Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر June 11, 2018 17:36
A A A
مشاهد عشتها صبيحة 13 حزيران 1978
الكاتب: أنطوان المقسيسة-موقع المرده

يوم أرادت إسرائيل أن تسمّم أهل المدينة قتلت “النبع” .

كان الليل قد بدأ يغمض عينيه مستسلماً أمام خيوط الشمس التي بدأت ترسل دفءها صبيحة 13 حزيران من العام 1978 .إنّه يوم الثلثاء عيد القديس مار أنطونيوس البادواني .
هو شهر المونديال الذي كان يقام تلك السنة في الأرجنتين أبعد بلدان الكرة الأرضية وكانت السهرة في تلك الأيام على الشاشة الصغيرة أمام محطّة واحدة كانت تنقل بعضاً ممّا تيسّر من المباريات بسبب عدم توفّر التقنيات اللازمة كما هي اليوم .

كان جوزيف المقسيسة من المغرمين جدّاً بأولاد السامبا أي لاعبي البرازيل كما الكثيرين من أبناء البلدة الذين أطلق العديد منهم أسماء أولادهم تيمّناً بأسماء لاعبين برازيليين .
وكان “ابو الزوز” زهرةً في مجتمعه حيث يكون وصاحب نكتة .أنيقاً في ملابسه ولديه عدّة خاصة لمسح أحذيته وعدّة الحلاقة والصابون وفرشاة الأسنان وقنينة العطر ما تزال ماثلة أمام عينيّ وهي موضوعة بعناية على شبّاك غرفته.
كانت النظافة تشغله …
وكان طوني بك فرنجية همّه الأوحد والأوّل والأهمّ.
كان يحبّه بغرابة وهو الزعيم الذي أحبّه كلّ الشباب الزغرتاوي حيث قضى معهم أيّام الحرب.
طوني بك فرنجية كان ذاك الزعيم الذي ذهب و … لم ولن يعود .

كان جوزيف يكره الذهاب إلى الحقل معنا للعمل ونحن أبناء ذاك الفلاّح الذي قضى عمره في البساتين من الليمون إلى الزيتون إلى التفّاح وصولاً إلى العنب والتين وفي آخر المطاف “سحب العرق” الذي كانت شهرة “أبو سيمون” قد سبقته وهو لديه معارف وقد أوصلوا نوعيّة عرقه إلى السفارة اللبنانية في لندن.
وسحب العرق كما هو معروف في تلك الأيّام كان يتطلّب تبريداً “للكركة” من خلال وضع نبريش للمياه دائماً فوق الطاسة كي لا يفسد العرق المتلّت الذي كان ابو سيمون يفاخر بأن الرئيس سليمان فرنجية ما كان يشرب العرق إلاّ من صنع يَدَي أبو سيمون. وإن أنسى فلا أنسى زراعة القمح والحمّص والباقية في سهل الجديدة في زغرتا.
وكيف لي أن أنسى عشبة “الباقية”وهي المحصول الذي كنّا سنحصده يوم وقعت تلك المجزرة اللعينة كمرتكبيها.

وما كان كلام والدي عن طوني بك يوم إشترى تلك الفلاحة الحديثة في ذلك الزمن وكان يهوى قيادتها بين شجرات الليمون لحراثة الأرض ليزيد جوزيف رغبة بالذهاب إلى البستان. ذلك أن والدي كان يعود إلى المنزل في آخر النهار وهو مغتبطاً ويروح يخبرنا بأنّه حين كان طوني بك يقود الفلّاحة كان والدي يقشّر له بعض حبّات “الليمون الرجعي” ويضعها له في فمه وكان طوني بك مبسوطاً .
ما كان جوزيف يرغب بالعمل في الحقل وكان دائماً على شجار مع والدي لهذا السبب وهو الذي كان يقول لآمّي بأنّ العامل يقبض يوميّته 10 ليرات فيحاول أن يعطيها 10 ليرات لتأمين عامل بديلاً منه.
إلاّ تلك الليلة

صورة لن أنساها أرسمها وكأنّ أحداثها تجري الآن

كنّا جالسين مساء الإثنين 12 حزيران أمام التلفزيون نتابع إحدى المباريات ونأكل المشمش .
يومها قال لي والدي بأن أسأل أخي جوزيف إذا كان سيقوم باكراً في الغد للذهاب معنا لجمع محصول الباقية من سهل الجديدة فردّ جوزيف موافقاً وقال لي “أيقِظوني”.
ربّما كنت أكره الحقول والعمل فيها أكثر منه. فأنا ومنذ كنت في الثالثة عشر من عمري حُرمت طعم النوم في الصباح ولكن ما باليدِ حيلة خاصةً وأنا الأصغر في البيت ولم يكن لدي مدخولٌ آخر أعتمد عليه .
كانت بندقية الكلاشينكوف رفيقته في الليل كما آلة الموسيقى في النهار وهو المشجّع الأول لنادي السلام زغرتا وصاحب ذاك اللحن الذي ما زالت تتردّد أصداؤه إلى اليوم: “تا را را تا تا سلام “.
كان يسهر على الإثنين مسحاً وتنظيفاً وتزييتاً لتكونا جاهزتين عند الضرورة وخصوصاً البارودة التي كأنّها عروسه إلى جانب تلك الحسناء التي كان مغرماً بها وينوي الزواج منها فكان يغازل الإثنتان.

هناك شيء في الحياة -ربّما سِرّ- تضعه الطبيعة ولا يستطيع الإنسان مهما بلغ من العِلمِ أن يفكّه ويحلّ رموزه.
كأنّ الإنسان يعرف موعد الرحيل فيأبى إلاّ أن يترك بصماته في مكان ما. ربّما للفرح ولكن .. الأكيد زيادة في الحزن .

كنت في الرابعة عشرة من عمري .
إستيقظت على صوت والدي وهو يطلب منّي تحضير نفسي للذهاب إلى منزل أخي الكبير سيمون في حيّ العبي كي ينقلنا في سيّارته .
كنت وجوزيف في نفس الغرفة ووالدي لم يشأ أن يرفع صوته ربّما لأنّه لم يكن “مصدّقاً” أن جوزيف سيذهب معنا إلى الحقل .
لبست ثيابي خلال ثلاث دقائق ولم أزعجه لأنّي كنت أعرف أنّه يحب النوم عند الفجر .
بعدها أيقظت جوزيف وسألته: هل ستذهب معنا ؟
فردّ بالإيجاب .
فقلت له جهّز نفسك إلى أن أذهب وآتي وشقيقك.

لم ولن تمحُ الأيّام مهما طالت تلك الصورة من خيالي ما حييت.
أزاح جوزيف اللحاف عنه ورفع مخدّته إلى أعلى السرير نحو الحائط ووضع يده تحت رأسه وأرخى رأسه عليها وراح يتأمّل في سقف الغرفة.
كانت آخر صورة له في عيوني. وما عدت شاهدته إلاّ…
جثة هامدة في صندوق سيّارة مرسيدس 180 إلى جانب ثلاثة آخرين وأرجلهم مدلاّة من السيّارة .

شككت أنّه هو … .
ربّما في تلك اللحظة أخذتني الدهشة أمام المنظر الغريب الذي كان يتراءى أمام ناظريّ .
القتلى تنقل بصناديق السيّارات. لم يكن أحد يعلم ماذا حصل أو ماذا يحصل .
لم يكن أحد يصدّق ماذا يجري !!! ثلاثة قتلى . خمسة قتلى . سبعة قتلى .. خمسة عشرة قتيلاً …
وبدأ همسٌ يتناهى إلى مسامعي … هيدا إبن غزالة .

غزالة تلك السيّدة الطيّبة التي عجنت الحياة بحلوها (إذا وُجِد) ومُرّها مع زوجها. فهما كانا قد أسّسا دكّاناً وكانت أمّي هي المسؤولة عنها فكانت الناس تعرفها ب دكّانة غزالة.
هيدا إبن غزالة… تبادر إلى ذهني في تلك اللحظة صورة القتلى في صندوق السيّارة و…كان المنظر رهيباً .

هل تخلّت الآلهة عنّا ؟ هل تركتنا شفيعة البلدة سيدة زغرتا ؟
أسئلة كنت أسمعها على لسان النسوة المنتحبات لفقدانهن أخاً أو زوجاً أو إبناً أو حتّى قريباً.
وفوق هذا كلّه وحتى تلك اللحظات لم يكن أحد يفهم أو يدري ماذا جرى وكيف سقط هذا الكمّ الهائل من القتلى .

قبل هذه اللحظات وكعادتهم في أوقات الشدّة توجّه العديد من أبناء زغرتا ومنهم أنا نحو القصر ودبّت النخوة في الجميع من أجل إخراج الشاحنة التي كان يوجد عليها مدفع مضاد عيار 57 ملم . والصعوبة في العمل كانت متأتّية من كون الشاحنة التي أوقفت في الطابق الأرضي من قصر الرئيس فرنجية عند نهاية الحرب قد جرى بناء حائط حولها فأصبحت وكأنّها في مرآب مقفل.

أتخيّل تلك اللحظات من فجر 13 حزيران 1978 وكأنّها تحصل الآن.

بدوت مشوّشاً فعدت إلى البيت وقبل وصولي سمعت الصراخ والعويل من جهة المنزل فتأكّد لي شكّي بأن … هذا جوزيف عاد مستشهداً.

وهنا إختلط حابل الحقيقة في ما حصل بنابل الروايات والكلّ يريد الإطمئنان على سلامة طوني بك .أحدهم يقول أنّه غادر منذ يومين وعائلته إلى بيروت وآخر يطمئن أنّه نزل مع أبو واكيم إلى شكّا وثالث ورابع حتّى ظهرت فداحة المجزرة التي وقعت .

كانت غزالة تنتحب وهي تحمل قميص إبنها وهي التي لم يكن قد مرّ على إجرائها عمليّة جراحية أكثر من 10 أيّام.
وحتّى هذه اللحظة لم يكن أبي قد عاد إلى المنزل.

حين ذهبت صباحاً إلى منزل شقيقي في حيّ العبي لأوقظه كي يوصلنا شاهدت سيّارة رينو 12 (بيضاء اللون أو سماوّيّ) وبداخلها سائق وقربه الأب يوسف يمين “ابو المردة” وقد أخرج بندقيته خارج السيارة وهو يطلق الرصاص ويصيح بصوت عالٍ: في هُجُوم عا إهدن .
سألني اخي: شو هالقواص ؟
أجبت :ما بعرف. هيدا البونا يوسف يمين مارق بزغرتا وعم بيقوّص من شباك السيارة وبيقول في هجوم عَ إهدن.

حين عدت إلى المنزل وحيداً لأنّ أخي إنطلق نحو إهدن سألتُ أمّي: أين جوزيف ؟
فقالت لي: لقد وضع الكعكة في فنجان الشاي وسمع إطلاق الرصاص فتركها من دون أن يشرب أو يأكل شيء وحمل بندقيته وأطلق 3 طلقات منها وذهب .
وأين والدي قلت؟
أجابتني: لقد ذهب هو الآخر.

جوزيف إنطلق بسيارة مع مجموعة من الزغرتاويين وأخي الأكبر سيمون إنطلق بسيارته متوجّهاً نحو إهدن ووالدي ركب بسيارة ثالثة من دون أن يعرف عن أولاده وأنا واحد منهم شيء.

في الطريق نحو إهدن وكانت بعد ضيّقة شاهد والدي شقيقي جوزيف في سيّارة أخرى تتجاوز سيّارتهم. وصلت سيّارة والدي إلى كفرفو ومُنِعَت عند أحد المفارق من إكمال الطريق بسبب الرصاص الغزير الذي كان ينطلق من الكوع الأعلى. هنا إلتقى والدي بأخي الأكبر وقال له: خيّك جوزيف بالسيارة اللي عالكوع الفوقاني.
ما هذه المفارقة! والدي وأخي في مكان وأخي صار شهيداً في مكان وأنا أُحاول أن أُساعد في مكانٍ آخر.
*

لم يعلم واحدهما ماذا جرى أو يجري عند الكوع التاني. زادت غزارة الرصاص فإختبأوا عند إحدى التلال وشاهد أبي أحد الشباب الزغرتاويين يخلع قميصه ويحاول الإنطلاق نحو مصدر الرصاص فقال له أبي: إنتبه هناك رصاص يأتي من فوق وغاب عن نظره.
لاحقاً حين إنتهى كلّ شيء سمعَ والدي بأن أحد الشباب ما زال مفقوداً من دون أن يعرف أحد مصيره فقال والدي لهم بأن يبحثوا عنه في النقطة التي شاهده ينطلق منها فعثروا على جثّته وهو سمير طنّوس قبشي .

في ذلك الصيف اللاهب بحرارته كنت أساعد والدي في البستان .
كنت أبكي لبكائه وأنا أرى دموعه تجري غزيرةً على خدّيه وهو يدندن أغنية :
يا غزالي كيف عنّي أبعدوك
شتّتوا شملي وهجري عوّدوك

33 سنة والذكرى ما تزال ماثلة أمام عينيّ والشهداء في قلبي ولم ولن تستطيع الأيام مهما طالت أو قصرت أن تمحو من بالي تلك اللحظات .

الأحد 12 حزيران 2011