Beirut weather 25.57 ° C
تاريخ النشر June 21, 2016 03:56
A A A
هل ننتظر هذا السيناريو في لبنان؟
الكاتب: سلوى أبو شقرا - النهار

بتنا في زمنٍ نتنقَّل فيه بين السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والمتشددين المضطربين الذين يتجولون في كل مكان لإزهاق عددٍ كبير من الأرواح بدمٍ بارد. رائحة الموت تفوح من كل بقعة في هذا الكون الذي يعيش مخاضاً أليماً، وبات رعب الموت متجولاً في عصر طغى فيه العنف والحقد على الإنسانية. إطلاق رصاص واحتجاز رهائن سيناريو مخيف يكاد يسيطر على المشهد العالمي، فهل يشهد لبنان أنموذجاً مماثلاً؟

الرصاص يجوب العالم
في 7 كانون الثاني من العام 2015، بث الشقيقان سعيد وشريف كواشي الرعب والقتل في العاصمة الفرنسية باريس بعد هجوم بالكلاشنيكوف استهدف مكاتب المجلة الساخرة “شارلي ايبدو”، مما أدَّى إلى مقتل 12 شخصاً على الأقل، فوصفَ بـ”11 أيلول الفرنسي” بحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية. من ثمَّ طال الإرهاب متحف باردو التونسي في 18 آذار 2015 مخلفاً 22 قتيلاً و45 جريح من السائحين الغربيين. وعادت فرنسا في تشرين الثاني من العام 2015 لتعيش كابوساً مرعباً، بعد الاعتداءات التي وقعت في العاصمة باريس موديةً بحياة أكثر من 128 شخصاً، وأدت إلى إصابة أكثر من 300 جريح. الخوف والرعب سيطرا على قلوب الفرنسيين بعد تبني تنظيم الدولة الاسلامية الاعتداء في بيان تداولته حسابات جهادية في موقع “تويتر”. واستهدفت هذه الاعتداءات “ملعب دي فرانس” أثناء مباراة بين فريقي ألمانيا وفرنسا، ومركز باتاكلان ومقهى وأماكن أخرى. ما أوقع ما لا يقل عن 128 قتيلاً و250 جريحاً. ووصل العنف في أيار 2016 إلى شواطىء ساحل العاج، حيث قتل 16 شخصاً بنيران مهاجمين مدججين بالسلاح على شاطىء منتجع “غراند بسام” في ساحل العاج شرق أبيدجان، في أول هجوم من نوعه تشهده البلاد. وسبقه هجوم طال منتجعاً في مدينة سوسة التونسية في حزيران الماضي أدى إلى مقتل 37 شخصاً، حيث جاب المهاجمون الشاطىء مطلقين النار. وظنَّ الناس أنَّ هذا العنف انتهى، ليضرب مجدداً في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأميركية في 12 حزيران 2016 بملهى ليلي للمثليين كان يضمُّ نحو 300 شخص، مما أدَّى إلى مقتل 50 شخصاً وإصابة 53 آخرين بجروح.

فنُّ “إدارة التوحش”
يعتبر كتاب “إدارة التوحش” لأبو بكر ناجي الذي ترجمته وزارة الدفاع الأميركية إلى اللغة الإنكليزية بعدما عثرت المخابرات الأميركية على وثائق ورسائل مفتوحة موجهة من وإلى بن لادن أبرز المراجع الفكرية والاستراتيجية التي تستند إليها التنظيمات الإرهابية. وهذا يفسِّر “ضرب التنظيمات الإرهابية لأماكن دون سواها خصوصاً تلك الشعبية التي تطاول الأبرياء بغية إيصال رسائل إلى أصحاب النفوذ والقرار في الدول التي توجد فيها هذه التنظيمات”. ويشير إلى أنَّ “قوات الشرطة والجيش بصفة عامة وقوات مكافحة الإرهاب والحماية ضد العمليات الإرهابية تضع أولويات تكمن في حماية العائلات المالكة والأجهزة الرئاسية، الأجانب، البترول والاقتصاد وأماكن اللذة. وتركيز الاهتمام والمتابعة على تلك الأهداف يبدأ ينعكس تراخياً وخلو الأطراف والمناطق المزدحمة والشعبية من القوات العسكرية. من هنا، يسهل ضرب الأهداف، ولكنَّ توقف العمليات لفترة لا يعني استقرار البلاد، إنَّما هو إعداد لموجة أخرى من العمليات ستملأ القلوب رعباً لا نهاية له” وفقاً للكتاب.

هل ننتظر هذا السيناريو في لبنان؟

هل يصلنا أزيز الرصاص؟
لبنان، يشهد حال استنفار عام وخوفاً من أي تفجير انتحاري أو عبوة ناسفة قد تطال المناطق اللبنانية. ولكنَّنا شهدنا عام 2002 حادثة حملت اسم “جريمة الأونيسكو” حين أطلق الحاجب في مركز صندوق تعويضات المعلمين في المدارس الخاصة أحمد منصور النار عشوائياً من سلاح حربي على كل الموظفين الذين كانوا موجودين في المكتب، مما أدَى إلى مقتل ثمانية منهم وجرح آخرين. اعتُبرت الدوافع يومها شخصية لا إرهابية، فهل نشهد في خضم كل هذه التهديدات الأمنية سيناريواً شبيهاً أم أنَّ خطوةً مماثلة شاذة عن واقعنا؟ يشرح العميد المتقاعد الياس حنا في حديث لـ”النهار” أنَّ “الإرهاب يسعى دوماً إلى الأذى، ويتمظهر حالياً بالسعي إلى قتل أكبر عدد ممكن من الناس، واستقطاب أكبر قدر ممكن من التغطية الإعلامية، ثالثاً اللعبة بينه وبين خصمه هي فعل وردة فعل، أي عندما يتمُّ تحصين مكانٍ معين يتوجه إلى المكان الأضعف (soft target)، وعندما يصل إلى هدفه إذا انتحر أو فجر نفسه سيُعتبر رابحاً من منظور تأدية الواجب”. ويضيف: “من قال إننا قد لا نشهد حوادث مماثلة شبيهة بالباتكلان في لبنان، ولكن بمجرد أنه لم تحصل لغاية الآن فهذا يدلُّ إلى أسباب عدَّة إما هو نجاح أمني استخباري يمنع حدوثها، أو أنَّ لمفتعلي هذه الحوادث عدم قدرة على الوصول إلى أهدافهم. وهذا لا يرتبط بالثقافة الاستراتيجية بين الشعوب والدول، إذ إنَّ السيارات المفخخة بدأت من روسيا وأوروبا قبل لبنان في القرن التاسع عشر. ما يعني أنَّ ما من اختلاف ثقافي أو فكري بين الشعوب، اليوم هناك شخصية وليس طبيعة، أي أنَّ خصائص الإرهاب تتبدل بحسب الظروف في حين أنَّ طبيعته واحدة أي الإرهاب بحدّ ذاته. يذهب الإرهابي إلى الأماكن الهشة التي يستطيع الوصول إليها. في تكساس أطلق جندي أميركي داخل ثكنة عسكرية النار على رفاقه، إذ كان متبنياً لفكر القاعدة. أما في حادثة أورلاندو، عمر متين أفغاني يعمل في شركة أمن دربته على حمل السلاح أي إنه لم يتدرب على يد القاعدة، وهذا مغاير لمنفذي هجمات الباتكلان وبلجيكا الذين كانوا عائدين من سوريا”.

الإعلام يساهم في التضخيم
بدروه، يشير الدكتور في علم الاجتماع نزار أبو جودة في حديث لـ”النهار” إلى أنَّ “التكتيك يختلف ولكنَّ العقلية هي نفسها أي إلغاء الآخر، شروطها وجود فريق واحد يعتقد أنَّ هذا الآخر لا يستحق الحياة، فيعتبر أنَّ من واجباته وعقيدته إلغاؤه. أما التكتيك في الإلغاء فيرجع إلى المقدرات التي بإمكان منفّذ الفعل الحصول عليها. من الممكن أن تكون متفجرات، أو أسلحة أو خطف طائرة أو سكاكين. فمن أطلق الرصاص أو فجَّر نفسه انطلق من الفكرة نفسها مدركاً أنَّ النتيجة في النهاية هي الموت، إذ إنَّ الأعمال الإرهابية تستدعي وجود هدف وسبب، ورسالة سياسية. في علم النفس الاجتماعي هناك in-group وout group بين فريقين يَعتبر أحدهما أنه ينتمي إلى فريق الخير ضد من يمثِّل الشر. ما حصل في أورلاندو كمنَ في أنَّ منفذ الهجوم اعتبر أنَّ الضحايا لا حق لهم في الحياة فسمح لنفسه بقتلهم. ولكن لا يمكن القول إننا في لبنان لم أو لن نشهد حوادث مماثلة. الحرب الأهلية شاهدةٌ على عمليات تصفية وإطلاق نار على أبرياء في مختلف المناطق اللبنانية. في الوقت الحالي اختلفت الظروف والمعطيات، وعلى الرغم من أنَّ لدينا أسباباً موجبة لحدوث أمور كهذه ولكنها لا تحدث، وخصوصاً أنَّ في لبنان مناطق أمنية لا يمكن الدخول إليها بالسلاح ويسهل بالتالي تمرير سيارة وضعت في أسفلها عبوة. في النهاية، تبقى هذه الأفعال نوعاً من التفنن في القتل من أجل جذب الإعلام الذي بات يروج لأعمال كهذه، بغية زرع الرعب في نفوس الناس”.

الراديكالية منتشرةٌ لدى كل الشعوب والأديان ولكنها باتت أخيراً تجنح لتُلبَسَ لفئة أو طائفةٍ دون أخرى كجزءٍ من مخطط لم تُعرف بعد دوافعه وأهدافه. فيما تبقى الدعوات للاستيقاظ من هذا الكابوس المظلم الذي كثر فيه العنف والقتل وذرف الدموع.