Beirut weather 9.84 ° C
تاريخ النشر June 13, 2016 11:22
A A A
مشاهد حول 13 حزيران 1978
الكاتب: موقع المرده

* عروس الشمال الزاهية إنحنت ، يلفها السواد حدادا ًوالعرس كما أراده رب البيت المصاب بعزيزه، جاء هادئا ً صامتا ً ليزيد من المرارة والحسرة والوجوم الذي لف أهل البيت لم يقتصر عليهم بل شمل الأصدقاء والمعارف والجيران والأنصار. وكان يوم زغرتا طويلا ً كحزنها بدأ باكرا ً بوفود المعزين المتقاطرة إلى القصر حيث كان الرئيس سليمان فرنجية يتقبل التعازي.

* الرئيس إلياس سركيس وصل إلى زغرتا في الثامنة والدقيقة الخامسة والعشرين وقد واكبته جوا ً طائرات هليكوبتر وكان الرئيس فرنجية في إستقبال الرئيس سركيس فتعانقا ودخلا معا ً الصالون وشرح الرئيس فرنجية للرئيس سركيس تفاصيل الحادث ووصفه بأنه” أكبر جريمة ترتكب في تاريخ البلد” وقال: ” تصور يا فخامة الرئيس أن رجلا يدعى قبلان أبشي عمره 110 سنين دخلوا منزله وأطلقوا النار عليه وهو نائم في فراشه…” في التاسعة والنصف غادر الرئيس سركيس القصر وتعانق الرئيسان فإنهمرت الدموع من عيني الرئيس سركيس.

* إستمر توافد المعزين، وحرص الرئيس فرنجية على مصافحتهم وتقبيلهم فردا ً فرد غير أبه برغبة بعض المقربين الذين طلبوا أن يتم الإعراب عن المشاعر من بعيد. في هذا الوقت كانت شبه مسيرات نسائية موشحة بالسواد تطوف شوارع زغرتا التي إرتفعت على شرفاتها وأشجارها الأعلام السود وحملت النسوة صورا ً لطوني فرنجية وهن ينحن ويلوحن بالمناديل. وعلى طول الطريق المؤدية إلى القصر وقفت صفوف منتظمة من فرق “المرده” وقد إرتدى شبابها قمصانا ً بيضاء تحمل رسم طوني فرنجية وقد توزع قسم من هذه الفرق على مفارق البلدة لتنظيم السير والسهر على سلامة المعزين وطاف قسم أخر في سيارات مزودة بمكبرات الصوت داعية الأهل، بناء على رغبة الرئيس فرنجية، إلى عدم حمل السلاح والامتناع عن إطلاق الرصاص وقد إلتزم الجميع بهذه التوصية إذ لم تطلق رصاصة واحدة لا قبل التشييع ولا بعده.

* أحد المشاهد المؤثرة كان لقاء الرئيس فرنجية بحفيده سليمان نجل الشهيد طوني فرنجية والبالغ 13 عاما. في العاشرة أحضر سليمان إلى الصالون الكبير فهرع نحو جده قائلا ً وهو يبكي: ” وين البابا يا جدو، وين الماما وجيجي يا جدو؟” فغمره الرئيس فرنجية وضمه إلى صدره وشاركه في البكاء مع الحضور ثم حمله ووضعه على ركبتيه وطوقه بذراعيه.

* قرابة الواحدة وصل الرئيس رشيد كرامي، فعانق الرئيس فرنجية الذي بادره قائلا ً: ” جيت تعزيني بطوني يا رشيد؟ بدي ياك تشوف الطفلة البريئة كيف قتلوها” وأسند كرامي رأسه إلى كتف فرنجية وراح يبكي ورد قائلا ً: ” الله يصبرك يا فخامة الرئيس. هيدي مصيبة للكل.”

* في الساعة الثانية والدقيقة العشرين وصل إلى زغرتا البطريرك الماروني مار أنطونيوس بطرس خريش وبعدما عانق البطريرك خريش الرئيس فرنجية دار بينهما الحوار التالي:
خريش: هذه إرادة الله
فرنجية: مظبوط، ولكن يا سيدنا في دم طقل ذبح ينادي الضمير العالمي ومش بس الضمير اللبناني… الإسرائيليون ما ذبحوا الأطفال… وطلبت من التلفزيون العالمي تصوير الطفلة تيعرف العالم شو عملوا”
خريش: عرفت أن القصر تهدم قسم منه
قرنجية: ما تهدم سيدنا… دخلوا البيت وقت اللي خلص الخرطوش وإنتقموا من طفلة عمرها 3 سنين و15 يوم
خريش:ما منعرف شو بدنا نقول… عاجزين عن وصف العاطفة وشاعرين معكم الشعور الكافي والله يبعد الشرور.

* في الموعد المحدد للتشييع، قرابة الثالثة تمنى الرئيس الحص وبعض الوزراء وبعض المقربين على الرئيس فرنجية أن ينتقل إلى الكنيسة بالسيارة ولكنه أبى إلا أن يسير في طليعة المشيعين قائلا ً: ” طوني راح أنا بدي إبقى!”.

* في الثالثة تحرك موكب الجنازة من القصر بإتجاه باحة كنيسة سيدة زغرتا… وإخترق الموكب شوارع زغرتا في صمت كئيب وقد لاقى صعوبة في الوصول إلى باحة الكنيسة لكثافة الجموع المحتشدة وكانت نعوش الضحايا قد سجيت داخل الكنيسة بعدما أخرجت المقاعد وأقيمت الصلاة في الباحة الخارجية

* أكمل الرئيس فرنجية تقبل التعازي وبعد أيام، يوم الأحد قدم الرئيس شمعون تعازيه ودار بينه وبين الرئيس فرنجية الحوار التالي:
شمعون: العوض بسلامتك فخامة الرئيس، الله يصبرك ويعينك.
فرنجية: الله يخليك فخامة الرئيس ويخلي ولادك… هيدي إرادة الله، شو منعمل؟
شمعون ( بعدما مسح دمعته) أنا بعتذر كثير فخامة الرئيس لآني ما جيت قبل هلق
فرنجية: الله يحفظك ويخلييلك الولاد… كلنا رايحين.
شمعون: بالفعل الأعمال اللي صارت ما بيتصورها عقل. شيء مؤسف جدا…
فرنجية: الله كبير الله بياخد الحق وإذا الشي اللي صار تضحية لمصلحة لبنان، معليش منعتبرها تضحية للبنان وشعبه
ثم توجه إلى حيث تجلس قرينة الرئيس فرنجية السيدة إيريس وقدم لها شمعون تعازيه قائلا ً: الله يصبرك ستنا ويبرد قلبك.
السيدة إيريس: الله يخلي لك ولادك… ديروا بالكم على ولادكم.