبنان، كان دم ابن الرئيس فرنجيه وزوجته وابنته ذات الثلاث سنوات، وخدمه، و28 شخصا من ابناء المدينة، يسيل في الشمال على اثر هجوم ضار قامت به القوات الكتائبية المسيحية”.

وكتبت مجلة لوبوان يوم 19 حزيران 1978:”يوم 13 حزيران كان اليوم المنتظر لانسحاب اسرائيل كي يستعيد لبنان سيادته على كامل اراضيه.لقد كان مقررا ان يكون هذا اليوم يوم التحرير الكامل للأراضي، فإذا به يتحول الى يوم للرعب في الشمال ويوم للخديعة في الجنوب”.
إنه مبدأ الأواني المتصلة: تظاهروا بالانسحاب من الجنوب كي يحسنوا العودة الى الشمال، لكن بطريقة أخرى… بالفعل، يوم مجزرة اهدن بالذات انسحب الجيش الاسرائيلي من الجنوب وسلم مواقعه الى رائده الرديف سعد حداد. وهكذا تظاهر الاسرائيليون بالخروج من باب الجنوب ليعودوا من نافذة الشمال، على خط حلفائهم الكتائبيين.

في حديث أخير نشرته بعد وفاته الوكالة الناطقة بلسان المرده، يقدم طوني فرنجيه شروحا مشحونة بمعنى استباقي. فهو يعبر بوضوح، فيما يتعلق بالكتائب، عن “معارضته لتمدد هذا الحزب في الشمال.إن هذا الموقف الذي عبرت عنه أمام الملأ في عدة مناسبات قد أثار غضب أولئك الذين هم معنيون به مباشرة قبل ان اضيف شرح الاسباب العميقة لهذه المعارضة”.حول التقسيم:”قلت إنني ضد التقسيم، ضد السياسة الرامية الى السيطرة على أراض بالقوة، ضد كل شكل من اشكال السلطة غير الشرعية.نحن نقف بحزم في معسكر الشرعية، ولأجلها قاتلنا (…).كل ما فعلناه في الشمال كان حقا ضد تقسيم لبنان.ونحن مستعدون للتضحية بحياتنا لاجل منع كل نوع من انواع تقسيم بلادنا.

في مساء مجزرة اهدن، اضاف الجنرال تيودور مكاري على الفور، مستحضرا كل هذه الاسباب:”إن هذا اغتيال لمستقبل لبنان'”.
**

(Visited 8 times, 2 visits today)