Beirut weather 10.42 ° C
تاريخ النشر June 22, 2016 05:30
A A A
هل تنجو أوروبا من الزلزال؟
الكاتب: موناليزا فريحة - النهار

نادرة هي الاستفتاءات الداخلية التي أُثارت استنفاراً دولياً كذلك الذي يشهده العالم استعداداً لحسم مصير بريطانيا داخل الاتحاد الاوروبي أو خارجه الخميس. زعامات سياسية وعسكرية واقتصادية من القارة القديمة وخارجها، خبراء واقتصاديون ومحللون استراتيجيون نزلوا بثقلهم في الحملة للتحذير من عواقب خروج بريطانيا من أوروبا، لا على المملكة المتحدة واقتصادها فحسب، وإنما على هيكلية قارة بكاملها، امتداداً إلى القارات الخمس.
لا تكمن خطورة خروج بريطانيا من أوروبا في أنه سيشكل خطوة أولى على طريق تحول بريطانيا العظمى إلى انكلترا الصغرى فحسب، ولا في التداعيات الكبرى الأخرى على مكانة هذه الدولة داخل القارة وعلى الساحة الدولية، إضافة الى الهزات الارتدادية التي ستشهدها أسواق المال العالمية الهشة أصلاً، فأوروبا الموحدة بذاتها رمزية كبيرة في مشروع السلام العالمي، وتفككها يوجه رسالة سلبية قوية الى العالم أجمع. فعلى رغم كل الشوائب التي اعترت مسيرة الاتحاد الأوروبي والخلافات التي فتكت بأعضائه والبيروقراطية التي أثقلت عمل هيئاته، بقي هذا المشروع نموذجاً للوحدة والسلم وحلماً لشعوب كثيرة تتطلع الى تلك المساحة المفتوحة على كل أنواع الحريات والحقوق والتنوع.
لم تحقق أوروبا الاستقرار النسبي الذي تشهده منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية مجاناً. مدى قرون، سالت دماء كثيرة في القارة، وبين الحربين العالميتين فقط، قتل 90 مليون شخص أو ما يعادل 13 في المئة من سكان القارة في حينه. وأمام ثمن باهظ كهذا، تصير اية خطوة إلى الوراء رهاناً خاسراً أياً تكن أسبابه وموجباته.
النزعة الشعبوية التي اكتسبت زخماً في أوروبا لا تهدد بريطانيا وحدها. ففي فرنسا وألمانيا وأسوج والدنمارك وهولندا أصوات كثيرة تطالب باستفتاء على خطى بريطانيا. وتشهد القوى اليمينية المتطرفة والقومية والمعادية لأوروبا انتشاراً في دول أوروبية عدة، ولا شك في أن تسجيل بريطانيا سابقة في الخروج سيشجع تيارات أخرى ويدعمها على نحو كبير. وبذلك لن يكون أثر خروج بريطانيا من أوروبا أقل خطراً من وصول محتمل لدونالد ترامب الى البيت الابيض. وعندها ستنهار الوحدة الأوروبية التي تعززت وبنيت خلال السنوات الخمسين الأخيرة، كأحجار الدومينو.
أسباب كثيرة تقف وراء المشاعر المناهضة لأوروبا، بينها الفجوة الاجتماعة وانعدام الأمن وغزو العنصرية خلفيات سياسية مختلفة، وأضيفت اليها أخيراً موجة لجوء لا سابق لها منذ الحرب العالمية الثانية. لكنّ الابتعاد عن أوروبا ليس بالتأكيد الدواء لهذه النزعات. فلطالما كانت أوروبا ضمانة لمواجهة التطرف والعنصرية والاسلاموفوبيا وحماية الأٌقليات. والرهان كبير على أن البريطانيين الذين فاجأوا العالم بانتخاب أول عمدة مسلم للندن، سيصنعون الحدث مجدداً بنبذ العزلة والتمسك بأوروبا.