Beirut weather 11.22 ° C
تاريخ النشر June 22, 2016 05:34
A A A
ليس الآخرون هم السّبب!
الكاتب: عبد الله بوحبيب - السفير

باتت الحال التي وصل اليها لبنان هي الحديث الدائم للبنانيين في الداخل والاغتراب. القرف واليأس طاولا الجميع، والأمل في عيش مريح خال من الوسخ والتلوث وزحمات السير والأزمات السياسية والاقتصادية المستمرة بات مستحيلاً للمقيمين، ورادعاً لمجيء المغتربين.
نهب وسرقات ومشاكل كثيرة لا تنتهي، ومعظم المتهمين والحماة من أركان الدولة: فضائح الانترنت والاتصالات، نهب الأموال من مؤسسات الدولة الأمنية والخدماتية، خلايا الدعارة والمخدرات والإرهاب، مشاكل الزبالة المستمرة والخلاف على التلزيم بشفافية، خلافات دائمة على تلزيم المشاريع ومنها السدود والطرق، ناهيك بخلاف دائم حول تلزيم أو تحديث مصانع إنتاج الطاقة المستمرة منذ انتهاء الحرب.
هذه المشاكل لا تكاد تنفجر حتى تختفي من الإعلام كأنها لم تحدث، أو أنها كانت كذبة. لا تحديد للمسؤولية، والإحالة الى التحقيق والقضاء أصبحت مخرجاً لعدم اتخاذ القرار المناسب وإخفاء المشاكل في دنيا النسيان.
بالإضافة الى ذلك، هناك خلافات طائفية حول مهمات مؤسسات الدولة، وخلافات مذهبية حول تعريف الإرهاب وتوصيفه، وخلافات سياسية حول الدور الإقليمي للبنان ولكل من مكوّناته، واختلاف حول ماهية «داعش لاند» و «النصرة لاند»، تهديدات خليجية بطرد لبنانيين يؤيدها البعض ويلعنها آخرون، فراغ رئاسي ومؤسساتي حتى لو انعقدت جلسات مجلسي النواب والوزراء، خلاف دائم حول قانون انتخاب جديد وعادل كان مطلباً رئيسياً خلال اجتماعات الطائف وأصبح حاجة أساسية لتكريس الشراكة الوطنية، الخلاف الظاهر حول تطبيق المصارف اللبنانية العقوبات الأميركية على «حزب الله»، وأخيراً وليس آخراً، الخلاف حول استغلال موارد الغاز الطبيعي في مياهنا الإقليمية.
الفضائح والنهب والخلافات والشلل، وكل المشاكل الداخلية، سببها الحماية التي توفرها الطبقة السياسية لنفسها وللمخالفين الذين يدفعون من نهبهم مال الشعب ثمناً لحمايتهم واستمرارهم منذ عقود في استغلالهم أتعاب اللبنانيين، ومنعهم من بناء دولة عصرية تكون بالفعل مثالاً للحداثة في منطقة أصبحت في أدنى درجات التقدم بحسب المعايير الدولية.
السبب ليس «الآخرين».. ولا الأزمات والحروب الإقليمية. بل السبب الأساسي هو نحن. وما ارتباط معظم القيادات والمكوّنات والأحزاب اللبنانية، مباشرة وغير مباشرة، بالآخرين من القوى الإقليمية والدولية، سوى تهرّب من مواجهة مشاكلنا الداخلية والمصطنعة أحيانا. كل منا يريد مساندة قوى إقليمية أو دولية للانتصار على خصمه في الداخل اللبناني. كل منا يرتبط بالاستحقاقات الإقليمية والدولية للتهرب من حل المشاكل اللبنانية العالقة، فإذا أعلن عن اجتماع بين أوباما وبوتين، أو زار أحد أمراء الخليج واشنطن، تتوقف المفاوضات والحوارات في انتظار نتائج الاجتماعات. نرفض العيش في الواقع ونصر على أن نعيش بالوهم. نرفض القبول بأننا لسنا على لائحة أولويات الرئيسين أوباما وبوتين، ولا الملك سلمان والرئيس روحاني ولا حتى فرنسا الأم الحنون، خاصة أن لكل من هؤلاء قضايا ومشاكل أهم بكثير من ألاعيب قياداتنا.
طبعاً للدول الإقليمية، وخاصة الكبرى منها، الطموح بأن يكون لها مرقد عنزة في لبنان. لكن من يعطيها هذا المرقد هو نحن، القيادات والأحزاب والمكوّنات والأفراد اللبنانيين.
قياداتنا تتجاهل أن السياسة فن الممكن، وأن النجاح يحدد بالوصول الى تسوية. يبدو كأن قياداتنا لا تُمارس سوى سبل الربح والخسارة المتأصلة في عروقنا المركنتيلية. قياداتنا تتجاهل أن من النادر أن تنتهي جولة سياسية أو عسكرية في لبنان بربح كامل وخسارة شاملة. ليس هناك ربح مميز في لبنان. ربح تكتل 14 آذار الأكثرية النيابية في انتخابات 2009، لكنه لم يستطيع تشكيل حكومة من دون تحالف 8 آذار.
حان الوقت لأن نفتش عن حل يخرج منه كل الأفرقاء رابحين (win-win solution)، فلا يبقى مكوّن لبناني محبطاً أو حقوقه ضائعة. لقد برهن اللبنانيون في تشرين الثاني 1943 وفي آذار 2005 أن ليس في استطاعة أية قوة إقليمية أو دولية ـ مهما كان وزنها سياسياً أو ديبلوماسياً أو عسكرياً ـ أن ترغمهم على أن يكونوا ملحقين بها ومنفذين لسياستها. فهل بإمكاننا أن نلتقي مرة اخرى لمصلحة لبنان وشعبه؟ وهل في استطاعة قياداتنا أن تعيد الينا جميعاً ما فقدنا من كرامة ومجد أم سنبقى في عصر الانهيار المنحدر؟