Beirut weather 19 ° C
تاريخ النشر April 8, 2016 06:05
A A A
موزّع بريد كلينتون:هل يحرمها الرئاسة؟
الكاتب: حسن منيمنة - الحياة

هيلاري كلينتون هي اليوم الشخصية الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية. فالمواجهة التمهيدية داخل حزبها لنيل الترشيح حُسمت فعلياً لمصلحتها، والتخبط في الحزب المنافس لا ينبئ له بالخير. والمعطيات تشير إلى أن جمهور الناخبين يتجه نحو اختيارها في تشرين الثاني المقبل لتكون أول امرأة تتبوأ الرئاسة في تاريخ الولايات المتحدة. إلا أن هذه التوقعات الواعدة تحتاج أولاً إلى تجاوز عقبة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تقضي على مستقبل هيلاري السياسي.

فخلال توليها وزارة الخارجية، استعملت كلينتون لتراسلها المعلوماتي موزع بريد خاصاً، مثبّتاً في منزلها، بدل استعمال التسهيلات الرسمية التي توفرها الوزارة. وفيما تؤكد كلينتون أن الأمر تمّ بمعرفة المسؤولين عن الأمن المعلوماتي للوزارة، وأنه كان مندرجاً بالكامل ضمن القيود والتوجيهات المرعية، فالشبهات حول تعريضها الأمن الوطني للخطر نتيجة فعلها هذا تدرّجت وصولاً إلى قيام مكتب التحقيقات الاتحادي (أف بي آي) بتحقيق رسمي بهذا الخصوص. البعض يريد هذه القضية سحابة عابرة، فيما البعض الآخر يراها سبيلاً ناجعاً لضربة قاضية على فرص كلينتون للفوز بالرئاسة.

والمتابعة المجرّدة للتفاصيل تبيّن بوضوح أن الدافع الأولي لاعتمادها على موزع البريد الخاص بها، بدلاً من الترتيبات الرسمية للوزراة، كان بحثاً عن السهولة. فكلينتون فضّلت الاحتفاظ بهاتفها وعنوانها البريدي بدل الانشغال بالتدرب على نظام جديد. ويبدو أنها اعتقدت أنها تتابع وحسب ما اعتمده من سبقها في موقع وزير الخارجية، إذ تشير المعلومات إلى أن جلّ هؤلاء احتفظوا بعناوينهم البريدية المعلوماتية (وإن لم يستعملوها بالكثافة التي استعملت كلينتون فيها عنوانها الخاص). فالمسألة إلى هذا الحد بريئة، ولا تحتاج أن تصدّع الحياة السياسية في الولايات المتحدة.

إلا أن كلينتون ارتكبت هفوتين. فمن يعمل في أجهزة الولايات المتحدة ودوائرها يخضع لتقصٍّ مسبق ثم يمنح إذناً بالسرّية يتمكن من خلاله من الاطلاع على الوثائق المصنّفة بدرجات السرّية المناسبة لمنصبه.

والاتفاقية التي وقّعتها كلينتون للحصول على الإذن بالسرّية تنصّ على أنها تلتزم بعدم التراسل بالوثائق، سواءً منها المصنفة لتوّها سرّية أو التي تحتمل التصنيف بالسرّية. فكلينتون، في تراسلها المستقل خارج الأطر الرسمية المؤمّنة، لم تبعث ولم تتلقَّ أية وثيقة جرى تصنيفها سرّية، غير أنها تراسلت بالكثير من الوثائق التي تنطبق عليها شروط التصنيف بالسرّية.

وبالفعل، فبعد مراجعة عينة من مراسلاتها، تبيّن أن نسبةً كبيرة منها تستوفي الشروط، وإن لم يتمّ تصنيفها للتوّ. والمطلوب من وزيرة الخارجية أن تكون على يقظة لهذا الأمر، وألا تدّعي وحسب أنها لم تكن تعلم. وقد صنفت وزارة الخارجية عشرات مراسلات كلينتون في إحدى درجات السرّية بمفعول رجعي، ما يجعلها بالتالي مخالفة لشروط اتفاق الإذن بالسرّية الذي وقّعته، وهي مسألة تقتضي المساءلة والمقاضاة.

أما الهفوة الثانية التي وقعت فيها كلينتون، فإنه عند انكشاف أمر موزّع البريد الخاص بها في آذار الماضي، يبدو أنها لم تكن تدرك جسامة القضية وإمكان تشعّبها وتوسّعها، فعمدت جواباً عن الأسئلة الصحافية إلى تقديم الأعذار المعقولة من دون توخي كامل الدقة. فقد أشارت مثلاً إلى أن ما دفعها إلى استخدام هذا الموزّع هو رغبتها في الاقتصار على جهاز هاتف وتواصل واحد فقط. وقد تبين في ما بعد أنها كانت تستعمل أكثر من جهاز. لم تكن تلك أكاذيب خطيرة تدفع البلاد إلى الانهيار، ولكنها مجانبة للصدق. وقد كان في وسع كلينتون الإفصاح عن أن الأمر كان تفضيلاً من دون إدراك تجاوزه الإجراءات الأمنية. غير أنها لم تفعل، فتورّطت بما يطعن بصدقيتها.

خصومها يؤكدون أنها عرّضت أسرار البلاد لخطر الكشف، وبالفعل فإن جهاز أحد مساعديها الرئيسيين، وهي كانت قد تواصلت معه عبر موزّع البريد الخاص بها، تعرّض لاختراق من أحد الهواة، واستخرج هذا الهاوي رسائل مختلفة من كلينتون وإليها حول قضية بنغازي ونشرها في الإعلام. فالسؤال الذي يكرره الخصوم هو: إذا كان أحد الهواة قد تمكن من هذا الفعل، فما الذي نجحت في الحصول عليه الأجهزة الاستخبارية للدول المعادية؟ فالمسألة ليست هفوة في نظرهم، بل تفريط إجرامي بأمن البلاد.

وقد أنهى مكتب التحقيقات الاتحادي مرحلة تقصّي الوقائع، وباشر بمرحلة جمع الشهادات من مساعدي كلينتون خلال توليها مسؤولية وزيرة الخارجية. وهذه مرحلة دقيقة. فكثرٌ من هؤلاء المساعدين، كما كلينتون، كانوا أدلوا بتصريحات مختلفة، ذات طابع تطويقي لقضية كانوا يسعون إلى إخمادها في مهدها. أما اليوم، فشهاداتهم المطلوبة تحمل مسؤولية جزائية، أي إما عليهم الإفصاح عن كل ما لديهم، حيث لا يعلمون ما تبين للمحققين من تفاصيل القضية، والإقرار بالتالي بأن بعض ما قالوه بالأمس لم يكن كامل الصدق، أو أن يعرّضوا أنفسهم للتهم القضائية بالكذب على السلطات إن استمروا في طمس تفاصيل كشف عنها التحقيق.

ومرحلة جمع الشهادات هذه حاسمة، إذ على أساسها يـــوصي مكتب التحقيقات الاتحادي برفع قضية جزائية بحـقّ كلينتون أو إسقاط الموضوع. فإذا ظهر تناقض في الشهادات، فالمكتب قد يستدعي كلينتون نفسها للإدلاء بشهادتها. وهذا إحراج بالحد الأدنى، أو تورّط بإجراءات قضائية قد تربك حملتها الانتخابية أو حتى تنهيها.

ولا شك في أن حماسة الجمهوريين، الذين كانوا قد انقضّوا على هذه القضية حين انكشفت العام الماضي، قد تبدّلت اليوم بفعل ما يشهده حزبهم من أزمات، مع سعي رجل الأعمال دونالد ترامب إلى الاستيلاء على الترشيح. وفي حال حازه ترامب، فإن فرص فوزه بالرئاسة قد تكون متوقفة على إبقاء ملف موزّع بريد كلينتون حياً.

وعلى رغم مخاوف البعض وأماني البعض الآخر، فالمسألة ليست محسومة، بل هي في عهدة التحقيق والقضاء المستقلين. وفي حين يرى البعض في فتح الملف تسييساً، يعتبر البعض الآخر أن طيّه هو التسييس.

هو إذاً مصير القوة العظمى الأولى في العالم، يقرره الحكم على سلوك قد لا يُلحظ على الإطلاق في دول أخرى.