Beirut weather 24.87 ° C
تاريخ النشر June 19, 2016 05:36
A A A
الحرب وما وراء الحرب
الكاتب: نبيه البرجي - الديار

الدولة التي غيرت وجه الدنيا في الحرب العالمية الاولى، ثم غيرت وجه الدنيا في الحرب العالمية الثانية. والدولة التي غيّرت وجه الزمن (وربما وجه الله ايضا) في هيروشيما، تقول لنا، نحن الحفاة على قارعة التاريخ كما على قارعة الجغرافيا، ان الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا والعراق شاقة وطويلة…

كاد مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون برينان يقول لنا ان الخليفة، بعشرات الالاف من مقاتليه في العالم، قد يحتل واشنطن. تلك اللحظة التي ترفرف فيها الراية السوداء فوق البيت الابيض…

ذات يوم التقيت جلال طالباني سألته عن المدة التي تحتاج اليها الولايات المتحدة لاسقاط صدام حسين. قال شهران، قلت خمسة عشر يوما. الرجل سقط منذ الدقائق الخمس عشرة الاولى…

هكذا سقطت بغداد خلال دقائق، وسقطت كابول خلال ساعات. لماذا، اذا، تحتاج الرقة او الموصل الى اشهر او الى سنوات؟

نتصور اننا نسينا «الاوديسه الاميركية» نحو الشرق الاوسط الجديد. مطحنة بشرية في سوريا التي تخلو تدريجيا من اهلها، ومطحنة بشرية في العراق…

كم بدا حيدر العبادي مضحكا (ورثاً)، وهو يرتدي الملابس العسكرية ويقلد دوغلاس ماك آرثر او الفيلد ماريشال مونتغمري، فيما هو يقبع داخل تلك المنطقة الخضراء التي اجتاحها مقتدى الصدر. لحساب من تعمل عمامة هذا الرجل؟

شيء ما في الدماغ الاميركي. من زمان وثمة مشروع لتحويل اسرائيل الى «الفردوس الالهي». مصافي ومصبات النفط هناك. شبكات السكك الحديدية تتقاطع هناك، الاوتوسترادات التي تمتد من بنغازي الليبية الى اللاذقية السورية مرورا باورشليم حيث يفترض ان توضع لوحة كتب عليها «هنا يقيم الله» او «هنا يرقد الله»!

لن تتوقف دوامة الدم في سوريا الا بعد ان يقوم نظام يعلن سوريا منطقة مفتوحة امام الجنرالات والحاخامات. ولن تتوقف ضوضاء الدم في العراق الا بعد ان يتدحرج رأس نبوخذ نصر بين قدمي يوشع بن نون…

كل مال العرب من اجل صناعة المقابر في سوريا، ومن اجل صناعة المقابر في العراق. الم يشاهد انور السادات ذلك الشريط الذي يظهر الدبابات الاسرائيلية وهي تطحن الضباط والجنود المصريين، وهم احياء، في شبه جزيرة سيناء؟

ما المشكلة ما دمنا قد ترعرعنا على تلك المعادلة الميتافيزيقية التي تولد فيها الحياة ارملة وتموت فيها الحياة ارملة؟ كاد رئيس شعبة الاستخبارات في هيئة الاركان الاسرائيلية الجنرال هيرتسي هاليفي يثني على ضيافة هذا البلاط العربي او ذاك له. الجدار سقط كليا بين اسحق واسماعيل، بين قايين وهابيل. القاتل اليهودي والقتيل العربي في فراش واحد…

سيرغي لافروف، وببراءة الاطفال، قال ان لديه «انطباعا (انطباع يا رجل؟) بأن ثمة لعبة ما تجري. ربما يريدون الابقاء على «جبهة النصرة» واستخدامها لاسقاط النظام في سوريا».

على من يضحك وزير الخارجية الروسي؟ الا يعلم اين يتم الان تدريب ضباط «النصرة» ليس فقط على قيادة الدبابات، بل وعلى قيادة طائرات الهليكوبتر، ايضا، والى اين وصلت قيادة «النصرة» في شراء الفصائل، وبأثمان مذهلة، لتكون هناك معارضة موحدة وبقيادة ابو محمد الجولاني الذي عولج جرحاه في مستشفيات اسرائيلية. ثمة كلام كثير عن لقاءات جمعته بضباط اسرائيليين في الآونة الاخيرة للتنسيق في معارك الجنوب المقبلة.

قيادات معارضة جرى القاؤها، هي وافكارها، هي وتصوراتها للنظام البديل، في صناديق القمامة، باتت تبوح بكل الاسرار، وتتحدث عن اللقاءات التي عقدت في عواصم عربية. يوضع «داعش» داخل الحصار، وتتفرغ «جبهة النصرة» للانقضاض على النظام بالدبابات المتطورة، وبالصواريخ المضادة للطائرات كما للمدرعات.

اكثر خطورة بكثير. اجهزة استخبارات تتولى انشاء خلايا في المدن التي لا تزال في يد النظام من اجل ان تلعب هذه دور احصنة طروادة حين تقرع الاجراس الاخيرة. سؤال ساذج: اين هي الاستخبارات الروسية، القادرة والهائلة ايضا، لكي يكتفي سيرغي لافروف بالقول ان لديه انطباعا…

هذه المعلومات هي التي حملت فلاديمير بوتين على «العودة» الى المسرح السوري بعدما كان يعتقد ان باراك اوباما جاهز لتسليمه سوريا مقابل ان يعود العراق الى الحاضنة الاميركية وان مقطع الاوصال…

اي سيناريو جهنمي هذا حين لا تعود الحرب في سوريا اكثر من ظاهرة عدمية وينتفي فيها الحد الادنى من القيم السياسية او الايديولوجية، وحين يصر العرب على القتال بالسوريين حتى اخر سوري فيما يدعو بن علي يلدريم الى اعادة النظر بسياسات انقرة حيال دمشق بعدما اتضح ان سورية محرقة للاعبي الدرجة الثانية وربما للاعبي الدرجة الاولى ايضا…

ولكن اليس هذا ما يبتغيه الحاخامات الذين يرفضون ان يلطخوا ايديهم بمصافحة العرب على انهم الديدان التي ينبغي محقها (هكذا بالحرف الواحد). الدوران بدأ حول هيكل سليمان. يبشرنا روبرت كابلان، المحلل في مؤسسة سترانفورد، بأننا بعد خمس سنوات فقط سنسأل بذهول: «هل هذا هو الشرق الاوسط حقا؟».