Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر June 13, 2018 02:42
A A A
حرب الألف عام في لبنان.. أمراء الحرب المسيحيون.. المغامرون الإسرائيليون
الكاتب: الموقع

فصلٌ من كتاب “حرب الألف عام في لبنان” – جوناثان راندل، يتحدّث فيه عن مجزرة إهدن

في سنة 1978 كان بشير الجميل يعمل لحسابه في مخاطرات العنف التي كانت طابعه الخاص. 100 فقط من رجاله كانوا يطّلعون على الهدف قبل التنفيذ. ولكن الهجوم المثلّث الإنطلاق على إهدن الواقعة فوق تلة في الشمال بدا دون إعلام سابق بعد الساعة الرابعة من صباح الثالث عشر من حزيران سنة 1978 إذ توجهت قوة إلى طريق بشري شرقاً لتستدرج المدافعين بعيداً عن القصر الصيفي للرئيس سليمان فرنجيه يوم كان رئيساً, وفريق على الطريق إلى زغرتا التي كانت عاصمة الإقطاعيين من آل فرنجيه على بعد 18 كيلومترأً من طريق لولبية إلى الشمال الغربي والغزاة هاجوا وقتلوا الحامية التي حذّرتها الأصوات التي سمعت عند بدء العملية, أمّا القوة الثالثة الرئيسية فهاجمت القصر نفسه. وخلال ربع ساعة إنتهت كلّ مقاومة للهجوم الذي قام به بشير الجميل. إنّ كلّ الذين كانوا داخل القصر الصيفي الحجري الفسيح وُجدوا أمواتاً ومن بينهم طوني فرنجيه وزوجته فيرا وطفلتهما جيهان والخادمة والسائق وكلب العائلة.

ومثل كلّ الأشياء في لبنان كان هذا الهجوم عملاً غير صحيح. ولكن إلى متى يبقى الخطأ موضع جدال وموضوع توقعات غير محدّدة وغير واضحة؟. لقد اقسم بشير أنّه لم يكن يعلم أن طوني كان موجوداً في إهدن عندما أمر بالهجوم على القصر. وقد تبيّن فيما بعد أنّ سيارة طوني قد تعطّلت وهذا ما منعه من العودة إلى زغرتا باكراً في ذلك اليوم كما كان مصمّماً ولكن هل كان توقف السيارة مجرد حادث ؟!

وبالرغم من أنّ بشيرأً كان قائد العملية فالأشياء مختلفة عن هدف الهجوم. فإنّ أحداً منهم لم يصرّح بأنّه كانت هناك خطّة لقتل طوني أو أفراد عائلته وفي الواقع فالأسباب التي قدّمها بشير ورجاله لتبرير العملية لم يقبلها اللبنانيون الذين يشكّكون بصحة هذه الإدّعاءات إذ قد يكون بشير يرمي من وراء ذلك إلى إزالة منافسه من شباب الجيل الصاعد ( وبعد سنوات أسرّ إليّ صديق وهو واحد من العناصر التي نفّذت العملية أنّ بشيراً كان قد أبلغ المهاجمين مسبقاً أنّ قتل طوني فرنجيه هو المقصود ) وبعد 39 شهراً من إنفجار الحرب سنة 1975 التي وضعت الميليشيات المسيحية في مواجهة الفلسطينيين والمسلمين اليساريين برز المعسكر المسيحي وكأنّه وقع فريسة للعنف والفوضى التي كان دائماً يجاهر بالشكوى منها.

إحدى شقيقاته الثلاث وإسمها لمياء وصفت هذا العمل بانّه إنتهاك للحرمات, عندما لقيتها في بيت أبيها في زغرتا أثناء الغداء بهذه العبارة وصفت المجزرة : ” أنّها خسارة كبيرة أن تفقد العائلة وريث أمجادها النائب في البرلمان والوزير السابق وقائد جيش التحرير الزغرتاوي, بكر العائلة الذي كان مرشحاً للرئاسة,. وإنّه لإنتهاك للحرمات ايضاً أن تقع الجريمة في قصر من تراث العائلة في قاديشا الذي هو مصيفها المفضّل والمرجع والملجأ للموارنة منذ آلاف السنين ورمز للعزّة المسيحية في الخضمّ الإسلامي “. إنّنا نؤمن أنّ إمتهان الكرامات يجب أن يعاقب عليه أضافت لمياء مردّدة ما في تراث هذه البيوتات من اقاويل في امثال هذه المواضيع إذ من المؤكّد أنّ مذبحة إهدن تدعو إلى أعمال عنف أخرى ممّا يزيد في بؤس اللبنانيين. وهنا أذكر عبارة للفيلسوف تاليران حيث يقول: (إنّ الجريمة عمل سيء ولا شكّ ولكن الوقوع في الخطأ اسوأ). وهذا القول عند الذين يتأثّرون بالثقافة الفرنسية. إنّ إنفجار هذه الحرب المارونية الأولى عقّدت أوضاع جميع المسيحيين في لبنان وكذلك المسلمين الذين يحسبهم المسيحيون أوّل المستفيدين من هذه المجزرة بل ربّما كان كذلك الإسرائيليون والسوريون. إذ كلّ منهم يتمنّى أن يبقى لبنان في حالة غليان. فمصالحهما تقضي ذلك ومثل هذا التقدير بأنّ الغرباء هم اساس كلّ تفرقة في لبنان نابع من أجيالٍ سابقة عاش فيها لبنان تحت وطأة الغرباء.

وحتّى بشير الجميل وجد ذلك مساعداً له على إبعاد تهمة جريمة قتل خصمه السياسي عنه. فبعد يومين إثنين من حدوثها إعترف بعض رجال ميليشياته (أنّهم هم قاموا بهذا العمل لحسابهم الخاص وبمساعدة “جهات غير معروفة” وعليهم تقع مسؤولية مذبحة إهدن). “إنّ مجلسه الحربي لم يامر بهذا الحادث المؤسف ويمكن إجراء تحقيق والكلام هنا لبشير بالطرق القانونية لإتّخاذ اللازم بحقّ مرتكبيه”. ولكن هذه الكلمات لم تخدع أحداً من الذين كانوا يعرفون حقيقة تصرّفات قائدهم من وراء الأقنعة للتمويه واللبنانيون لم يكونوا يأبهون لمثل هذه التوعّدات بمعاقبة مرتكبي الأخطاء فقد كانت دُور القضاء آنذاك في لبنان مغلقة خصوصاً في القضايا الجزائية, وأنصاف الحقائق التي أوردها بشير في بيانه ستكون أكثر قيمة من عشرات البيانات التي يصدرها القادة الأُخر

كلّ المحاولات التي إتّخذت برعاية البطريرك الماروني في كرسيّه في بكركي لإصلاح ذات البين بين بشير وطوني في الماضي كانت قد فشلت . وفي المقابلة الأخيرة بين بشير وطوني قال بشير :”إنّ زمن الإقطاع في الشمال قد إنتهى” وهنا أجاب طوني منفعلاً “إرفع يدك عن كلّ ما هو شمال جونيه وإلاّ كسرناها”.

كان المنفّذ الذي إختاره بشير شاباً في السادسة والعشرين من عمره يدعى سمير جعجع وهو إبن لشرطي مناوئ سياسياً لآل فرنجيه وكان علاوةً على ذلك من سكّان بشري المنافسة لزغرتا في إرثها الإقطاعي متعلّم مفكّر ذو نزعة ثورية سُحِب من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت حيث كان يُنهي السنة الأخيرة من دراسته وتمرينه كطبيب والدكتور هذا طلب ان يُعطى (كارت مفتوح) صلاحيات مطلقة وكما يظهر في مذكراته فإنّ بشيراً وحده وعدد قليل من المجلس الحربي كانوا يعرفون ذلك (عدد من اللبنانيين إعتبروا ذلك محاولة شخصية لتحاشي زجّ قيادة حزب الكتائب في العملية).

وما صرّح به بشير كان أن المقصود بعملية إهدن هو توقيف قتلة جود البايع الذي دلّت تحرّياته أنّهم في القصر. فالفكرة كانت إذلال فرنجيه وأتباعه بتحقيق هجوم جريء على إهدن قبل الإنتقال إلى المقر الصيفي ولكن جعجع كان يؤكّد أن تصميمه يرمي إلى ما هو أكثر من ذلك. كان مصمّماً على إحتلال إهدن والإحتفاظ بها إلى أن يخلي فرنجيه وأتباعه شكّا حيث معمل الإترنيت والإسمنت ولوازم السقوف. والفرنجيون كانوا مقتنعين بأن قوات جعجع كانت متوجهة إلى شكّا ولذلك حرّكوا عدداً كبيراً إلى المرفا على البحر ولم يعلم سوى إثنين أو ثلاثة أن الهدف هو شكا.

ولكن جعجع أدرك أنّ ذلك لم يكن بالخطة السليمة فإنّ عدد الرجال الذين معه قليل ولم يكن لديه سوى هذا الخيار وبشير كان يواجه ضغطاً من الجبهات الأخرى لا يسمح له بالإستغناء عن مسلّحين. جمعت القوة على حافة وادي قاديشا في قرية صغيرة (قنات) ثمّ حرّك جعجع رجاله في الطرقات الخلفية بحيث إستطاع الوصول إلى إهدن قبل الساعة الرابعة صباحاً وكان الهجوم الرئيسي بطبيعته معدّ لضرب القصر في المرحلة الأولى إذ كانت الغاية القضاء على الأمجاد التي لفرنجيه وقطع المواصلات الرئيسية ومهاجمة مصنع الأسلحة. وممّا قاله جعجع: “سمعنا إطلاق نار فردّينا بالمقابل وعندما دخلنا القصر وجدنا طوني والعائلة جثثاً هامدة. وعلى كلّ حال فقد كان من المقرّر أن يكون طوني فرنجيه بين يوم وآخر ميتاً”. خلال المعركة أصيب جعجع في كتفه فّقّد على اثره وعيه عندها أجهض نائبه العملية. كان الإنسحاب عسيراً فحواجز السوريين كانت في كلّ مكان والطيران السوري تتبّع الغزاة المبعثرين وميليشيات فرنجية كانت تعمل بقوّة فكان على العدد الكبير من كوماندوس الجميّل أن يختبئوا إلى أن يرخي الليل سدوله ثم ينجرّون عائدين إلى خطوطهم مشياً على الأقدام. ولما كان الغزاة أكثريتهم من ضواحي بيروت فقد كان يصاحبهم أدلاّء من أبناء الشمال يعرفون مخارج ألأرض ومداخلها وقد إعتبر جعجع أنّه كان موفّقاً لآنّه لم يخسر سوى 7 من رجاله في هذه العملية. عندما إستعاد وعيه في مستشفى أوتيل ديو في شرقي بيروت بعد ظهر ذلك اليوم كان بشير هناك يقوم بزيارته وقد خاطب جعجع قائلاً : “ليس موقفنا سيئاً ولو أنّ العملية لم تنجح كما كان منتظراً ” .

إنّ ملاحظة بشير اللاأخلاقية كانت لإخفاء رعونته. فهذا الرجل القوي الجسد كان له العديد من سوء التصرفات بدءاً من إنصرافه عن محاربة أعدائه التقليديين أمثال الفلسطينيين والمسلمين إلى محاربة الموارنة المحافظين والمسيحيين الآخرين الذين كانوا قد حاربوا تحت علمه في الحرب الأهلية. إنّ قيام معارك بين بعضهم بعضاً كان اكثر ممّا كان متوقعاً لدى المسيحيين خصوصاً عندما شمل ذلك قتل قائد منافس مع زوجته وإبنته. إن تاريخ لبنان قد تضمّن أمثلة متشابهة من أعمال الغدر ضمن الكيان الماروني ولكن الحاجة إلى الوحدة في الحرب الأهلية أوجبت طيّ صفحة الخلافات ما بين العائلات المارونية ذات المركز السياسي أو الحزبي أمثال الشمعونيين وآل فرنجيه وآل الجميل والآن جاءت عملية إهدن تعرّض للخطر قوة وتأثير الموارنة النازعة إلى إقامة دولة مسيحية لا تتأثّر ولا تأبه بالمسلمين والفلسطينيين.

ولكن مجزرة إهدن لم تحظَ برضى أسرة بشير وهي خطة مدروسة.فالجمهور اللبناني كان يعرف أنّ آل الجميّل كانوا متّفقين على تقاسم الأدوار كأن يكون الشيخ بيار ذلك الأب صاحب المبادئ والإستقامة والمؤسّس لحزب الكتائب, وأمين الشقيق الأكبر والنائب في البرلمان السياسي المعتدل والتاجر الذكي الناجح الذي كان يعارض شقيقه الأصغر بشيراً, وبشير القائد الحربي القوي العضلات المحبوب شعبياً. ومن وجهة نظرهم المبسطة كان من المفروض أن يصدّق اللبنانيون أن مثل هذا التباين في الأسرة كان في مصلحة المجموع بينما هو في الواقع لم يكن كذلك وتطبيقاً لهذه السياسة العائلية لم يخفِ أمين عدم موافقته على مهاجمة إهدن وكثير من أعمال بشير الأخرى وممّا قاله واحد من أفراد الحزب المتقاعدين وهو في الأربعين من العمر أنّه كان يشكّ في أن يكون بشير قد إستشار أخاه أو أباه بصدد العملية. ” لقد كان الشيخ بيار غاضباً شاحب اللون متأثّراً غاية التاثّر للإنغماس بعملية إهدن. فكأب حاول أن يتلافى الإنتقاد كما أخبرني ولكن عملية إهدن وضعت في النهاية حدّاً لمحاولاته بسط سلطته على بشير وإيقاف تحدّياته المتزايدة “. (كان الشيخ بيار يتظاهر دائماً بانّه غير راضٍ عن أعمال بشير بالرغم عن شعوره الداخلي). إنّ أولئك الذين كانوا يسمعون بشيراً يحطّ من قدر والده في مهمّته في كلّ الأمور الصغيرة والكبيرة كانوا مقتنعين بأنّ الشيخ بيار إنتهى دوره وأزيح من أمام الأضواء ولكن لم يكن هنالك من يفكّر أنّ إهتمام بشير بإعداد القوات اللبنانية كان في الواقع قد أمنّ له أرضية صلبة مستقلة.

أمّا من وجهة نظر العالم الخارجي فإن عملية إهدن ظهرت وكأنّما المقصود بها إظهار قوّة بشير وسلطانه داخل الغيتو المسيحي وفي نطاق أسرته الخاصّة. وفي التحليل الآتي الذي قدّمه أحد مستشاري حزبه ما هو أقرب إلى الحقيقة من اي قول آخر. ( كان بشير بذكائه ودهائه يعمل بقوّة وحزم مقتنعاً بأنّ أباه لا يريد أن يعرف إذ لو عرف لوجد نفسه مجبراً على البكاء والتأسّي وهكذا فإنّ الشيخ بيار كان يلجأ في النهاية إلى التستّر على إبنه بشير ). هذا ما قاله المستشار المشار إليه. غير أنّ عملية إهدن كشفت عن حمق بشير. ذاك الحمق الذي تجده عند المقامر المهووس الذي يرفع حجم المراهنات بالرغم من معرفته انّه خاسر. قال أحد مأموري شركة التأمين على الحياة : “أنا لا أبيعه بوليصة تأمين على حياته”. وأضاف سياسي أميركي في اليوم الذي تلا عملية إهدن:” أنّ بشيراً وقّع وثيقة وفاته في تلك العملية” ولكن بشيراً كالعادة مؤمناً بالقدر وأحكامه. كان يجاهر بأنّه حتى ولو فقد حياته فإنّ الحزب الذي أسّسه ووضع نظامه ابوه سيستمرّ بينما آل فرنجيه وصلوا إلى خطّ النهاية وكان يقدّر أن آل فرنجيه بعد 40 عاماً من النضال من أجل السيطرة أولاً في زغرتا هم الآن في طريق الإنحدار أثناء رئاسة سليمان فرنجيه غير الناجحة وعلى كلٍّ فهنالك بين اللبنانيين من يوقِع اللوم على سليمان فرنجيه ناسباً إليه العمل لتفاقم النزاع في الحرب الأهلية غير أنّ الأجواء في زغرتا لم تكن لتشجّع بشيراً على التفاؤل .
ولنصغي إلى لمياء فرنجيه الدحداح التي رأت عملاً بالتراث الزغرتاوي أن تنقل لإبن أخيها طوني, سليمان وهو ولد في الثالثة عشرة من عمره نبأ المجزرة في إهدن أثناء العودة وإيّاه من بيروت .
قالت لمياء: يا سليمان هل لا تزال تذكر كلبنا الذي في إهدن ؟ لقد قتلوه .
سليمان: من الذي قتله ؟
لمياء: الكتائبيون .
سليمان: ألم يحاول أن يعقر العديد منهم قبل ان يموت ؟
لمياء: محتمل . ثم إستطردت: يا سليمان هل تذكر خادمتنا فدوى التي في إهدن ؟ هي ايضاً قُتلت .
سليمان: من الذي قتلها ؟
لمياء: الكتائبيون .
سليمان: من المؤكّد أنّها لم تستطع المقاومة لأنّها إمرأة.
لمياء: نعم . لقد أطلقت عليها النار من الخلف وقبل أن يصلوا إلى زغرتا بقليل قالت له : الآن يا سليمان قد كبرت أنت الآن رجل .
وإذ توقّع ما جرى قاطع عمّته قائلاً : إنّهم قتلوا أبي أليس ذلك ما فعلوه ؟
لمياء: نعم
وردّ الولد بقوله : أنا متأكّد أنّه قاوم هؤلاء القتلة من الكتائبيين.

حرب الألف عام في لبنان – جوناثان راندل
أمراء الحرب المسيحيون .. المغامرون الإسرائيليون
1984