Beirut weather 17.77 ° C
تاريخ النشر April 9, 2016 03:57
A A A
مهمة سرية لم تكتمل.. الأسرار الكاملة
الكاتب: محمد الطاهر - روسيا اليوم

لم يترك الأميركيون أي شيء للصدفة، لغموا مقعد الطائرة بالمتفجرات، وزودوا ربانها بإبرة مسمومة، فعلوا كل ذلك وهم على يقين أن لا خطر يتهدد هذه الطائرة على ارتفاع يزيد عن 20 كيلو مترا.

استقل الملازم أول “فرانسيس غاري بوارز” طائرته من طراز “يو – 2” فجر الأول من ايار عام 1960، وانطلق بها من قاعدة بيشاور في باكستان في مهمة تجسس سرية جديدة على المواقع الاستراتيجية العسكرية في الاتحاد السوفييتي.

إبرة مسمومة كان يحملها الطيار الأميركي في مهمته التجسسية

وظنت الاستخبارات المركزية الأميركية أن هذه المهمة ستتم بنجاح، ولن تتعرض لأي مفاجآت، وذلك لأن هذا النوع من الطائرات يحلق على ارتفاعات شاهقة تصل إلى 25 كيلو مترا ما يجعلها عصية على الصواريخ المضادة للجو وعلى الطائرات الاعتراضية.

وانتظرت واشنطن أن تكشف لها أجهزة الطائرة المتطورة الفريدة وكاميراتها شديدة الحساسية، أسرار عدة مواقع عسكرية سرية إضافة إلى تسجيل إشارات الرادارات السوفيتية.

وكان على الطائرة “يو – 2” في رحلتها السرية الخطرة هذه، أن تطير لمدة 9 ساعات على ارتفاعات شاهقة في صمت لاسلكي مطبق فوق أفغانستان، لتخترق وسط الأراضي السوفيتية عبر مناطق سفيردلوفسك وكيروف وبليسيتسك في اتجاه النرويج، حيث محطتها الأخيرة في قاعدة “بوديو”.

لم يستطع الأميركيون قراءة المتغيرات في حينها، ولم يساورهم أي قلق من إمكانية أن يكون الاتحاد السوفيتي استعد الآن لاستقبال هذا النوع من الطائرات التجسسية التي أطلق عليها الأميركيون اسم “سيدة التنين”، لأنها تمكنت لعدة سنوات من الإفلات من وسائط الدفاع الجوي في الاتحاد السوفييتي.

وفي هذه المرة رُصدت “يو – 2” فور اختراقها الأجواء السوفيتية، وتم تتبعها لحظة بلحظة لاقتناصها بواسطة طائرات “سو –9” التي يمكنها أن تحلق على ارتفاع 20 كيلو مترا، وأيضا بواسطة بطاريات صواريخ مضادة للجو من طراز “إس – 75” يتجاوز مداها 25 كيلو مترا وكانت دخلت الخدمة نهاية الخمسينيات.

تمكن فرانسيس غاري بوارز من الإفلات من عدة محاولات لملاحقته بمقاتلات من طراز “ميغ – 19” وبمنصات صواريخ “أس – 75″، إلى أن وصل إلى أجواء منطقة يكاتيرينبورغ التي تبعد عن موسكو مسافة 1600 كيلو متر في اتجاه الشرق.

خوذة الطيار الأميركي وبعض معداته في صالة منتزه غوركي - موسكو

في أجواء يكاتيرينبورغ فاجأت صواريخ “إس – 75” طائرة التجسس الأميركية، وانفجر أولها خلفها مباشرة ودمر ذيلها وألحق أضرارا بالجناحين والمحرك، ففقدت “يو – 2” اتزانها وبدأت تهوي، إلا أن “بوارز” لم يشغل مقعد النجاة الملغم بالمتفجرات التي وُضعت خصيصا لتدمير الطائرة كي لا تقع أسرارها في أيدي الأعداء، وفضل انتزاع مظلته والنجاة بنفسه. وقد أتيح له ذلك وهبط إلى الأرض يسبقه حطام طائرته، وحط قرب إحدى القرى في ضواحي يكاتيرينبورغ حيث أمسك به السكان وسلموه للسلطات.

ولم يصدر أي إعلان فوري من واشنطن بالخصوص، واعتقد مسؤولو الاستخبارات الأميركية في أسوأ الأحوال أن الطائرة دُمرت وقتل ربانها وطويت القضية، ولذلك لم يصدر عنهم أي رد فعل إلا في 3 ايار حين تم الإبلاغ عن ضياع طائرة تابعة لوكالة الفضاء الأميركية كانت في مهمة لدراسة الطقس في طبقات الجو العليا!

إلا أن الزعيم السوفيتي آنذاك نيكيتا خورتشوف خيب رجاء الأمريكيين، وأعلن في 7 ايار إسقاط طائرة التجسس الأميركية، وأسر ربانها. أسقط في يد الأميركيين، واعترف رئيسهم دوايت أيزنهاور بأن الطائرة كانت في مهمة تجسس، وبأن هذا النشاط السري فوق الاتحاد السوفيتي، الذي نفته بلاده بشدة سابقا، تواصل عدة سنوات.

ومثل الطيار الأميركي أمام المحكمة العليا في الاتحاد السوفيتي، وصدر ضده حكم بالسجن 10 سنوات، إلا أن “بوارز” لم يمكث في السجن إلا 108 أيام، حيث استبدل في شباط من عام 1962 في برلين برجل الاستخبارات السوفيتية رودولف آبل، وعاد إلى وطنه وقُتل عام 1977 في تحطم طائرة مروحية مدنية كان يقودها.

طائرة التجسس الأميركية من طراز يو - 2

ويمكن القول إن الأقدار شاءت آنذاك أن يحمل “فرانسيس غاري بوارز” إلى السوفييت أسرارا تكنولوجية عسكرية نادرة أنفقت عليها الولايات المتحدة أموالا طائلة بدل أن يعود إلى بلاده محملا بأسرار السوفييت.

ولا غرابة في الأمر هنا، فلقد استعد السوفييت كما ينبغي لاستقبال “يو– 2″، وتمكنوا من إنزالها من طبقات الجو العليا، وتعرفوا على أسرارها عن قرب، ثم وضعوا أجزاءها للفرجة في صالة بمنتزه غوركي في موسكو.