Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر June 12, 2018 03:43
A A A
“العلاقات اللبنانية – السورية” على جمر أزمة اللجوء
الكاتب: موناليزا فريحة - النهار

رواسب الوصاية ونظرية القتال المضبوط
*

في خضم السجال المحتدم حول اللاجئين السوريين في لبنان والازمة المستحدثة بين وزير الخارجية جبران باسيل والمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، شكلت الحلقة النقاشية التي نظمها معهد عصام فارس في الجامعة الاميركية ببيروت بعنوان “العلاقات اللبنانية-السورية وأزمة اللجوء واحتمالات العودة” فسحة للعودة الى خلفيات علاقات رسمية شائكة أرسى قواعدها الاولى الرئيس الراحل حافظ الاسد وواصلها الرئيس بشار الاسد من غير أن تخفف الحرب السورية الطاحنة وطأتها. واستأثرت العلاقات المجتمعية اللبنانية-السورية بحيز من النقاش الذي انقسم فيه المتداخلون والحضور حيال ارقام اللاجئين السوريين في لبنان والصور النمطية والعنصرية ودور الاعلام في صب الزيت على النار.

مدير “معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية” الوزير السابق طارق متري اعطى اشارة الانطلاق للنقاش بقوله إن التوجس من اللاجئين السوريين يعود الى الشعور بـ”الاستثناء اللبناني وهشاشة مجتمعنا”، ومعطوبيته، محذراً من أنه كما “الحرب أولها كلام فان التوجس المتورم” أول العنف.

ولكن متري لم يلق على ذلك “الاستثناء” وحده مسؤولية هذا التوجس الذي يبلغ أحياناً حد الهوس، إذ لفت الى أن القول بعودة اللاجئين الامنة لا الطوعية زاد الطين بلة “كأن الواحدة نقيض الاخرى”. كذلك، أضاف أن “اعادة السوريين بالقوة ليست بمتناول لبنان وهي انتهاك لابسط الحقوق الانسانية”. أما النظام السوري الذي لم يشر لا تصريحاً ولا تلميحاً الى استعداده لاستقبال من اضطروا للجوء الى لبنان، فهو أيضاً أعطى الانطباع عن عدم رغبة في البحث الجاد في هذه المسألة.

صحيح أن المشاكل الناجمة عن اللجوء السوري كبيرة، والسياسات الوطنية قاصرة عن معالجتها، وصحيح أيضاً أن انهاك اللاجئين والمجتمعات المضيفة والمجتمع الدولي يضاعف الاحساس بهذه المشاكل، الا أن القدرة على مواجها، في رأي متري،”تتعزز بتهدئة النفوس وعقلنة السلوك واستجماع الطاقات واطلاق المبادرات الخلاقة المفيدة للسوريين واللبنانيين على السواء”، لا بمواصلة المناوشات العقيمة بل المضرة.

وميز نائب رئيس “حركة التجدد الديموقراطي” الدكتور أنطوان حداد بين الموقفين الرسمي والشعبي السوري من العلاقات مع لبنان، قبل 2011 ، حين كان يصعب التمييز بينهما، وبعد 2011، عندما “صرنا أمام سوريا متعددة اللون”. وعاد تحديداً الى العلاقات بين البلدين في زمن الوصاية (1989 – 2005) وما نتج منها من معاهدات واتفاقات ثنائية أهمها “معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق” واتفاق الدفاع المشترك. ورأى أن هذه النصوص التي تجاوزها الزمن “تتطلب مراجعة جذرية تعديلاً لبعضها والغاء للبعض الاخير، بعد استقرار الوضع في سوريا”.

ولاحظ خصوصاً تأثير انتفاضتي 2005 (في لبنان) و2011 (في سوريا) على الخطاب السوري حيال لبنان، وهو ما تجلى خصوصاً في “اعلان بيروت دمشق، دمشق بيروت” لعام 2006، و”بيان من أجل المستقبل اللبناني – السوري” لعام 2011.

والى هذه التواريخ المهمة في العلاقات بين البلدين، أضاف الانقلاب الاستراتيجي في علاقات التداخل والتدخل بين لبنان وسوريا، في اشارة الى الانخراط العسكري المباشر لحزب الله في الحرب السورية.

وبعيداً من المبالغات في حجم اللجوء السوري وخلفيات التوظيف السياسي والتعبئة الطائفية، لاحظ حداد أنه لم يسبق في التاريخ الديموغرافي الحديث لاية دولة أن ارتفع عدد سكانها بنسبة 30 في المئة في غضون سنتين. ولئن أقر بتقصير فادح من المجتمع الدولي حيال لبنان والدول المضيفة، ألقى المسؤولية الكبرى على السلطات اللبنانية التي لم تستقر على سياسة متكاملة وفاعلة لادارة أزمة اللاجين.

نظرة شعبين بعضهما الى البعض
ولخص عرض العلاقات المجتمعية اللبنانية – السورية الذي قدمه السفير السوري السابق في بريطانيا سامي الخيمي، نظرة شعبين بعضهما الى البعض مع شيء من المبالغة.
ففي الانطباع المتبادل، تحدث خيمي عما سمّاه “القرب المحرج”. وقال: إذا سألت سورياً عن اللبناني يقول لك، اللبناني ظريف لكنه أسير المال أو المادة، إذا كنت فقيراً يعاملك بازدراء، أما إذا كنت غنياً فأنت مرحب بك. وإذا سألت لبنانياً عن رأيه في السوري، يقول لك: أنا قد أحترم فيه الجدية في العمل والامانة، لكنه يذكرني بأيام كنت فقيراً، ويزعجني شبه لهجته بلهجتي”.
هذا قبل فترة الوصاية. أما بعدها فقد تفاقم تحسّس كثير من اللبنانيين حيال السوريين.

في العلاقات بين الشعبين والنموذج اللبناني، شدّد الديبلوماسي السوري على ضرورة التمييز بين مواقف السياسيين والعلاقات بين الشعبين. وعلى حد قوله أن النموذج اللبناني يبقى جذاباً للسوريين من حيث حرية ابداء الرأي والانتخاب والاعلام، وإن كانوا لا يستسيغون فيه مبدأ المحاصصة وما يصطلح على تسميته “أمراء الطوائف”.

وفي المقابل، بدا خيمي متفائلاً باعتباره المنظومة الطائفية السورية ذات طابع مرحلي عابر يستبق مرحلياً العودة الى حكم أكثرية عاقلة ومؤمنة بالمواطنة الحقة.وفي العلاقات الاجتماعية ايضاً اعتبر مشاريع الدراما المشتركة أو مشاريع الانتاج الغذائي السوري المسوق لبنانياً نموذجاً لمشاريع مشتركة تعتمد على قدرة السوري على الانتاج وقدرة اللبناني على التسويق.

وارتأى الكاتب حازم صاغية مقاربة العلاقات السورية-اللبنانية من منظور علاقة الاسدين بلبنان. فما سماه “النظرية الاسدية للبنان”، تقضي بابقاء لبنان ساحة لنزاع مع إسرائيل، نزاعٍ قابل دائماً للضبط والسيطرة بحيث لا يفيض ولا يتهدّد السلطة في دمشق، أي أنّه لا يُخلّ باتفاق فضّ الاشتباك السوريّ – الإسرائيليّ الموقّع برعاية أميركيّة في 1974.

لكن حالتين كادتا تهدّدان هذا القتال المضبوط عامي 1982 و2006. في الأولى، مع الغزوّ الإسرائيليّ، اختارت سلطة الأسد الأب الاكتفاء بهزيمة محدودة والانسحاب، ومن ثمّ الرهان على التناقضات اللبنانيّة – اللبنانيّة من أجل تحقيق العودة التدريجيّة. في الحالة الثانية، مع حرب “حزب الله” وإسرائيل، اختارت سلطة الأسد الابن عدم التدخّل ودعم الطرف اللبنانيّ الذي يقاتل من بعيد.

ووجدت هذه “الحرب المضبوطة” في حزب الله خير ممثل لها، “لذا أعطي شرف المقاومة الذي انتزع من المقاومة الفلسطينية”.

وفي سياق النظرية الاسدية للبنان، تحدث صاغية أيضاً عن حرص دمشق على ابقاء السياسة الخارجية للبنان في يد دمشق، واختيار رئيس الجمهورية من المناطق ذات الصلة الاقوى بدمشق، “وإذا حصل أنه كان من الجبل فيكون بلا قاعدة شعبية كبيرة مثل اميل لحود أو ميشال سليمان”.

المعادلة هذه تغيّرت بعد 2005 اذ قضت النزاعات الداخليّة اللبنانيّة بانتقال الزعيم الأبرز للمارونيّة الجبليّة، أي ميشال عون، إلى الصفّ السوريّ. لكنّ هذا الاستثناء لا يلغي القاعدة التي تكثر الشواهد عليها.

وأقر صاغية بأن نشوب الثورة ثمّ الحرب الأهليّة في سوريّا أدخل تعديلات كبيرة على هذه المعادلة، خصوصاً في ما يتعلّق بالتوازن بين النظام الأسديّ و”حزب الله”، ومن ورائه إيران، داخل التحالف بينما. ومع ذلك، وعلى رغم تغيّر العناوين والأوزان داخل تحالف القوى الممانعة، لا تزال النظريّة التي ابتكرها حافظ الأسد هي إيّاها: أن يبقى لبنان ساحة تُعلَّق فيها النزاعات الإقليميّة بما يفيد سواه، شرط ألا تنفجر تلك النزاعات على نحو يهدّد ذاك السوى.

وبالنسبة الى أزمة اللاجئين السوريين، قال الكاتب اللبناني إنها، من بين أمور أخرى، جزء من أزمتنا مع أنفسنا، ذلك أن “اللبنانيين كما السوريين شعوب مصدعة بعمق بولاءاتها الطائفية، وهي مشاريع مستقبلية لشعبين لم يتشكلا بعد”.

الصحافي محمد علي الأتاسي حمل الاعلام اللبناني مسؤولية كبيرة في تأجيج العنصرية حيال اللاجئين السوريين في لبنان، وتحدث عن اشكالية الارقام ورفض الصور النمطية التي تزيد العنصرية تفاقماً.

وفي حلقات أخرى، ناقش خبراء وناشطون مسألة العودة والعوائق والشروط والاحتمالات.