Beirut weather ° C
تاريخ النشر June 15, 2016 03:44
A A A
تحدِّيات صمود الحكومة بعد الإستقالات
الكاتب: الجمهورية

دخلت البلاد فصلاً جديداً من فصول الأزمة السياسية، زاد في تعثّرِ عمل المؤسسات، خصوصاً الحكومة، بَعد المراوحة في ملفّ رئاسة الجمهورية والكباش في قانون الانتخابات النيابية. ومُنيَت «الحكومة السَلامية» بنكسة جديدة تمثّلت في إعلان حزب الكتائب استقالتَه منها، لتكونَ بذلك الاستقالة الثانية بعد وزير العدل أشرف ريفي، عِلماً أنّ استقالة وزيرَي الكتائب سجعان قزّي وآلان حكيم لا تعني انقطاعَهما عن تسيير الأعمال في وزارتَيهما العمل والاقتصاد والتجارة، بل الانقطاع عن المشاركة في جلسات مجلس الوزراء.

فاجَأ قرار حزب الكتائب باستقالة وزيرَيه من الحكومة الأوساطَ السياسية التي كانت تترقّب أن يشهد العمل الحكومي حَلحلة في مكان ما تعوّض الفراغ الرئاسي الذي طالَ أمده.

وفتَحَت الأفقَ على أسئلة كثيرة لعلّ أبرزَها: إلى متى تستطيع الحكومة الصمود بعد، وهل سيَقبل الرئيس تمام سلام الاستقالة، ولماذا جاءت في هذا التوقيت، في حين يَغيب أيّ مؤشّر لحلّ الأزمة الرئاسيّة، مع العِلم أنّ المسّ ببنيان الدولة وصَل إلى حدّ التجرّؤ والاعتداء على القطاع المصرفي الذي بقيَ وحيداً بمنأى من الشَلل الذي يضرب لبنان.

وبَعد استقالة وزيرَي الكتائب، تكون الاستقالات في الحكومة قد ارتفعَت إلى ثلاثة وزراء، عِلماً أنّ جرَيج الذي كان يُصنَّف في خانة الكتائب أعلنَ عدمَ نيّته الاستقالة، وهنا لا بدّ من طرح نقاط أساسية، وهي هل يُعتبَر استمرار الحكومة بعد استقالة وزيرَين ميسيحيّين ووزير سنّي ميثاقياً، خصوصاً أنّ الاستقالات أتَت بعد الفراغ الرئاسي، وآليّة عمل مجلس الوزراء التي تمَّ الاتّفاق عليها بعد الفراغ تَمثّلت بتوقيع الوزراء الـ 24 على أيّ قرار، وهل مَن سيتبع الكتائب، أو أنّهم سيُتركون وحيدين؟ ومَن سيَتضامن معهم؟

وماذا عن الوزراء المستقلّين في «14 آذار»؟ وماذا سيكون موقف تيار «المستقبل» الذي يراعي الكتائب بعد أزمته مع «القوات»؟ وهل يَقبل تكتّل «التغيير والإصلاح» أن تستمرّ الحكومة بعملها في غياب وزيرَين مسيحيَّين؟

الجميّل
وكان رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل أعلنَ استقالة وزيرَيه من الحكومة في مؤتمر صحافي، معلّلاً السببَ بأنّها «تحوّلت من رمز استمرارية الدولة إلى رمز هرَيان ما تبقّى من الدولة، ولأنّنا نؤمن بأنّ لبنان يحتاج لصدمةٍ إيجابية وأنّ البلد واقتصاده لا يكمّلان بهذا الشكل في ظلّ الصفقات». وأكّد أنّ «المعركة مستمرّة ليس فقط على أداء الحكومة إنّما على أداء طبقة سياسية فشلت وامتهنَت التقلّبات واللعب بالبلد ووضع مصلحتها قبل مصلحة البلد».

إتّصالات ما قبل الاستقالة
وكانت أنباء الاستقالة بدأت تتسرّب منذ صباح أمس إلى بعض المرجعيات السياسية والحزبية والوطنية التي عبّر بعضُها عن قلقه من القرار وتداعياته على العمل الحكومي، فهو وإن كان لا يؤدّي إلى تطيير الحكومة إلّا أنّه يُفقدها عنصراً بالِغ الأهمّية من الحضور والتمثيل المسيحي الذي يُفتقَد أيضاً لأكثر من سبب، أوّلها يتّصل بالخلافات المسيحية – المسيحية، فلم يلتقِ الوزراء المسيحيون إلّا نادراً في بعض الملفات والقضايا الساسية، وبقيَت الخلافات تتحكّم بالكثير منها.

وقالت مصادر مطّلعة لـ«الجمهورية» إنّ الجميّل تلقّى منذ صباح أمس وحتى ربعِ الساعة الأخيرة التي سبَقت مؤتمرَه، عدداً كبيراً من الاتصالات لثنيِه عن الخطوة، والتفكير بأساليب أخرى للإشارة إلى مطالب الحزب، وأبرزُها من الرئيس سعد الحريري وقيادة «التيار الوطني الحر» وعدد من الوزراء المسيحيين المستقلين وسفَراء عرب وأجانب يتقدّمهم السفير السعودي علي عواض العسيري وسفَراء غربيين.

ولفتَت المصادر إلى أنّ سلام «لم يُجرِ أيّ اتّصال بهذا الشأن رغم أنّه تلقّى اتّصالات من بعض الذين تعاطوا بالملف للبَحث في تداعياته على العمل الحكومي». وقالت: «إنّ الظروف التي رافقَت الاتصالات الكتائبية التي سبَقت القرار، لم تكن مشجّعة لجهة انضمام بعض الوزراء إلى موقف الحزب، خصوصاً وزراء «التيار الوطني الحر» الذين لم يتجاوبوا مع طلب الحزب باتّخاذ موقف متشدّد من ملف النفايات وما يمكن أن تشهده منطقة ساحل المتن الشمالي، وتحديداً في محيط مكبّ برج حمّود.

وما زاد في الطين بلّة، ما تسرّبَ عن النيّة بالتمديد لولاية نائب مدير عام جهاز أمن الدولة العميد محمد الطفيلي، رغم الدراسات التي تَقدَّم بها مستشار المديرية القانوني الذي عبّر عن استحالة التمديد قانوناً ما لم يكن بقرار متّخَذ في المجلس الأعلى للدفاع، وهو الذي سيشكّل في حال اتّخاذه إشارةً إلى استمرار الأزمة في المديرية إلى ما شاء الله، الأمر الذي لم يستفزّ باقي الوزراء المهتمّين بالملف». وأضافت المصادر: «لذلك كلّه، اتّخذ المكتب السياسي في اجتماعه مساء الاثنين قرارَ الاستقالة، وسط جدل واسع، بعدما عبّر عدد من أعضائه عن رفض الخطوة لأسباب تتّصل بخروج الحزب من المؤسسة التي تدير البلد وانحصرت بها صلاحيات رئيس الجمهورية الغائب».

جرَيج
في غضون ذلك، أوضَح جريج أنّ النائب الجميّل ترك له خيارَ اتّخاذ الموقف المناسب، وأبلغَ إليه أنّه ليس ملزَماً بقرارهم الحزبي.
وأكّد جريج لـ«الجمهورية» أنّه باقٍ في الحكومة وأنّه متضامن مع زملائه داخلها، وقال: «سأكون صوتَهم فيها طالما هم خرجوا منها، وسأدافع عن وجهات نظرهم في الملفات التي أتّفق دائما معهم عليها، لكنّني لا أجد أنّ استقالتي مناسبة في الوقت الحاضر، في حين لديهم اعتباراتهم، وقد طفحَ الكيل بالنسبة لهم على خلفية ملفّات عدّة، أبرزها مطمر برج حمّود وسد جنة، أتفهّم اعتباراتهم لكن في الوقت نفسِه لا أرى أيّ مبرّر عندي لكي أستقيل». وأكّد جريج أنّ «الجميع يتابع ملفّ مديرية أمن الدولة، وسنطالب بتحريكه مجدّداً، بعدما طلبَ الرئيس سلام مهلة لمعالجته». وأبدى اعتقاده بأنّ ملف الاتصالات سيكون ملفّاً ساخناً في جلسة مجلس الوزراء غداً، لافتاً إلى أنّ بند سد جنّة سيُطرح مجدداً لكنْ ربّما ليس في هذه الجلسة. واعتبَر جريج أنّ «مجلس الوزراء متعثّر والأداء الحكومي ليس جيّداً طالما إنّنا لم ننتخب رئيس الجمهورية بعد».

بوصعب

وأسفَ وزير التربية الياس بوصعب لاستقالة وزراء الكتائب، خصوصاً أنّ صداقة تَجمعنا، والتنسيق بيننا كان قائماً في ملفات عدة». ورفضَ مقولة إنّ هذه الاستقالة ستَحشر وزراء تكتّل «التغيير والإصلاح» في الزاوية، وقال لـ«الجمهورية»: نحن لا نزال على قناعتنا، عندما نجد أنّ ملفّاً يجب أن لا نوافق عليه سنعارضه، وعندما نجد أنّ المواضيع تتعلق بشؤون الناس سنَسير بها ولن نستسلم ولن نقبل بأن تؤخَذ القرارات المصيرية في غياب التمثيل لممثلي شريحة كبيرة من اللبنانيين».
واعتبَر أنّه «مِن المبكر الحديث اليوم عن كيفية التعاطي مع آليّة العمل الحكومي في المرحلة المقبلة، خصوصاً أنّ التمثيل الأساسي للأحزاب المسيحية أصبح في يد الـ»تكتّل» . وعن سبب عدم استقالة وزراء «التكتّل» في مراحل عدة، أجاب بوصعب: «إنّ استقالتنا لا تَخدم الهدف منها، بل تَخدم الفريق الذي كان يريد تمريرَ قرارات رغماً عنّا، كون الحكومة ستكمِل في غياب المستقيلين إلّا إذا أصبح عددهم ثلثاً زائداً واحداً». وإذ أشار بوصعب الى أنّ «الوزراء سيناقشون الخميس البنود العادية المدرَجة على جدول الأعمال، ومنها ملف الاتصالات وما يَحمله من مخالفات». أبدى اعتقادَه بأنّ «ملف سد جنة لن يُطرح في الجلسة، وتوقّع أن تواجه الحكومة قريباً أزمة كبيرة تتمثّل في ملف مديرية أمن الدولة، مع اقتراب هذا الاستحقاق الذي سيَضع الحكومة مجدداً على المحكّ، وسيدخِلها في مأزق، في حال قرّر البعض أن يتعامل مع هذا الملف كما حصَل في التمديد لملف القيادات الأمنية في السابق».