Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر June 11, 2018 13:47
A A A
(2) حكايا التزوير والانتخابات.. من لبنان الصغير إلى 2018
الكاتب: احمد زين الدين - اللواء

كيف هزم «العمران القمران» في بيروت لائحة الانتداب الفرنسي
*

بعد قيام لبنان الكبير في العام 1920، انتهت سلطات الانتداب الفرنسي في العام 1922 اللجنة الإدارية الموروثة من زمن المتصرفية، وأصدرت قانون انتخاب جديد، دعت بموجبه الناخبين لانتخاب مجلس تمثيلي من 30 عضواً يمثلون المناطق والطوائف على أساس المحافظات والبلديات الممتازة، وكان انتخاب هذا المجلس يتم على مرحلتين:

الاولى: انتخاب مندوبين ثانويين بحيث يمثل كل 250 ناخباً مندوباً واحداً.
الثانية: ينتخب المندوبون الثانويون أعضاء المجلس.

استمر هذا المجلس حتى العام 1925، حيث عين شهر تموز موعداً لاجراء الانتخابات، بموجب قرار حدده المندوب السامي الجديد الجنرال سارايل.
أسفرت هذه الانتخابات بفعل التدخل السافر للسلطات الانتدابية إلى نجاح جميع لوائحها في المناطق اللبنانية، باستثناء محافظة بيروت، حيث نشبت معركة عنيفة بين لائحة الانتداب الفرنسي ولائحة المعارضة.

كانت لائحة الانتداب بزعامة اميل إده، ولائحة المعارضة بزعامة جورج ثابت.

لقد ضمّت اللائحة المعارضة للانتداب شخصيات قوية ومحترمة ومحبوبة عند البيروتيين، يكفي ان نشير انها كانت تضم عمر الداعوق وعمر بيهم وميشال شيحا.

في تلك الانتخابات قدمت سلطات الانتداب الفرنسي كل اشكال الدعم والضغط من أجل اللائحة الأولى، لكن النتيجة جاءت مخيبة لآمال الانتداب واتباعهم، وفازت لائحة المعارضة التي كان يُطلق عليها البيروتيون لائحة «العمرين القمرين».

وفي شهادة أخرى عن تدخل المفوضية الفرنسية في هذه الانتخابات ما يرويه الوزير والنائب الراحل المهندس يوسف سالم، وهو كان مرشحا أنئذٍ عن محافظة لبنان الجنوبي فيقول: «قبل أسابيع قليلة طلب إليّ مدير شركة المياه الكومندان دبوريغان ان اقابل السيّد ريمون في ساحة البرج، الذي قال لسالم خلال اللقاء: «أعرف من صديقي الكومندان دبوريغان انك شاب نشيط مثقف وانك أهل لأن تكون عضواً في المجلس التمثيلي، لكن الا ترى معي انك لا تزال فتياً؟».

تابع مسيو ريمون: «اقول لك هذا واريد ان تأخذ علماً بأن لائحة الجنوب قد أقفلت واكتملت بأعضائها السبعة، ووافق عليها المفوض السامي، وليس من سبيل للرجوع عنها وإجراء أي تعديل عليها وهذا يعني ان لا امل لك بالنجاح».

ورد يوسف سالم على ريمون بقوله: «اعرف أن النيابة هي انتخابات لا تعيين، اما عن فتوتي فأنا عمري 26 سنة والقانون يخولني خوض المعركة، وصممت ان اجرب حظي مع الناخبين».

ردّ ريمون بالقول: «اكرر عليك، إذا كنت رشحت نفسك ضد اللائحة الرسمية فلن تنجح، واني اعتبر ذلك تحدياً لإرادة المفوض السامي ويهمني ان اجنبك الفشل وانت في مطلع حياتك، لذلك انصحك بالانسحاب، وبعد أربع سنوات اعدك بأنك ستكون مرشّح الحكومة في الانتخابات المقبلة».
وجاء ردّ يوسف سالم: «من الآن حتى أربع سنوات ستجري مياه كثيرة تحت الجسور» وانصرف بعدها.

وكان ان انتهت هذه الانتخابات بفوز يوسف سالم على مرشّح الانتداب سعيد حداد بفارق صوت واحد، حيث نال سالم 63 صوتاً من المندوبين الثانويين من أصل 125 صوتاً.

في عهد هذا المجلس، بدأت تتناهى كما يقول الرئيس بشارة الخوري في الجزء الأوّل من مذكراته «حقائق لبنانية» اخبار «الثورة العربية الكبرى في سوريا»، وخروج المتظاهرين إلى الشوارع، وانصرف المندوب السامي سارايل بكليته لمتابعة شؤون سوريا الشائكة، وذهب إلى دمشق حيث استقبلته المدينة بتظاهرات صاخبة، فبلغت الحماقة بسارايل أمر بضرب دمشق على غير هداية، فقامت القيامة على تلك السياسة الخرقاء والأعمال الهمجية».
بعدها اضطر الفرنسيون امام الخسائر العسكرية والمادية الكبيرة، التي لحقت بهم في سوريا، في وقت امتدت الانتفاضة السورية إلى لبنان، مما أدى إلى اضطراب الوضع كثيرا في سوريا ولبنان، وظهرت النقمة على رجال «الانتداب في كل مكان، مما اضطر الفرنسيين إلى استبدال المفوض السامي الجنرال سارايل، بمفوض مدني من اعلام البرلمان الفرنسي في حينه، هو هنري دو جوفنيل، الوزير السابق وعضو مجلس الشيوخ وأحد أصحاب جريدة «لو ماتان» الباريسية الشهيرة.

في عهد هذا المندوب السامي الجديد، كان لبنان امام مرحلة جديدة حيث تمّ وضع الدستور اللبناني، وبدء مسيرة جديدة كان أبرز ما فيها: انتخاب ثلثي أعضاء مجلس النواب وتقوم سلطات الانتداب الفرنسي بتعيين الثلث الأخير لتبقى ماسكة بالحياة السياسية والتشريعية والتنفيذية.