Beirut weather 10.32 ° C
تاريخ النشر June 16, 2016 04:11
A A A
بين كلينتون وترامب.. «ديموقراطية السلاح»!
الكاتب: داليا قانصو - السفير

لم يكن الإرهاب، ولا تنظيم «داعش»، ولا عمر متين، ولا حتى «المسلمون»، أكثر الأسماء تداولاً بعد هجوم أورلاندو في ولاية فلوريدا يوم الأحد الماضي. بندقية الـ أر 15، أو الـ ام 16 باللغة العسكرية، أو «محبوبة الأميركيين»، كما تصفها «بروباغندا» لوبي السلاح في البلاد، والتي استخدمها منفذ الهجوم غطّت على ما عداها. أما متين، إرهابي أورلاندو، فكان بإمكان السلطات تفادي جريمته، لو أن المادة الثانية من الدستور الأميركي، التي تحفظ حق كل مواطن بامتلاك السلاح، لم تكن «منزلةً» كآيةٍ في كتابٍ مقدس: أن تكفر في الولايات المتحدة، البلد الاول في العالم في نسبة السلاح الذي يملكه الأفراد، هو أن تمس بـ«ديموقراطية التسلح»، التي شكلت للرئيس باراك أوباما، أكبر «الإخفاقات» في عهده، على حد قوله.

مع هجوم أورلاندو، يبلغ عدد هجمات القتل الجماعي في الولايات المتحدة في العام 2016، 173 هجوماً بحسب موقع «ماس شوتينغ تراكر» الأميركي. في العام الماضي، قتل 13 ألف شخص في البلاد، وأصيب ضعفهم، بالسلاح الناري (عمداً أو عن طريق الخطأ). وشهد العام 2015 بالإجمال، 50 ألف حادث عنف باستخدام السلاح، منها 372 عملية قتل جماعي بالسلاح الفردي، 64 منها حصلت في مدارس، وأدت إلى مقتل 475 شخصاً، فيما لم يرتبط أي منها بالإرهاب الإسلامي سوى هجوم سان برناردينو، الذي نفذته الباكستانية تاشفين مالك وخطيبها. بالإجمال، فإن «أرشيف العنف المسلح»، وهو موقع متخصص في هذا المجال، يقول إن الخلل في التبليغ الحكومي يخفي الرقم الحقيقي لقتلى العام الماضي، وهو 20 ألف اميركي انتهت حياتهم برصاصة، بينهم 756 طفلاً.

رغم ذلك، وعلى بعد أشهر من نهاية عهده، لم يتمكن أوباما، الذي شهدت ولايته رقماً قياسياً في نسبة الهجمات الدموية بالأسلحة، من تحقيق أحد أبرز أهداف حملته: تشديد المراقبة المسبقة على طالبي شراء الأسلحة، ولاسيما للمشتبه فيهم، والحد من استخدام بعض انواع الأسلحة التي تصنف ضمن خانة «أسلحة الهجوم». والسبب يعود في ذلك، إلى هيمنة الجمهوريين، أبرز المتمولين من لوبي السلاح، على الكونغرس.

كلينتون وترامب: سجال «مُسلّح»
وأعاد هجوم أورلاندو، مثل كل مرة تحصل فيها عملية قتل جماعية بالسلاح، الجدل حول المادة الثانية من الدستور، فتحولت إلى مادة دسمة في السجال الانتخابي بين المرشحين الرئاسيين، الديموقراطية هيلاري كلينتون والجمهوري دونالد ترامب. بين الإثنين، الانقسام في الرؤى ليس وليد حرب الحملات الآنية: فالوزيرة السابقة لا تزال تحتفظ في أدراجها بإرث زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون، الذي شهد عهده على توقيع مشروع قانون مهم مسّ بالمادة «المقدسة»، ولكن الذي انتهت صلاحيته بعد 10 سنوات من دون أن تجدد، بعد وصول الجمهوريين إلى الكونغرس: «قانون برادي» الذي شرّع إجراء تحريات فدرالية مسبقة حول طالبي شراء السلاح، وحظر على الأفراد شراء بعض انواعها. وسمي القانون بـ «برادي»، نسبةً إلى جايمس برادي، الذي قتل بسلاح جون هينكلي جونيور أثناء محاولة الأخير اغتيال رونالد ريغان في العام 1981.

واعتبرت كلينتون، بعد هجوم أورلاندو، أنه حان الوقت لتشديد الرقابة على حملة السلاح في البلاد، الذين يفوق عددهم بأشواط كبيرة، عدد حاملي السلاح في اليمن، ثاني بلد في العالم بعد الولايات المتحدة في نسبة امتلاك الافراد للسلاح، ولكن بفارق ليس ببسيط عن البلد الأول.

في المقابل، أكد ترامب، الذي لم يجف بعد حبر بيان إعلان «الجمعية الوطنية للبنادق» الأميركية، وهي واحدة من أكبر وأهم اللوبيات الاميركية (قد لا يضاهيها أهمية سوى اللوبي اليهودي «إيباك»)، وأكثرهم نفوذاً، دعمها له، أنه لو كان رواد ملهى «ذي بالس» يحملون السلاح، لما كان نجح هجوم عمر متين. قبلها، كان ترامب قد استغل هجمات باريس الدموية في تشرين الثاني الماضي، ليسخر من القوانين الأوروبية المتشددة في حمل الأفراد للسلاح. وبعد هجوم الأحد، تعهد بالتخلص من «المناطق الخالية من السلاح» gun- free zones التي تفرضها الولايات الاميركية.

وسارع النواب الديموقراطيون يوم الإثنين الماضي، إلى إعادة إحياء الجهود للحد من الوصول إلى السلاح في البلاد، مؤكدين بأنهم سيدفعون باتجاه تصويت خلال الأسبوع الحالي في الكونغرس يمنح وزارة العدل السلطة لمنع أي مشتبه فيه على لائحة الإرهاب من شراء السلاح الناري، إذا ما اعتقدت الوزارة أن هذا السلاح قد يستخدم لتنفيذ عملية إرهابية.

بين «الحق» و «الحد»
وفي الوقت الذي يعتبر هذا الإجراء بديهياً لتنفيذه، إلا ان عراقيل كثيرة تقف دونه. فإذا كانت أحداث 11 أيلول 2001 قد دفعت باتجاه سن قوانين متشددة في الولايات المتحدة ساهمت في منع عبور المتفجرات عبر الحدود الجوية والبرية، وعرقلت بشكل كبير إمكانية تصنيعها يدوياً داخل البلاد، فإن صعوبة تخطي لوبي السلاح داخل البلاد حال دون تمرير أي قانون يحد من انتشار السلاح بين الأفراد. وبرأي أوباما، فإن إمكانية حصول هجمات على غرار أورلاندو تبقى قائمة في أي وقت، وهي لا ترتبط بخطر الإسلام المتشدد، كما يروج ترامب.

ويعتبر لوبي السلاح الأميركي، الذي تهيمن عليه «الجمعية الوطنية للبنادق» national rifle association بأعضائها الخمسة ملايين، أكبر لوبي ضاغط وممول للمرشحين الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الاميركية، ولكن أيضاً للمرشحين إلى الكونغرس، ليس فقط من الجمهوريين، بل من الديموقراطيين أيضاً. ولذلك، اعتقد نواب وشيوخ ديموقراطيون في العام 1994 أن سبب خسارتهم مقاعدهم في ولاياتهم كان تصويتهم على قانون «برادي» الذي مرره كلينتون.

وبغض النظر عما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا، فإن الحزب الديموقراطي الأميركي، ومؤيدين له، بحد ذاتهم، منقسمون بين مؤيدين لـ «الحد من السلاح» ومؤيدين لـ «حق امتلاكه». ولذلك، وبحسب «نيويورك تايمز»، فإن لترامب فرصةً كبيرة في استمالة المترددين منهم خلال الانتخابات الحالية، فقط من باب السجال الدائر حول هذا الموضوع، وخصوصاً ضمن فئة «البيض الأدنى تحصيلاً للعلم»، مستندةً إلى دراسة حديثة لمعهد «بيو» تؤكد أن نصف الناخبين الديموقراطيين من البيض والعاملين يعتقدون أن حماية حقوق امتلاك السلاح تفوق اهميةً الحد من امتلاكه، وهذه نقطة قوة للمرشح الجمهوري بإمكانه استغلالها اكثر من السجال الدائر بين الديموقراطيين حول التجارة الحرة والهجرة، لأنه «سيخسر مع المترددين من دون شك في ما يتعلق بمنع دخول المسلمين إلى البلاد».

اما على الجبهة الديموقراطية، التي أعلنت كلينتون على الفور دعمها لها، فيضغط السيناتوران ديان فينشتاين وشارلز شومر، لتمرير القانون. وجل ما ينشده الديموقراطيون منع المشتبه فيهم من اقتناء السلاح، وخصوصاً الموضوعين على لائحة الممنوعين من السفر. لكن اللوبي الضاغط، ومعه الجمهوريون، يعتبرون أن هذه اللوائح شاملة جداً، وهي تمنع الممتثلين للنظام، من التمتع بحقهم في امتلاك ما يدافعون عنه. أما أقصى ما يمكن أن يقدمه الحزب المحافظ، في موسم الانتخابات، فقد يكون تشديد الإجراءات في هذا الإطار على «المريضين عقلياً».

ثقافة شعبية
وفي الواقع، يلعب لوبي السلاح الاميركي على ثلاث جبهات ضاغطة: اولاً، لجهة الدعم المالي السخي الذي يقدمه للسياسيين الأميركيين (42 من أصل مئة عضو في مجلس الشيوخ الحالي، و252 من أصل 435 نائباً حالياً، تلقوا دعماً مالياً من جمعية البنادق). وثانياً، لجهة الدعاية القوية لأنواع السلاح المنتشرة في البلاد (أبرزها خلال الخمسة آلاف معرض سنوي للسلاح تقام في البلاد، والتي تجني منها الشركات المصنعة مبالغ هائلة). وثالثاً، من خلال اللعب على الوتر الشعبي، حيث يتأصل حمل السلاح كجزء لا يتجزأ من الثقافة الأميركية. وفي هذا الإطار، يتفرع الضغط من باب الدفاع عن النفس، بالاستناد إلى المادة الثانية من الدستور (وثيقة الحقوق 1971): «إن وجود ميليشيات منظمة جيداً ضروري لأمن الدولة الحرة. إن حق الناس في الاحتفاظ وحمل الأسلحة لن يمس».

ولا تفتقر الولايات المتحدة إلى لوبيات ضاغطة ضد حمل السلاح الفردي، ومنها لوبي عائلات الضحايا، لكنها لا تزال غير فعالة، نظراً إلى افتقارها للقدرة القوية على التأثير سياسياً. وليس بالإمكان حتى مقارنة عدد أعضائها، بعدد أعضاء جمعية البنادق الخمسة ملايين، من دون إغفال أن 60 مليون منزل في البلاد فيه على الأقل سلاح واحد، و300 مليون سلاح فردي بالإجمال.
يعرف لوبي السلاح الأميركي، هذه المرة أيضاً، أنه سيكسب جولة جديدة في معركة طويلة. عهد بيل كلينتون، كان الأصعب، ومرّ «قطوعه» من دون أن يترك أثراً يذكر. المهمة اليوم، تبدو أسهل بكثير بالنسبة للمدير التنفيذي لجمعية البنادق الوطنية كريس كوكس: «في وجه جريمة كره على وشك أن تحصل، يحركها إرهاب الإسلام الراديكالي (مصطلح ترامب)، كل محاولات أوباما مصيرها الفشل.. لن تحمينا سوى ديموقراطية السلاح!».

جنون «مسلح»!
ـ تسمح ولايات أميركية بحمل السلاح في حرم الجامعات.
ـ تسمح بعض الولايات بحمل السلاح في حضانات الأطفال والكنائس والمناطق المصنفة «خالية من السلاح».
ـ أكدت ولايات أنها غير معنية بأي قانون فدرالي حول الحد من اقتناء السلاح.
ـ بعض الولايات عملت على تجريم الأطباء إذا ما سألوا مرضاهم إذا كانوا يحملون سلاحاً.
ـ بعض الولايات اعتمدت مبدأ «أطلق الرصاصة أولاً» بحجة الدفاع عن النفس.
***

الصورة، بندقية الـ آر 15 «محبوبة الاميركيين» (عن موقع بوليتيكو)

الصورة، بندقية الـ آر 15 «محبوبة الاميركيين» (عن موقع بوليتيكو)
(عن موقع صالون دوت كوم)