Beirut weather 21.62 ° C
تاريخ النشر June 17, 2016 04:56
A A A
حرائق مصرفيّة وودائع حرجية
الكاتب: زياد بارود - النهار

قد يتفق اللبنانيون واللبنانيات في اختلافهم على جنس الملائكة في السياسة، على أن القطاع المصرفي هو ركيزة أساسية في اقتصاد البلد. قد يذهب بعضهم وبعضهنّ إلى حدّ المبالغة وقد يبدي غيرهم وغيرهنّ ملاحظات حول الريع الذي يكاد يكون محصوراً ومتمركزاً، في ذاك القطاع، بحفنةٍ من الناس لا تتعدّى الإثنين في المئة من أصحاب الرساميل، كبيرها وصغيرها معاً. المهم أن هذا القطاع الحيوي يبدو كأنه تحت تأثير ضغط جوّي (أي من علٍ) غير مستقر أدّى وسيؤدي إلى اندلاع حرائق هنا وهناك في ظل حرّ شديد وهواء ناشط. حرائق عدة على أبواب مصارف لبنان، فيما المركزيّ بينها إطفائي عالي القدرة ومتمرّس ويحسن قراءة الأحوال الجوية…

وعلى الضفة الأخرى من المشهدية اللبنانية، ودائع بالمليارات. عمرها من عمر التاريخ … وما زالت تغوي. ودائع ربّانية (إذا كنتم من فئة المؤمنين) أو ودائع من الأم الطبيعة (للعلميين)، كأنها وزنات أودعت عندنا وبين أيدينا للحفظ والاستثمار وبفوائد عالية ومردود إقتصادي مضمون. أحراجٌ على امتداد ما اصطلح على تسميته (بمبالغة واضحة) “لبنان الأخضر”، تبدو مهدّدة بخسائر فادحة وبتدني سعر صرفها إلى حد الاضمحلال. ودائع لم يحسن بنك البيئة المركزي إدارتها ولا لجنة رقابة ولا من يحزنون. بلى، ثمة من يحزنون، وهم عموم المواطنين والمواطنات الذين يرون، في كل موسم من مواسم الإهمال وسوء الإدارة، يرون إرثهم والودائع إلى شبه زوال.

في 05 04 1975، ورد في “أسرار الآلهة” في جريدة “النهار” ما حرفيته: “وضعت وزارة الزراعة مشروعاً لشراء طائرات هليكوبتر لمكافحة الحرائق لم تتخذ الحكومة بعد قراراً بالموافقة عليه”. وبعد 33 عاما، أُطلقت في 20 10 2008 جمعية “أخضر دايم” التي أخذت على عاتقها، وبرعاية وزارة الداخلية والبلديات، تأمين التمويل اللازم لشراء طوافات لمكافحة الحرائق. وقد تم ذلك في أبهي صور التعاون بين القطاعين العام والخاص، بشفافية كاملة، ولم تتكلّف الدولة اللبنانية ليرة واحدة. ثلاث طوافات “سيكورسكي” حطّت لتحلّق حيث تدعو الحاجة وأدّت قسطها في جولات عدة وأثبتت فاعلية وأنتجت، وكان سلاح الجو في الجيش اللبناني الحامي، كما العادة، لودائعنا الحرجية (أو ما تبقى منها)، وعلى الأرض رجال الدفاع المدني (والمتطوعون والمتطوعات) يبذلون الجهد ويكافحون، ولو بتواضع الإمكانات، إلى أن…

إلى أن حصل أمر ما واحتجبت عن سمائنا تلك التي كان من المفترض أن تساهم في مكافحة الحرائق (التي لتجنبها حديث آخر وآليات أخرى غائبة هي الأخرى). لم يفهم المواطنون والمواطنات ما السبب ولا أخبرهم أحد أو اعتذر. ماذا نقول لكل من ساهم في شراء الطوافات؟ من الرئيس سعد الحريري إلى جمعية المصارف إلى هيئات إقتصادية وشركات إلى ريان، الطالب الذي باع الليموناضة ليقدم بضعة آلاف من الليرات ليساهم هو أيضا في حراسة الودائع؟! ماذا نقول لأجيال ستحرم عن قصد وإهمال (والإهمال جريمة) حدّاً أدنى بيئياً سليماً؟ هل نخبرهم أن الدولة اللبنانية التي تنفق فساداً وهدراً عاجزة عن تأمين الصيانة التي يطلبها الجيش؟ هل نخبرهم، تبريراً، أن أولويات الحرائق المصرفية والأمنية والسياسية والتمديدية و”الفراغية” المخزية تحول دون أولوية خطة طوارئ بعدما أكلت النار الأخضر قبل اليابس؟

الحقيقة أن اليباس هو في شرايين دولتنا، وأما الودائع، فحريقها مستمر وكذلك في القلب الحرقة… ولا جواب…