Beirut weather 25.21 ° C
تاريخ النشر June 13, 2018 08:15
A A A
طفلة قصر المستديرة
الكاتب: ليليان يمين

في شريط الذاكرة صورة عالقة لشقراء الشعر، إبنة الثلاث سنوات، طفلة قصر المستديرة. كان شعور من الطمأنينة الأبدية يربطني بأمّي وبعض النسوة اللواتي كنّ يعشقن صغيرة القصر كما أهله ويبالغن بسرد أخبارها ومشاعرهنّ حتى صارت شقراء الشعر بطلة لرواية طفولية حالمة.

كانت رغبتي في رؤية الصغيرة قد بدأت تزداد وكان شهر أيلول شارف على الإنتهاء عندما رأيت شقراء الشعر لأوّل مرّة. كنّا في السيّارة نتّجه إلى مدينة الشتاء لحظة أشار السائق إليها وتباطأ تلقائياً. كانت تسير على الطريق العام المؤدية إلى قصر المستديرة برفقة امرأة علمت في ما بعد أنها إحدى الخادمات. كانت الصغيرة حاضرة بقوة ، فستانها الأحمر وحذاؤها الأسود اللمّاع والشعر الأجعث حدّ الكتفين يعلو وينخفض قليلاً ربما لأنها كانت تسير على رؤوس قدميها وما يساعدها في ذلك أن المرأة كانت ترفعها قليلاً من يدها. عند اقترابنا منها كان نظري قد اشتدّ أكثر لأنني علمت حينها أننا سنعود ونبتعد. في تلك اللحظات السريعة حصل أمر ُ رائع ، فقد أرادت المرأة وضع القبعة على رأس الصغيرة خشية حدّة الشمس ما أثار غضب شقراء الشعر فرمت القبعة أرضاً بشيء من الغضب الذي لامس البكاء، حركة إحمرّ معها وجه الصغيرة وارتجف لها قلبي، كان منظرها على قدر كبير من الجمال وشعرت برغبةٍ كبيرة في معانقتها، إلهائها وربما إضحاكها.

ومضى الشتاء واقترب موعد العبور ، فأنا من بلدة يعبر أهلها صيفاً إلى الجبل العالي عبور الغيم الأبيض وأسراب الطيور، عبور نحن ذواتنا، حيث المياه تأتينا ينابيع والمنازل تفصلها عشرات الأدراج الحجرية، أحراج الشربين المعتمة ليلا فيما أنت تجول فيها لتطلع من رأسك مشرقة إلى ذلك الجبل الضخم، الصامد، شاهداً أزلياً على اللعبة الضوئية الكونية، لوحة تجريدية تكتنز ظلال الغيم وغبرة الألوان.

في مطلع ذلك الصيف لم يكن عبورنا كالمعتاد، كان حزيناً ملؤه البطىء والتردد فقد طالت يد العنف بلدتي الجبلية ومات من كان هناك بمن فيهم شقراء الشعر، ماتت طفلة قصر المستديرة . أذكر أنني لم أحتمل هذا الكمّ الهائل من التفاصيل يتناقلونها الكبار وأحدهم لا يلحظ وجودي. شعرت كأنما السماء وقعت على رأسي ، كان الموت الذي اكتنز الجسد الصغير أكثر غموضاً بالنسبة لي من حياة كاملة. القلب أثقل من قمر والصوت عصفورٌ قد تمّ تمزيقه فيما كنت أسبر بإتجاه ذاك النهر، لقد كان النهر والكنيسة الوادعة بقربه هما أبعد نقطة أعرفها ويمكنني أن أذهب إليها دون أن أتوه. هناك عرفت شعوراً بالفراغ الكامل، شعور من سرقت أعز مقتنياته. عند عودتي لم يكن أحد أعرفه يشبه حاله، دخل الجميع في حالة من الهستيريا الجماعية، كانوا يسيرون في الشوارع كمن أصابهم مسّ ، يردّدون أسماء الضحايا عالياً حدّ الصراخ وقد شرّعت الخيانة أوجاعهم ذراعاً بعد ذراع وبالأكف يضربون صدورهم ، يبكون شيخاً، أمّاً ويبكونك يا عين الذهب، يا صغيرة كنجمة بعيدة.

وكبرنا نواصل العبور وشقراء الشعر ما عادت طفلة أُغرمت بها، باتت طفلة الحلم المكسور المنتناثر على مدّ السنين. وحدث بالأمس أن أيقظ صوت ذاك المغنّي الأبوي الدافىء طفلة اللّهب التي بداخلي، كان يغني : ” عنّا ولاد زغار بنامو بكير لا طلّو ع بناماتن هاو بخافو كتير …” والصوت ينهض شجرا في البال، وكان أن بكيت على طفلة تركتها تسير في الشمس فذهبت إلى ضفافٍ أُخر وظلّت هناك دائمة الطفولة، وأعرف أنني بكيت على الطفلة التي هي أنا، طفلة اكتنزت تلك المشاعر المؤلمة والمتضاربة، طفلة كبرت تحبّ الأطفال ودائمة الخشية عليهم، كأنما الخوف عندها من مفردات الحبّ وطالما تساءلت، هل في يقين من ينتزع حلماً أنه ينتزع عمراً ومن يطال طفلاً يطال طفولة بكاملها.

ليليان يمين… محامية وكاتبة